%40 يؤمنون بنجاحها

ديمقراطية تونس الهشة لم تحقق تطلعات شعبها

صورة

بعد 10 سنوات من قيام بائع متجول بحرق نفسه في تونس، ما أدى إلى اندلاع الثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، ومن ثم انطلاق حركات احتجاج في شتى أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تبدو الديمقراطية التونسية تقف على نقطة انعطاف، وعلى الرغم من أن الشعب التونسي أصبح الآن حراً في اختيار قادته، وتمكن من إجراء انتخابات عدة، ويستطيع انتقاد الحكومة علناً، إلا أن أحلام الثورة التي انطلقت في تونس لم تتحقق حتى الآن بعد عقد من تفجرها، إذ إن انعدام المساواة والبطالة والخدمات السيئة لاتزال سارية.

ركود الاقتصاد

وعلى الرغم من المسار الديمقراطي المشجع، إلا أن الاقتصاد أصبح في حالة ركود، ويشكّل الفساد معضلة خطيرة أمام التنمية، والقادة السياسيون منقسمون بحدة، وفي حالة شلل، خصوصاً في لحظة صنع القرارات التي من شأنها أن تحسن حياة الشعب، الذي يتصاعد غضبه على الواقع الذي يعيشه، وما يدعو إلى الأسف أن تونس تواصل المعاناة من المشكلات ذاتها التي فجرت الثورة.

والسؤال المطروح دائماً وباستمرار عما إذا كانت الحكومة قادرة على تحسين حياة العامة، وعلى الرغم من وجود خطة لا مركزية طموحة يمكنها تحسين نقل الخدمات، وتعزيز سلطة الحكومات المحلية، إلا أنه لم يتم إنجاز إلا القليل على هذه الجبهة، الأمر الذي يجعل من الصعب تحقيق أي تقدم، ليس فقط على صعيد تسليم السلطة، وإنما بتوزيع الموارد على نحو أكثر مساواة، أو صنع القرار المحلي، التي تعد من صلب الانقسامات التونسية، ويشعر الشعب التونسي بالغضب جراء كل ذلك.

ثقة منخفضة

ولطالما كانت ثقة الشعب التونسي بالمؤسسة السياسية الحاكمة في بلاده منخفضة، إذ إن 87% منهم يرون أن دولتهم تسير في الاتجاه الخاطئ (وهذه زيادة بنسبة 20% عما كانت عليه الحال قبل انتخابات عام 2019)، كما أن معظم تشاؤم التونسيين كان حول الاتجاه الذي تسير فيه بلادهم منذ عام 2011. ولايزال جمهور الناخبين مستاء بشدة من الأحزاب الحاكمة. وعندما سئلوا عن أهم إنجازات الحكومة الوطنية في عام 2020، قال 75% من التونسيين إنها لم تنجز «أي شيء»، وقال 50% منهم إنهم يريدون رؤية أحزاب سياسية جديدة في الانتخابات المقبلة.

مسؤولية الاحزاب

وهم يعتبرون الأحزاب مسؤولة عن الفشل في حل حالات الإقصاء الاقتصادي الاجتماعي العميق، وانعدام المساواة المحلية، وارتفاع معدل البطالة، والفساد، وارتفاع معدل الديون خصوصاً في ظل جائحة «كورونا»، ومع توقع ارتفاع البطالة بنسبة 20%، حيث ارتفعت البطالة على نحو صارخ في أوساط الشباب إلى نسبة 37% (أي أعلى مما كانت عليه الحال في 2010)، لايزال الاقتصاد هو الأولوية الأهم بالنسبة للشعب التونسي، الذي يعاني بصورة متزايدة في تأمين حاجيات معيشته.

ويواجه التونسيون أعلى عجز في الميزانية خلال 40 عاماً في عام 2020، بالنظر إلى زيادة إنفاق الحكومة بقيمة أربعة مليارات دولار، من أجل التعامل مع جائحة «كورونا»، ومن المتوقع أن يتقلص إجمالي الناتج المحلي في تونس بنسبة 8% عن عام 2020، نتيجة جائحة «كورونا»، وتظل السياسة منقسمة مع الرئيس المستقل، قيس سعيد، الذي لا ينتمي إلى أي حزب ولا إلى الأغلبية البرلمانية، إذ تتقوض قوته السياسية نتيجة الانقسامات والخصومات السياسية، بما فيها تصاعد المنافسات مع زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي.

