بسبب جهات سياسية تمتص عائدات النفط

العراق مقبل على أزمة اقتصادية حرجة قد تؤدي إلى عودة الحرب الأهلية

يعتمد العراق على الاستيراد في جميع احتياجاته الضرورية عدا النفط. أ.ف.ب

إذا فشلت الحكومة العراقية في دفع رواتب موظفي الدولة في يناير، فقد يؤدي ذلك إلى انتشار عدم الاستقرار والعنف، لهذا يجب على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي دعم الشؤون المالية لبغداد قبل فوات الأوان. وهذه الأزمة العراقية الجديدة هي أحدث ما يواجه الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، ولسوء الحظ، فإنها قد تكون أول مشكلة في سياسته الخارجية ينبغي عليه مواجهتها. ويتجه العراق بسرعة إلى الانهيار المالي، وفي حالته الهشة الحالية، من المرجح أن يؤدي ذلك إلى انهيار نظامه السياسي المتهالك، ما قد يؤدي بالتالي إلى إشعال جولة أخرى من الحرب الأهلية.

وعلى مدى العقدين الماضيين، ظل الفساد مشكلة مستفحلة في العراق. فقد سمحت الحكومات العراقية الضعيفة والمتواطئة والشمولية للأحزاب السياسية الكبيرة بتولي وزارة واحدة أو أكثر، وهذه الأحزاب لا تعمل لمصلحة البلاد، بل كشبكات محسوبية ضخمة، وآلات فساد تمتص عائدات النفط من الخزانة، وتمررها إلى محسوبيها على شكل وظائف وعقود وامتيازات أخرى، وأدى انتشار الكسب غير المشروع بشكل فعال إلى خنق مؤسسات القطاع الخاص القليلة في العراق، وهذا يعني شح الوظائف البديلة في القطاع العام.

ونتيجة لذلك، أصبحت الحكومة الآن إلى حد بعيد هي المسيطرة على معظم الوظائف في البلاد، وتعتمد نسبة كبيرة من السكان على الوظائف الحكومية لكسب عيشها، إما بشكل مباشر من خلال الرواتب والمعاشات التقاعدية، أو بشكل غير مباشر من خلال العقود، أو توفير السلع والخدمات لمن هم في كشوف المرتبات الحكومية، وحتى الشركات الصغيرة في العراق تعتمد في النهاية على الحكومة، لأن الكثير من عملائها، خصوصاً في المدن الكبرى، يتلقون رواتبهم منها، بطريقة أو بأخرى. علاوة على ذلك، لاتزال الحكومة العراقية توفر «سلة غذاء» شهرية عبر نظام التوزيع العام، والتي تظل عنصراً مهماً في الحياة اليومية للطبقة العاملة والفقراء في البلاد.

ولهذا ليس من المستغرب أن تكون هناك زيادة بمقدار ثلاثة أضعاف في عدد العاملين في القطاع العام منذ عام 2004، وتدفع الحكومة رواتب تزيد بنسبة 400% عما كان عليه الحال قبل 15 عاماً. وهكذا أصبحت الحكومة وعائداتها النفطية المحرك الرئيس للاقتصاد العراقي، والمزود المعيشي للشعب العراقي.

وهذا يعني أن الحكومة بحاجة إلى خمسة مليارات دولار شهرياً لدفع الرواتب المباشرة والمعاشات التقاعدية، إضافة إلى ملياري دولار أخرى لتغطية الخدمات الأساسية وتكاليف التشغيل، التي يمثل معظمها أشكالاً غير مباشرة من الدعم للسكان. ومع ذلك، منذ ظهور جائحة «كوفيد - 19»، وانهيار أسعار النفط، الذي يوفر نحو 90% من الإيرادات الحكومية، ظل الدخل الشهري للعراق يراوح بين 2.5 و3.5 مليارات دولار، وهذا يعني أن البلاد تعاني عجزاً شهرياً يراوح بين 3.5 و4.5 مليارات دولار.

والآن تنفد الأموال التي كانت تحافظ على الأقل على ذلك العجز، حيث صرّح وزير المالية العراقي، علي علاوي، في أكتوبر، في مقابلة تلفزيونية، بأن «احتياطات البنك المركزي العراقي تبلغ 53 مليار دولار». ومنذ ذلك الحين، أقر مجلس النواب قانون العجز في التمويل، الذي مكّن الحكومة من اقتراض 10 مليارات دولار لدفع رواتب أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2020، وبذلك يصل إجمالي الدين العراقي إلى 80 مليار دولار، وفقاً لمصادر حكومية ومقترحات الميزانية، واضطرت البلاد لتخصيص أكثر من 12 مليار دولار من الميزانية السنوية للفوائد وسداد أصل هذه القروض، وكلها تزيد من تفاقم عجز رأس المال الحكومي.

وبحلول صيف عام 2021، قد تكون احتياطات العراق من العملة الصعبة قد انخفضت بشكل خطر. في الواقع، يمكن أن ينفد النقد من الحكومة لدفع معظم التزاماتها الدنيا الحالية.

ونظراً لأن احتياطات العراق من العملة آخذة في النضوب بالفعل، فقد اضطرت الحكومة لطباعة العملة الورقية لدفع القروض الحكومية، ولتغطية الرواتب وتكاليف التشغيل، ما يعني مزيداً من مخاطر التضخم المستفحل بالفعل، وفقاً لمسؤولين عراقيين. وبسبب مخاطر التضخم الجامح، قد تضطر الحكومة قريباً إلى خفض قيمة الدينار.

لكن هذا أيضاً ينطوي على مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة، حيث إن خفض قيمة العملة من دون أن تصاحبها إصلاحات اقتصادية - والتي ترفض القوى السياسية في العراق النظر فيها ـ من شأنه أن يشل الواردات، ويقوّض المدخرات، ويزيد من المصاعب.

