عبدالناصر تابع شخصياً انتقال محمود درويش إلى مصر..وشعراوي جمعة انتفض لتحيته في حفل غداء

«المتن المجهول» يكشف سنوات شاعر فلسطين الأبرز في القاهرة

صورة

أماط كتاب «محمود درويش في مصر - المتن المجهول» للكاتب الصحافي سيد محمود، اللثام عن حقبة إقامة الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مصر، وتفاصيل انتقاله الى القاهرة في ملابسات أشبه بالعمليات الاستخبارية، وحفاوة استقباله في مصر ثقافياً وإعلامياً ورسمياً وشعبياً، خصوصاً أن حضوره جاء بعد حرب الاستنزاف (1967-1970)، ونقل الكتاب ردود الافعال المتباينة، والتي لا تخلو من حدة، التي شابت مجيء درويش، كما أشار الى ملابسات انتقاله من مصر الى بيروت في ظل التغييرات السياسية.

وتتبّع الكتاب الصادر عن منشورات المتوسط بميلانو في إيطاليا، رحلة درويش إلى صوفيا ثم إلى موسكو، حيث كان من أشد الرافضين لفكرة الخروج من فلسطين المحتلة في البداية، لكن تعرّضه للمراقبة العسكرية والإقامة الجبرية في مدينة حيفا، حيث فرض عليه من قبل السلطات العسكرية الاسرائيلية عدم مغادرة غرفته بعد الرابعة مساءً يومياً، والتوقيع بالحضور يومياً في نقطة أمنية، وتطور الأمر الى الاعتقال بعد انفجارات شهدتها المدينة، دفعته لتغيير رأيه والتفكير في الخروج في قطار إلى موسكو، بمجرد أن سمحت له الظروف بذلك.

كما أشار إلى رواية سفيرة فلسطين في باريس، ليلى شهيد، أن «جمال عبدالناصر قابل محمود درويش خلال زيارته السرية إلى موسكو، وأن عبدالناصر قدّم له دعوة للإقامة في مصر، بعد أن سأله ماذا تفعل هنا في بلاد الثلج، كما أعطى عبدالناصر الأوامر بأن يعامل درويش الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين مثل أكبر المثقفين»، لكن الكتاب يعود فيستدرك مقللاً من إمكانية حدوث هذا اللقاء، ويشير الى روايات أخرى تؤكد أن عبدالناصر تابع خروج درويش ودعوته للإقامة في مصر عبر مساعديه.

حفاوة

ويفرد الكتاب مساحة واسعة للحفاوة التي تلقاها درويش في مصر، حيث احتضنه الكاتب الصحافي، أحمد بهاء الدين، الذي اعتبره درويش أباً روحياً في مصر، بديلاً عن راعيه في فلسطين الروائي إميل حبيبي، كما عيّن - أي درويش - مستشاراً بإذاعة «صوت العرب»، كما عيّن صحافياً بجريدة الأهرام براتب 140 جنيهاً شهرياً، ورتبت له لدى وصوله الى القاهرة رحلة استجمام في الأقصر وأسوان، ووصلت الحفاوة أن وزير الداخلية المصري آنذاك، شعراوي جمعة، قام للترحيب به من على كرسيه أثناء مأدبة الغداء التي أعدت للاحتفال به، وهو مشهد دفع مؤلف الكتاب للتعليق بالقول: «مثير هذا المشهد الذي يجعل وزير داخلية أكبر بلد عربي، يقوم للترحيب بشاعر ترحيباً حانياً»، هذا علاوة على احتفالية أخرى بعيد ميلاده، أقامها أحمد بهاء الدين، ودعا إليها رموز النخبة المصرية آنذاك، وأرسلت إليه فيها الفنانة نجاة باقة ورد أرفقتها ببطاقة رمزت فيها لاسمها بالحرف (نون).

ونوه الكتاب إلى أن درويش وسط كل هذه الحفاوات لم يتأثر بشيء قدر تأثره بزيارة لمدرسة ابتدائية متواضعة في مصر، أنشد فيها التلاميذ أبياته الشعرية القائلة «وطني يعلمني حديد سلاسلي: عنف النسور ورقة المتفائل».

أحبَّ القاهرة مثل حيفا

وعن مشاعر درويش تجاه مصر، كشفت السطور أن «درويش أحب القاهرة كما أحب حيفا»، وأنه قال عنها إنها «أجمل مما تصور»، كما روى درويش أنه «سُحر حين نزل الشارع لرؤية الصحف مفروشة وكل عناوينها بالعربية، أمام مكتبة مدبولي بميدان طلعت حرب، وسُحر أيضاً لأنه يرى للمرة الأولى مدينة بكاملها تتكلم بالعربية وأسماء شوارعها بالعربية».

كذلك أشارت السطور إلى أنه، رغم كل الحفاوة التي لقيها في القاهرة، فقد تعرض أيضاً الى منغصات عابرة، منها تعرضه لهجوم من ناشط في الحركة الطلابية عام 1972، هو سمير غطاس (برلماني حالي)، حين ذهبوا لدعوته لاحدى الفعاليات الطلابية في جامعة القاهرة، حيث قال له: «لماذا تركت المقاومة وجئت إلى مصر»، فردّ عليه بـ«الصمت المتعالي»، حسب شهادة أحد حضور الواقعة، الناشطة وقتئذ والكاتبة الصحافية حالياً، منى أنيس، وأيضاً مثل قصيدة «سلمي ياعزيزة على الأستاذ» لأحمد فؤاد نجم، والتي يؤكد أدق مؤرخي «ثنائي نجم - الشيخ إمام» الدكتور عصمت النمر، أنها كانت موجهة ضد درويش.

تغيّر البوصلة

وتطرّق الكتاب الى تأثير التغييرات السياسية على وجود درويش بالقاهرة بعد التحول الذي حدث عام 1971 إثر قضية «مراكز القوى»، وتغير بوصلة الرئيس أنور السادات السياسية الداخلية والخارجية، وتغيّر الخريطة بين عشية وضحاها، واعتقال أهم الرموز التي كانت تحتضن درويش، لينتقل بعدها درويش الى ما يسميه المؤلف «متحف الخالدين» بالدور السادس بصحيفة الأهرام، والذي كان يضم توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ولويس عوض، والدكتور بطرس غالي، وبجوار راعي درويش أحمد بهاء الدين.

وتعتبر هذه الفترة مقدمة للحظات درويش الأخيرة في مصر، حيث يغادر في صيف 1972، ضمن ملابسات لم يتعرض لها الكتاب، لكن تبدو ملامحها السياسية بين السطور، لينتقل بعدها الى «مركز الدراسات الفلسطينية» في بيروت، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته.


درويش أحب القاهرة كما أحب حيفا، وقال عنها إنها أجمل مما تصور، وسحر حين نزل الشارع لرؤية الصحف مفروشة وكل عناوينها بالعربية، أمام مكتبة مدبولي بميدان طلعت حرب، وسُحر أيضاً لأنه يرى للمرة الأولى مدينة بكاملها تتكلم بالعربية وأسماء شوارعها بالعربية.

يفرد الكتاب مساحة واسعة للحفاوة التي تلقاها درويش في مصر، حيث احتضنه الكاتب الصحافي، أحمد بهاء الدين، الذي اعتبره درويش أباً روحياً في مصر بديلاً عن راعيه في فلسطين الروائي إميل حبيبي.

طباعة