يجب عليها الاعتراف بالأخطاء المرتكبة في العصر الاستعماري

أوروبا تستطيع تحسين علاقاتها مع إفريقيا إذا تخلصت من أشباحها الاستعمارية

صورة

تنبغي معالجة قضية الفوقية والعنصرية، إذا كان الاتحاد الأوروبي يرغب في إعادة بناء الثقة مع قارة إفريقيا ذات الاقتصادات الفتية. وأثارت الاحتجاجات التي رفعت شعار «حياة السود مهمة»، التي جرت الصيف الماضي في أميركا حسابات غير مريحة، في ما يتعلق بالإرث الاستعماري والعبودية للعديد من الدول الأوروبية.

وفي الواقع، إن نبش هذا التاريخ الأسود، من خلال المناهج والمبادرات المدرسية، مثل: «شهر التاريخ الأسود»، يعتبر أمراً صعباً. لكن ذلك ضرورة ملحة، من أجل التخلص من «المدح الذاتي»، والروايات الكاذبة برمتها عن ماضي أوروبا المتحضر، والذي لايزال يحركه السياسيون المتعصبون قومياً والشعبويون.

حوار جديد

والحوار الجديد مطلوب بصورة ملحة، إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد إنقاذ الجهود الضعيفة، الرامية إلى بدء ما يعرف بـ«شراكة المتساوين» مع الدول الإفريقية. وهو ضروري، أيضاً، إذا كانت الحكومات الأوروبية تريد أن تضع العلاقات مع المواطنين الأوروبيين من أصول إفريقية على أسس أكثر احتراماً.

وثمة إشارات مشجعة، ففي ألمانيا حقنت احتجاجات «حياة السود مهمة» الزخم، في جهود تغيير أسماء الشوارع التي تحمل أسماء لها علاقة بالماضي الاستعماري أو العنصري. وفي فرنسا، زودت وزارة القوات المسلحة السلطات المحلية بدليل إرشادي، يحوي أسماء 100 إفريقي، قاتلوا إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الثانية، وبناء عليه يمكن إطلاق أسمائهم على الشوارع والساحات. وشجب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارة له إلى ساحل العاج عام 2019، ما دعاه بـ«وجهة نظر الهيمنة وبهرجة صورة الاستعمار»، التي قال عنها إنها «خطأ كارثي، ارتكبته الجمهورية».

وفي بلجيكا، استجابت السلطات الحكومية للاحتجاجات، عن طريق إزالة بعض التماثيل الموجودة في المناطق العامة للملك ليوبولد الثاني، الذي احتلت قواته الكونغو في نهاية القرن التاسع عشر، وحكمها بطريقة وحشية نجم عنها مقتل الملايين من سكان هذا البلد.

خطوة غير مسبوقة

وفي خطوة غير مسبوقة حدثت الصيف الماضي، كتب ملك بلجيكا فيليب، وهو من الأحفاد غير المباشرين للملك ليوبولد الثاني، رسالة للرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، معرباً عن أسفه العميق على المعاناة المهينة التي تعرض لها الشعب الكونغولي، إبان احتلال الملك ليوبولد الثاني الاستعماري للدولة. وقال الملك، في معرض رسالته، إنه «تم إحياء ألم الماضي عن طريق التمييز العنصري، الذي لايزال طاغياً في مجتمعاتنا»، وربما كانت هذه الرسالة متأخرة كثيراً، وتحمل قيمة رمزية فقط، لكن مثل هذه الإيماءات مهمة.

وكان قرار الرئيس ماكرون دعوة الشبان الأفارقة، وليس قادتهم السياسيين إلى القمة الفرنسية الإفريقية حول التنوع الحيوي في يوليو المقبل، والتي تشمل الأوروبيين الأفارقة، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وكذلك الجهود الرامية إلى تشجيع سيدات الأعمال، وقادة الأعمال للانخراط في حوار إفريقي أوروبي.

تشابك

وبالنظر إلى أن أوروبا وإفريقيا متشابكتان في علاقتيهما، ومعتمدتان على بعضهما بعضاً، فإنهما تحتاجان بعضهما لخلق فرص العمل، وتحقيق النمو في كلتا القارتين، لضمان حدوث انتعاش اقتصادي في مرحلة ما بعد الاستعمار، ولمعالجة أزمة تغير المناخ.

ويبقى الاتحاد الأوروبي مصدر المساعدات الرئيسة، والتجارة، والاستثمارات. ويظل المصدرون الأفارقة للمواد الخام، مثل منتجات النفط والمواد الكيماوية، والفلزات والمعادن، إضافة إلى منتجات الأسماك والبضائع الزراعية عماد العديد من الصناعات الأوروبية.

لكن حتى لو أن معدلات النمو الاقتصادي كانت نشطة وقوية، لكنها تباطأت نتيجة جائحة كورونا، إلا أن إمكاناتها الاقتصادية، والعدد الكبير من سكانها في عمر الشباب، إضافة إلى خططها لإنشاء المنطقة الحرة لقارة إفريقيا، على شاكلة السوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي، ستؤدي إلى تعزيز المنافسة الدولية، خصوصاً بين أوروبا والصين.

ويصر صانعو السياسة في الاتحاد الأوروبي على أن سياساتهم أفضل من سياسات الصين، وأنه بينما تقوم الصين بالاستثمار من أجل «مبادرة الطريق والحزام» للفت انتباه العالم، إلا أنهم يثقلون كاهل إفريقيا بالديون.