علاوة على ذلك، من المحتمل أن يتسبب خفض قيمة العملة في مزيد من التضخم أيضاً. وإن تتبخر العملة الصعبة يعني أن العراق لن يكون قادراً في وقت قريب على دفع ثمن واردات المواد الغذائية والسلع. ويعتبر العراق مستورداً لكل شيء تقريباً باستثناء النفط، فإذا انخفضت تدفقات الأموال، وانخفضت قيمة الدينار، فستصبح السلع نادرة، وسترتفع الأسعار. ويمكن أن ينخفض الدينار في غضون ستة أشهر إذا استمرت الحكومة في سحب الأموال المتبقية في البنك المركزي العراقي بمجرد بدء خفض قيمة العملة.

ويأمل بعض المسؤولين في الحكومة العراقية ببساطة أن تؤدي الزيادة المتوقعة في أسعار النفط هذا الربيع إلى إنقاذهم. ومع ذلك، فإن معظم التوقعات تشير إلى ارتفاع قد لا يزيد على 10 أو 15%، وفقاً للعديد من تجار النفط والمحللين، وهي نسبة ضئيلة للغاية للقضاء على أزمة العراق التي تلوح في الأفق. وإذا كان العراق غير قادر على الاستمرار في دفع الرواتب، والحد الأدنى من النفقات الحكومية، وتكاليف التشغيل، فستكون لذلك عواقب وخيمة.

ودق رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، ناقوس الخطر في مؤتمر صحافي في 17 نوفمبر الماضي، محذرا من أن «الحكومة قد تواجه مشكلة دفع الرواتب في يناير المقبل». وباعتباره تكنوقراطياً من دون قاعدة سياسية قوية، لم يتمكن الكاظمي من دفع الأحزاب السياسية العراقية لمعالجة المشكلة، ناهيك عن حلها. وأصدرت الحكومة الكتاب الأبيض للإصلاح في 13 أكتوبر، ومع ذلك، فإنه لم يبدأ تنفيذه، ونتيجة لذلك، لم يكن هناك أي جهد لخفض الرواتب، أو تقليص أعداد موظفي الحكومة، أو حتى التخلص من مئات الآلاف من الموظفين الوهميين المزعومين، خوفاً من إثارة غضب الزعماء السياسيين المهيمين في البلاد.

ومن شبه المؤكد أن تؤدي الأزمة المالية إلى اندلاع تظاهرات واسعة النطاق في الشوارع، حيث يطالب العراقيون مرة أخرى بتغيير الحكومة، وسيكون من الصعب على الحكومة الحفاظ على النظام إذا لم يتم دفع الرواتب. وستحاول الجماعات المسلحة، بما في ذلك الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، ملء الفراغ، واغتصاب دور قوات الأمن الأساسية في العراق، وهذه المجموعات نفسها ستقاتل أيضاً من أجل السيطرة على الأرض، وقد تحاول السيطرة على الموارد المدرة للدخل، مثل حقول النفط، والموانئ، والمعابر الحدودية، والشركات الكبيرة، والأراضي الزراعية، والممتلكات الخاصة.

وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن يصبح النزاع المسلح والاستيلاء على الأراضي أمراً شائعاً مرة أخرى، باستثناء تلك المناطق التي تتمتع بأمن قوي، مثل إقليم كردستان. ومع ذلك، حتى إقليم كردستان لن يكون في مأمن من المشكلات الاقتصادية الداخلية، ما لم يتمكن من توسيع قاعدة موارده، لأنه أيضاً يعتمد مالياً على بغداد. وربما تكون كركوك وحقولها النفطية أكثر أهداف الأكراد، لكن هذا لن يؤدي إلا إلى إشعال الصراع بين أربيل وبغداد، ناهيك عن الميليشيات الشيعية التي ستقاوم مثل هذه الخطوة.

فرهاد علاء الدين رئيس مجلس الشورى العراقي وعمل مستشاراً سياسياً للرئيسين السابقين للعراق

وكينث ام بولاك باحث مقيم بمعهد أميركان إنتربرايز


الأزمة قد تُفقد الكاظمي صدقيته.

عندما تولى السلطة، حظي الكاظمي بتأييد واسع النطاق من العراقيين العاديين والآلاف الذين كانوا يحتجون في الشوارع، وأجمعت عليه كل الطوائف. كان يُنظر إليه على أنه ذكي، وغير مسيس، وفعال، وقريب من الأميركيين. ومع ذلك، هناك خوف متزايد في جميع أنحاء البلاد من أن الكاظمي لا يستطيع إصلاح النظام العراقي المهيض الجناح. قد تكون الأزمة الاقتصادية التي ستنجم عن نفاد أموال العراق بمثابة المسمار في نعش الحكومة، ومن المحتمل أن تُفقد الأزمة الكاظمي صدقيته تماماً. وسيحاول العديد من الأحزاب السياسية الفاسدة في العراق أن يجعله كبش فداء لتجنب رد الفعل الشعبي المحتوم. في غضون ذلك، سيحاول الإيرانيون المعارضون للكاظمي استغلال الفوضى لإعادة تأكيد نفوذهم على الحكومة العراقية.

يأمل بعض المسؤولين في الحكومة العراقية ببساطة أن تؤدي الزيادة المتوقعة في أسعار النفط هذا الربيع إلى إنقاذهم، ومع ذلك، فإن معظم التوقعات يشير إلى ارتفاع قد لا يزيد على 10 أو 15%، وفقاً للعديد من تجار النفط والمحللين، وهي نسبة ضئيلة للغاية للقضاء على أزمة العراق التي تلوح في الأفق.

طباعة