وأدت استقالة رئيس الحكومة السابقة، إلياس الفخفاخ، إثر ادعاءات بالفساد، وتعيين رئيس حكومة جديد، هو هشام المشيشي، والطريقة التي تشكلت بها الحكومة الجديدة، إضافة إلى الصدع المفتوح بين البرلمان والرئيس، إلى تصاعد التوترات. وتشير المناشدات المتزايدة لشخصيات شعبوية مناوئة للثورة - أمثال رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، التي تنادي بالعودة إلى مرحلة حكم الرجل القوي - إلى وجود صدع كبير، وتنطوي على خطر وجودي، الأمر الذي يشير إلى وجود تغير محتمل في طريقة صنع السياسة في تونس، وأدى الانقسام والاستقطاب الحزبي، إضافة إلى عبادة الشخصية، إلى فشل سياسات المساومة، التي مكنت الديمقراطية التونسية الفتية من البقاء.

وكانت إحدى أكبر حالات الفشل التي منيت بها الحكومة، مواجهة القضايا التي لاتزال تصرخ من أجل الاهتمام بها، وبصورة أساسية انعدام المساواة المحلي المستمر، وبالفعل ينتشر الإحباط في الجنوب والوسط، خصوصاً حوض الفوسفات، حيث واصل المحتجون المطالبة بالتوظيف والاستثمار في المنطقة. وكانت نتيجة وقف إنتاج الغاز والنفط والفوسفات إصابة الاقتصاد بالشلل. وتلقت المناطق الداخلية في تونس التي تم تهميشها، خلال حكم الرئيس زين العابدين بن علي، والرئيس الحبيب بورقيبة، ضربة قاسية جراء جائحة «كورونا» التي أدت إلى تفاقم وتعميق الانقسام بين الداخل والساحل، وكانت هذه المناطق الداخلية المهمشة ذاتها هي الدافع الأساسي لثورة 2011.

وفي الحقيقة فإن الديمقراطية لاتزال هشة في تونس، كما أن التحديات المحدقة كبيرة، ويجب على رئيس الحكومة المشيشي، تخفيف التوترات بين الرئاسة والبرلمان. وتتزايد الفوضى البرلمانية، وكذلك استياء المواطنين من الحكومة. وخلال هذه الأيام يعتقد 41% من التونسيين أن الديمقراطية هي الشكل الأمثل والممكن للحكومة في تونس، في حين أن 50% يعتقدون أن الأشكال الأخرى من الحكم يمكن أن تكون أفضل من الديمقراطية، وهم يرون أن نموذج الحكم الجماعي، الذي يحتوي على المعارضة في الوقت ذاته، والذي تبنته التشكيلات السياسية العلمانية، أو التي تستند إلى الأفكار الإسلامية، قد يكون فريداً في خلق مساحة مشتركة لمواجهة الضغوط الخطيرة، ومن دون معالجة هذه المشكلة والتوصل إلى حالة ملائمة ومقنعة للحكم، فإن تونس تواجه الانحدار نحو الأسوأ، للمرة الأولى منذ وجود النظام الديمقراطي في هذا البلد منذ 10 سنوات.

• عندما سُئلوا عن أهم إنجازات الحكومة الوطنية في عام 2020، قال 75% من التونسيين إنها لم تنجز «أي شيء»، وقال 50% منهم إنهم يريدون رؤية أحزاب سياسية جديدة في الانتخابات المقبلة.

• إحدى أكبر حالات الفشل التي منيت بها الحكومة، مواجهة القضايا التي لاتزال تصرخ من أجل الاهتمام بها، وبصورة أساسية انعدام المساواة المحلي المستمر، إذ ينتشر الإحباط في الجنوب والوسط، خصوصاً حوض الفوسفات، حيث واصل المحتجون المطالبة بالتوظيف والاستثمار في المنطقة.

باتريشا كرم - المدير الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المعهد الجمهوري الذي يروج للديمقراطية.

طباعة