نفى رواية «الانفعال في وجه صدام».. والأمين السابق لـ «الجامعة العربية» يستشهد بتسجيل

وزير عراقي سابق يشكك في شــهادة موسى بشأن لقاء صدام خلال «أزمة الحـرب»

صورة

فتحت حلقات صحافية نُشرت عن جزء جديد من مذكرات أمين عام جامعة الدول العربية السابق، عمرو موسى، سجالاً بينه وبين وزير الخارجية العراقي السابق ناجي صبري الحديثي، حيث شكك الأخير في وقائع ضمتها الحلقات، أبرزها ما رواه موسى عن انفعاله في وجه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وتفويض الأخير لموسى للحديث باسم العراق، وذلك في بيان صحافي أصدره صبري نشرته صحيفتا «الشروق» و«الشرق الأوسط».

وردّ موسى على تشكيك صبري في الروايات المنشورة، لكن رد موسى، وما تلاه من شهادة لمحرر المذكرات، خالد أبوبكر، لتعزيز الرد، لم يغلق الباب أمام سجالات صحافية شهدتها الصحافة المصرية والعراقية والعربية بشأن المذكرات، والتي يتوقع مراقبون أن تثير بعد نشرها كاملة عن «دار الشروق» المزيد من الجدل.

وتفصيلاً، حملت الحلقات التمهيدية التي تنشر في صحف «الشروق» و«الشرق الأوسط» و«المدى»، حالياً، عن جزءٍ ثانٍ من مذكرات عمرو موسى، يحمل هذه المرة اسم «سنوات الجامعة العربية»، ويروي تفاصيل عن كواليس الحقبة التي سبقت وشملت تولي موسى أمانة الجامعة، مثل مسعى الأمين السابق عصمت عبدالمجيد للتمديد في مقعده لولا تدخل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، الذي بعث له رسالة قال له فيها «يا راجل كفاية كده». ويروي هذا الجزء أيضاً البرود الأميركي تجاه المبادرة العربية للسلام، وحلم الزعيم الراحل للحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق بتولي رئاسة كل السودان، واستبعاد الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي أن يكون ضحية للربيع العربي، لكن الجزء الأهم الذي تناولته الحلقات تعلق بشهادة موسى في أزمة الحرب على العراق.

فقد أشارت المذكرات إلى انفعال عمرو موسى في وجه صدام حسين، وقوله له «اسمع بقى يا سيادة الرئيس.. التنظير لن ينفع العراق ولن ينفعك بكل صراحة. هل أنت واعٍ بأن بلدك معرض لهذا الخطر الداهم؟». واستندت المذكرات في هذه الواقعة إلى سرد صوتي وكتابي منسوب إلى الأمين العام المساعد للجامعة العربية وقتئذٍ أحمد بن حلي، الذي توفي منذ سنوات، وأعاد موسى التأكيد على هذه النسبة مرة أخرى بعد الهجوم الذي تعرضت له المذكرات، مشيراً إلى أنه لم يعتمد في هذه القصة على ذاكرته وإنما على طرف آخر كان حاضراً للواقعة.

وتضمنت التسجيلات المنسوبة لبن حلي أيضاً قول صدام لموسى مقاطعاً: «يا دكتور»، ورد موسى غاضباً «أنا مش دكتور، باقول لك يا سيادة الرئيس، العراق في خطر، استجب لما نطرحه عليك».

وقد أثارت هذه الشهادة غضب وزير الخارجية العراقي السابق ناجي صبري الحديثي، فأصدر بياناً صحافياً نفى فيه دقة هذه الواقعة بوصفه أحد شهودها الرئيسين، كما نفى أجزاء أخرى من رواية موسى تتعلق بتفاصيل ما حدث في العراق وقتئذٍ، وقال صبري إنه «ورد في المذكرات قول موسى إنه في زيارته لنيويورك التقى الأمين العام للأمم المتحدة وقتئذ كوفي أنان، وطلب منه (رسالة إلى صدام حسين لحلحلة الموقف بالنسبة للمفتشين الدوليين)، وأن أنان وافق على طلبه». وتابع صبري «هذا يعني أن موسى قرر الزيارة وحدد موضوعها وموعدها».