اتهامات متبادلة

ويتهم المعلقون الأفارقة الاتحاد الأوروبي، الذي يقدم مساعدات مشروطة بمدى تطبيق حقوق الإنسان، ومعايير أخرى في وضع العمالة، بالفوقية، ويقولون إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتعلم من الصين كيفية التشاور مع الدول الإفريقية، والعمل مع هذه الدول كشركاء حقيقيين متساوين.. وهم على صواب في ذلك.

وقام قادة الاتحاد الأوروبي بإلغاء قمة مصغرة بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا، عبر الإنترنت، في بداية ديسمبر، في اللحظة الأخيرة. وجاء ذلك بعد تأجيل اجتماع آخر كان مقرراً في أكتوبر. ولا يمكن تجاهل ذلك على أساس أنه حدث دبلوماسي روتيني آخر.

وبناء عليه، فقد حان الوقت لقول كلمة صدق. لأن إعادة ضبط هذه العلاقة من جديد مسألة صعبة، لأن العديد من الأفارقة تساورهم الشكوك إزاء دوافع أوروبا، وهي مسألة مفهومة.

وتميزت العلاقات الأوروبية الإفريقية، منذ سنوات عدة، بأنها «علاقة المانح والمتلقي»، وهي غير متوازنة، حيث تصبو الحكومات الإفريقية إلى الوصول إلى التجارة والمساعدات التفضيلية للاتحاد الأوروبي، في حين أقام قادة الاتحاد الأوروبي علاقات مميزة مع النخبة الإفريقية، وتجاهلوا حاجات الجيل الشاب للقارة. وزادت محاولات دول الاتحاد الأوروبي إبعاد المهاجرين الأفارقة عن أراضيها من زيادة انعدام الثقة.

وتعمل البرتغال على تحقيق هدف تطوير وتحسين وضع العلاقة بين القارتين، وهي تأمل، لكونها الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي، أن تتمكن هذا العام من عقد قمة ناجحة للاتحاد الأوروبي وإفريقيا على شكل القمة التي نظمتها عام 2007.

لكن الوقت تغير الآن، وأصبح من غير الممكن التنبؤ بالجغرافيا السياسية، إذ إن حالة التوجس الناجمة عن جائحة كورونا كبيرة جداً، كما أن العديد من الدول بما فيها المملكة المتحدة بعد «البريكست»، تتنافس مع الاتحاد الأوروبي من أجل الفرص في إفريقيا.

الاعتراف بالضرر

ويبدو أن أحد الطرق، التي يمكن أن تحقق النجاح، هو اعتراف الاتحاد الأوروبي بالضرر الذي أصاب إفريقيا إبان فترة الاستعمار، يتلوه اعتراف من الحكومات الإفريقية بأن الجيل الجديد من قادة الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يتحمل عبء الماضي، وفق ما أشار إليه رئيس المجلس الأوروبي، تشارلز مايكل، العام الماضي.

وإذا صدر بيان مشترك يعترف بالأخطاء التي ارتكبت في الماضي، فإنه ربما لن يؤدي إلى تحسن فوري في العلاقات الأوروبية الإفريقية، لكنه يمكن أن يكون بداية رائعة. وإذا أرادوا الاستفادة من خطط التجديد الأكثر عدلاً للعلاقات، فيجب على قادة الاتحاد الأوروبي أن يتخذوا إجراءات جماعية للتخلص من شبح ليوبولد، و«أبطال الاستعمار» الآخرين، الذين ارتكبوا فظائع مشابهة للملك البلجيكي.

معالجة المظالم

وهذا يعني معالجة المظالم الإفريقية، نتيجة دور أوروبا في تجارة الرقيق، والحكم الاستعماري الوحشي، إضافة إلى التمييز العنصري الحديث والمتواصل.

ويتطلب ذلك تغييراً في الخطاب المسموم عن الهجرة إلى أوروبا، وتنفيذ الأجندة الأوروبية المناهضة للعنصرية، والشروع في الأعمال «المتعلقة بالشراكة العالمية»، كي تحل محل سياسة المساعدات التقليدية للاتحاد الأوروبي، أو كما كانت معروفة في بروكسل حتى وقت قريب «التعاون التنموي»، حيث تم الترويج بعمق لرواية المخلص الأبيض.

• الحوار الجديد مطلوب بصورة ملحة، إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد إنقاذ الجهود الضعيفة، الرامية إلى بدء ما يعرف بـ«شراكة المتساوين» مع الدول الإفريقية. وهو ضروري، أيضاً، إذا كانت الحكومات الأوروبية تريد أن تضع العلاقات مع المواطنين الأوروبيين من أصول إفريقية على أسس أكثر احتراماً.

• بالنظر إلى أن أوروبا وإفريقيا متشابكتان في علاقتيهما، ومعتمدتان على بعضهما بعضاً، فإنهما تحتاجان إلى بعضهما لخلق فرص العمل، وتحقيق النمو في كلتا القارتين، لضمان حدوث انتعاش اقتصادي في مرحلة ما بعد الاستعمار، ولمعالجة أزمة تغير المناخ.

• يتهم المعلقون الأفارقة الاتحاد الأوروبي، الذي يقدم مساعدات مشروطة بمدى تطبيق حقوق الإنسان، ومعايير أخرى في وضع العمالة، بالفوقية، ويقولون إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتعلم من الصين كيفية التشاور مع الدول الإفريقية، والعمل مع هذه الدول كشركاء حقيقيين متساوين.

شذى إسلام - متخصصة في قضايا الاتحاد الأوروبي مقيمة في بروكسل.

طباعة