تجعل حضورها الكامل ملموساً على الساحتين المحلية والدولية

ألمانيا تواجه المجهول مع اعتزال ميركل

صورة

من المقرر أن تعتزل المستشارة الألمانية، وسيدة الدولة البارزة، وذات التأثير على الساحة الدولية، أنغيلا ميركل، العمل السياسي هذا العام. ويتعين أن تجد ألمانيا شخصية تخلفها في إدارة شؤون البلاد، لكن الطريق لتحقيق ذلك لايزال أبعد ما يكون عن الوضوح.

وأشاد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، في مذكراته، بالمستشارة الألمانية، كونها تتحلى بـ«صبر قوي لا يتزعزع»، ولكن مع بدء عام 2021، هذا الصبر على وشك أن ينفد.

ولن تترشح ميركل لإعادة انتخابها في الانتخابات العامة المقبلة في ألمانيا، التي من المقرر إجراؤها في سبتمبر المقبل، ويترك اعتزالها المستقبل السياسي للبلاد مفتوحاً على مصراعيه في مرحلة مفصلية حاسمة.

وبعد تولي السلطة على مدار 16 عاماً، عاصرت خلالها ثلاثة رؤساء أميركيين، وأربعة رؤساء فرنسيين، وخمسة رؤساء وزراء بريطانيين، وسبعة مثلهم في إيطاليا، يمكن أن تتفوق ميركل على المستشار الراحل هيلموت كول، بوصفه زعيم ألمانيا الأطول بقاء في سدة الحكم، بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا يتوقف على المدة التي ستستغرقها محادثات التحالف.

وتقول الزميلة البارزة بمعهد بروكينجز، كونستانتس شتلتسنمولر، إنه بعد كل ذلك الوقت «يظل استحقاق ميركل لمكان في سجلات الشهرة غير حاسم على نحو يثير الغرابة».

سجل مختلط

فأولاً، هناك السجل المختلط للمستشارة (66 عاماً) في مجال الأنشطة التجارية والاقتصاد، وكتبت شتلتسنمولر أخيراً: «شهدت حقبة ميركل ألمانيا وهي تنتقل بسرعة كبيرة من وضعية (رجل أوروبا المريض) إلى رابع أكبر اقتصاد في العالم، مع مستويات معيشة ترتفع بدرجة كبيرة».

غير أنها قالت: «الفضائح، من (ديزل جيت) إلى مأساة (وايركارد)، تكشف عن ثقافة مؤسسية ذات عيوب كثيرة ومقاومة للمساءلة».

ورغم أنه ربما أدت سياسة الباب المفتوح تجاه اللاجئين، التي اتبعتها ميركل في ذروة عام 2015، إلى إطلاق تصريحات الإشادة بها، والثناء عليها، كانت هي القوة الدافعة لحزب البديل من أجل ألمانيا، الذي كان في السابق حزباً يمينياً هامشياً، ليصبح أكبر قوة معارضة في البلاد على مرأى ومسمع ورعاية ميركل.

إرث قوي

وعلى الساحة الدولية، يستمد إرث ميركل قوته من مهاراتها الدبلوماسية البارعة، التي شوهدت في مؤتمرات القمم العديدة التي عقدها الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع. وأضافت شتلتسنمولر: «ومع ذلك، ستظل ميركل في الذاكرة بالقدر نفسه، بسبب ترددها والتزامها بأسلوب التغيير التدريجي، الذي غالباً ما يثير الغضب».

ومع ذلك، يمكن أن تغادر ميركل وقد حققت نجاحاً كبيراً، حيث ارتفعت شعبيتها وشعبية حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» خلال عام الأزمة 2020.

غير أن حزبها لا يستطيع أن يعتمد على ما حققه من انتصارات. وقبل أن تتمكن ألمانيا من اختيار زعيم جديد، يتعين أن يختار حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي زعيماً له، وتهدد عملية المحافظين الطويلة بشأن انتخاب قيادة الحزب، التي تسبب فيروس كورونا في إطالة أمدها، بزعزعة استقرار الحزب، في وقت يتعين عليه أن يضع نصب أعينه جائزة 2021.

وتشغل وزيرة الدفاع الألمانية، انغريت كرامب كارينباور، حالياً منصب زعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بعدما دعمتها ميركل كخليفة لها في عام 2018، لكن كرامب كارينباور أعلنت في فبراير الماضي أنها لن تترشح للمستشارية، وتعهدت بتسليم مقاليد إدارة شؤون الحزب لمن سيترشح لهذا المنصب.

ولكن يتوقف مدى استمرار حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا كحزب الوسط، وفق رؤية زعيمته أنغيلا ميركل حتى بعد رحيلها، على الشخصية التي يتم انتخابها لقيادته في انتخابات العام الجاري.