لكن الحقيقة بحسب صبري أنه هو - أي ناجي صبري - الذي طرح على موسى فكرة زيارة العراق. وقال صبري إن «هذه أول مرة أسمع أن الأمين العام للأمم المتحدة وجّه رسالة إلى رئيس جمهورية العراق بيد عمرو موسى، ولا أدري كيف فاتت على من كتب المذكرات أن رئيس أي منظمة دولية لا يوجّه رسائل إلى الدول بيد أشخاص من خارج منظمته، فما بالك برئيس أكبر منظمة دولية في العالم؟».

وتابع صبري أن «المذكرات تسرد، وفق أسلوب الإثارة والتهويل الدعائي، كيفية ذهاب موسى للقاء صدام حسين، فتقول إن موسى تحرك من مقر إقامته إلى مقر قيادة عسكرية ثم إلى مقر وحدة عسكرية»، ويضيف «لكن كل هذه التفاصيل تفتقر إلى الدقة»،فالحقيقة - والحديث لناجي صبري - هي أن «بناية المجلس الوطني التي شهدت الاجتماع ليست ثكنة عسكرية كما ورد في المذكرات، وإنما بناية كبيرة ذات طراز عمراني كلاسيكي جميل تقع على نهر دجلة على بعد أقل من 200 متر من القصر الجمهوري، وتضم مكاتب مدنية تابعة لرئاسة الجمهورية، ومن الطبيعي أن تُحمى البناية بسياج خارجي وأن يحرس بوابة مدخلها الخارجي بضعة حراس أمنيين مثل أي مبنى تابع لرئاسة الدولة في أي دولة في العالم».

وقال ناجي صبري إن المذكرات تسرد رواية مغايرة للواقع عما جرى في المقابلة مع صدام حسين، فقد «زعمت المذكرات أن موسى استشاط غضباً وخاطب الرئيس صدام بنبرة كأنها صرخة بوجهه، وأن الرئيس خاطبه بلقب دكتور... إلخ! لا صحة لهذا ولكل ما ورد عن اللقاء إطلاقاً».

وشدد صبري على أن «ما يثير الغرابة هو ما ورد في المذكرات عن غضب موسى وصراخه بوجه الرئيس صدام حسين، وغير ذلك من المزاعم، فكيف قبل الأخ عمرو أن ينسب إليه من كتب مذكراته هذه الكذبة الصارخة؟ فهو بذلك قد نَسب إلى سليل الدبلوماسية المصرية ذات التقاليد العريقة ما يتنافى وأبسط مواصفات الدبلوماسي الناجح، أي الكياسة والتهذيب وحُسن الكلام. ونَسب إليه كلاماً يتناقض مع ألف باء الدبلوماسية التي تشترط في الدبلوماسي المفاوض تمتعه، إضافة إلى أعلاه، بحسن التصرف والحكمة والهدوء، والتحكم بالعواطف والابتعاد عن الانفعال والغضب».

وقال ناجي صبري أيضاً: «كيف تقول المذكرات إن السيد الرئيس قد وافق على عودة المفتشين وفوّض عمرو موسى التحدث باسم العراق؟ هل ثمة دولة في العالم تفوّضُ شخصاً من غير مواطنيها ولا يقيم فيها ولا يحتل وظيفة رسمية لديها بتمثيلها في العلاقات مع دول ومنظمات دولية؟».

على الصعيد المقابل، وفي اليوم نفسه، أصدر عمرو موسى بياناً صحافياً رداً على بيان ناجي صبري، قال فيه «عندما قررت نشر مذكراتي التي صدر منها كتابان حتى الآن، ألزمت نفسي بضرورة أن يستند أي سرد لوقائع سياسية إلى مصادر رسمية وأدلة قاطعة، وأن يكون الفصل الواضح بين الانطباع والتحليل الشخصيين من جانب، والوقائع المثبتة من جانب آخر، وأن تخلص تلك المذكرات في ولائها للحقيقة والمصلحة القومية وليس لأي اعتبار آخر». ويضيف البيان الصحافي «ولعل هذه الالتزامات كانت سبباً رئيساً حرصت من أجله على أن أحصل على مساعدة من صحافي محترف هو الأستاذ خالد أبوبكر، ليس فقط ليقوم بتحرير مادة المذكرات، ولكن أيضاً ليجتهد في توثيق وقائعها من مصادرها الأصلية على النحو المناسب».

وأوضح موسى أن الوقائع التي استهدفها السيد ناجي بتعقيبه والتي تخص مقابلته، وقت شغله منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في بغداد بتاريخ 19 مارس 2002، لم ترد عبر الاستظهار أو محاولة تذكر ما جرى قبل نحو 18 عاماً، ولكنها دُونت كما تم تسجيلها في محضر الاجتماع الرسمي الموجود لدى جامعة الدول العربية، والذي حصل محرر الكتاب الأستاذ خالد أبوبكر على صورة منه من السيد السفير أحمد بن حلي، الأمين العام المساعد للجامعة العربية في سنة 2016، قبل أن يلقى ربه بعام.

ويقول موسى أيضاً في بيانه «بما أن المحضر الرسمي استخدم لغة تقنية مجردة في وصف ما جرى أثناء الزيارة والأجواء التي ألقت بظلالها عليها، فقد حصل المحرر أيضاً على تسجيل صوتي من السفير أحمد بن حلي، وصف فيه أجواء المقابلة واللهجة التي تحدثت بها مع الرئيس العراقي وبعض التفاصيل الأخرى التي لم ترد في محضر الجلسة». وختم موسى بيانه بقوله «إنني لا أجد أي غضاضة في احترام فكرة الولاء الشخصي للزعامات، وأقدر كثيراً هؤلاء الذين يظهرون الإخلاص لفكرة أو مبدأ أو قائد، حتى لو اختلفت مع توجهاتهم تلك. كما أن العقود التي أمضيتها في العمل العام والسياسة والدبلوماسية أكسبتني القدرة على تفهم تأثير الولاء الشخصي والتنشئة السياسية على مدركات بعض الدبلوماسيين ومواقفهم».

الجدير بالذكر أن صحفاً ومواقع إلكترونية عربية تناولت الحلقات بنوع من الإعجاب والانتقاد بشكل واسع، وأعادت إلى المشهد نقاش محطات سياسية مختلفة مرت بالساحة العربية.


صحف ومواقع إلكترونية عربية تناولت الحلقات بنوع من الإعجاب والانتقاد بشكل واسع، وأعادت إلى المشهد نقاش محطات سياسية مختلفة مرت بالساحة العربية.

شدد صبري على أن «ما يثير الغرابة هو ما ورد في المذكرات عن غضب موسى وصراخه بوجه الرئيس صدام حسين، وغير ذلك من المزاعم، فكيف قبل الأخ عمرو أن يَنسب إليه من كتب مذكراته هذه الكذبة الصارخة؟».

أشارت المذكرات إلى انفعال عمرو موسى في وجه صدام حسين، وقوله له «اسمع بقى يا سيادة الرئيس.. التنظير لن ينفع العراق، ولن ينفعك بكل صراحة. هل أنت واعٍ بأن بلدك معرّض لهذا الخطر الداهم؟». واستندت المذكرات في هذه الواقعة إلى سرد صوتي وكتابي منسوب إلى الأمين العام المساعد للجامعة العربية وقتئذٍ أحمد بن حلي.

طباعة