والمتنافسون الثلاثة ليحلوا محل كرامب كارينباور، هم: فريدريك ميرز، وهو محامٍ ورجل أعمال ثري، وأرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية شمال الراين وستفاليا، الولاية الأكثر سكاناً في ألمانيا، ونوربرت رويتجن، خبير السياسة الخارجية، الذي تعهد بعلاقات أوثق مع الولايات المتحدة، بينما يؤيد سياسة الابتعاد عن روسيا.

وقد ادعى أنصار ميرز، صاحب التوجهات الأكثر يمينية بين الثلاثة، أن بإمكانه أن يستعيد الناخبين الذين خسرهم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، واتجهوا لحزب البديل من أجل ألمانيا.

الاختيار المفضّل

من ناحية أخرى، يعتبر لاشيت الاختيار المفضّل لميركل، ومن المتوقع أن يقدم المزيد من الإسهامات، على غرار ما فعلت لحزب يمين الوسط.

وسقطت مؤتمرات الحزب المقررة لانتخاب زعيم مرتين ضحية جائحة «كورونا»، وكانت المرة الأولى في أبريل العام الماضي، وأعقب ذلك إلغاء آخر للانتخابات في ديسمبر من العام نفسه.

وقال رئيس الشؤون الأوروبية في البنك التجاري الألماني، ألكسندر بريفتيرا، إن التأجيل الأخير «أعاد فتح جروح قديمة داخل الحزب، وزعزع الثقة بالنفس».

وانتقد ميرز التأجيل، زاعماً أنه جزء من جهود «مؤسسة الحزب» لمنعه من تولي قيادته.

ورفضت كرامب كارينباور هذا الانتقاد، باعتباره يندرج في إطار نظرية مؤامرة. وتم تحديد الـ16 من يناير الجاري موعداً جديداً لمؤتمر الحزب الحاسم، لكنه لن يكون التجمع المعتاد الذي يحضره شخصياً مندوبو الاتحاد الديمقراطي المسيحي، البالغ عددهم 1001.

وبدلاً من ذلك، ستجرى انتخابات قيادة الحزب عبر الإنترنت، ويتم التصديق عليها لاحقاً في تصويت عبر البريد، للالتفاف على القوانين الألمانية، التي تمنع حزباً سياسياً من انتخاب زعيمه عبر الإنترنت بشكل كامل.

سطوع نجم وزير الصحة

على الرغم من إجراء انتخابات الحزب الديمقراطي المسيحي، فإن زعيم الحزب في المستقبل ربما لا يحظى بالتأييد لأن يصبح المرشح لمنصب المستشار، مع الوضع في الحسبان أنه يتعين اتخاذ أي قرار بشأن ذلك بالتشاور مع الحزب الإقليمي الشقيق للحزب الديمقراطي المسيحي، وهو الاتحاد الاجتماعي المسيحي.

وتم ترشيح زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي كمنافس محتمل للمنصب الكبير في السياسة الألمانية، وأنه دأب على استخدام الجائحة لدعم موقفه فيما وراء ولايته بافاريا.

من جهة أخرى، أدى سطوع نجم وزير الصحة، ينس شبان، خلال أزمة فيروس «كورونا»، إلى تكهنات بأنه قد يدخل السباق في اللحظة الأخيرة لقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

وكتب رئيس الشؤون الأوروبية في البنك التجاري الألماني، ألكسندر بريفتيرا في مدونة حديثة: «إنه يلقى قبولاً لدى المحافظين، مدعوماً بخبرة استمرت لمدة عام في وزارة المالية، وكذا لدى التقدميين، لأنه مثلي الجنس بشكل علني».

وفي كلتا الحالتين، لايزال طريق الحياة من دون ميركل طويلاً، حيث تواصل ممارسة نفوذها خلال الجائحة، بما في ذلك على مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث لعبت دوراً رئيساً في تعامل التكتل مع الركود الذي يلوح في الأفق.

وتابع بيرفيتيرا: «بينما في ظل الظروف العادية، يتحول أي مستشار في العام الأخير له في المنصب ببطء إلى بطة عرجاء، مازالت لا توجد أي دلالة على أن هذا سيكون هو الحال بالنسبة لميركل، بل على النقيض من ذلك، فهي تجعل حضورها الكامل ملموساً على الساحتين المحلية والدولية».

وذكر بيرفيتيرا: «لاتزال الانتخابات العامة المقبلة في خريف عام 2021 تبدو أنها بعيدة جداً بالفعل».


- شهدت حقبة ميركل ألمانيا وهي تنتقل بسرعة كبيرة، من وضعية «رجل أوروبا المريض» إلى رابع أكبر اقتصاد في العالم، مع مستويات معيشة ترتفع بدرجة كبيرة.

- على الساحة الدولية، يستمد إرث ميركل قوته من مهاراتها الدبلوماسية البارعة، التي شوهدت في مؤتمرات القمم العديدة التي عقدها الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع.

طباعة