لطالما ابتهجت الولايات المتحدة بلقب «زعيمة العالم الحر»

الديمقراطية يمكن أن تفشل في أي مكان.. حتى بأميركا

صورة

لطالما ابتهجت الولايات المتحدة بلقب «زعيمة العالم الحر». فقد ظلت الانتخابات الرئاسية الأميركية المثال النهائي العملي للديمقراطية. لكننا على وشك أن نشهد دورة انتخابات لا مثيل لها. سيكون الناس في جميع أنحاء العالم على استعداد تام ليس فقط لفرز الأصوات، لكن مع أي علامة على أن النتائج سيتم الطعن فيها بالمحاكم، أو في الشوارع على شكل احتجاجات. ويعتقد معظم الأميركيين أن فشل الديمقراطية يحدث فقط في أراضٍ أجنبية، لكن الديمقراطيات يمكن أن تفشل في أي مكان. الدروس المؤلمة المستفادة من الجهود المتعثرة للأمة في «تعزيز الديمقراطية» في الخارج، يمكن أن تنطبق، أيضاً، داخل الولايات المتحدة.

إحدى الأفكار الشائعة أن الديمقراطية هي أكثر من مجرد تصويت، إذا لم يتم تقويض نتائج الانتخابات أو قلبها، لكن الديمقراطية تتطلب، أيضاً، إعلاماً حراً، وخدمة مدنية قوية، ومحاكم مستقلة، وإطاراً دستورياً آمناً - وربما الأهم من ذلك كله - ثقافة ديمقراطية يقبل فيها الخاسرون في الانتخابات بالهزيمة.

كل هذه الأشياء كانت تعتبر من المسلمات في الولايات المتحدة. لكن ربما لم يعد الأمر كذلك. فمن الواضح أن استعداد الرئيس دونالد ترامب لقبول الهزيمة أصبح موضع تساؤل، فقد أشار الرئيس، مراراً وتكراراً، إلى أنه لن يعترف بالنتيجة التي قد يعتبرها «مزورة»، إذا فاز خصمه في الانتخابات. وهذا ما صرح به أمس. فيما يعتقد العديد من الديمقراطيين أن شكاوى ترامب هي مجرد واجهة للتخطيط لسرقة الانتخابات.

الحديث عن انتخابات مزورة أو مسروقة أمر خطير. كما تظهر التجربة الأخيرة في بيلاروسيا، إذا اعتقد الملايين من الناس أن الانتخابات مزورة، فيمكنهم النزول إلى الشوارع - ما يؤدي إلى الشلل الاجتماعي أو العنف السياسي. الاحتجاجات بسبب الانتخابات المسروقة هي أحد أسباب انهيار الديمقراطيات. لكن إذا بدت تكاليف الخسارة باهظة للغاية، فإن الرغبة في قبول الهزيمة - حتى لو كان التصويت نزيهاً - يمكن أن تختفي أيضاً. ويتحدث كل من الجمهوريين والديمقراطيين أحياناً كما لو أن بقاء الولايات المتحدة، أو المجتمعات التي يمثلونها، على المحك في هذا التصويت.

الديمقراطية ليست كل شيء

بدأ بعض كبار الجمهوريين يقولون بصوت عالٍ إن بقاء القيم والنظم الذي يعتزون بها أهم من الديمقراطية نفسها. غرد السيناتور مايك لي، من ولاية يوتا، أخيراً: «الديمقراطية ليست الهدف، بل الحرية والسلام والازدهار، نريد أن يزدهر الوضع الإنساني، يمكن للديمقراطية أن تحبط كل ذلك».

عند مشاهدتنا هذه الأحداث تتكشف، يخشى بعض الدبلوماسيين الأميركيين ظهور الأمراض السياسية في الداخل، والتي اعتقدوا ذات مرة أنها تقتصر فقط على الديمقراطيات الفاشلة في الخارج. وما يثير القلق، أنه حتى أبسط خطوة في العملية - التصويت نفسه - تبدو معيبة ومتداعية. فقد اضطر الناس في جميع أنحاء الولايات المتحدة إلى الوقوف في طوابير لساعات للتصويت مبكراً. وفي ولايات عدة، جعل الحزب الجمهوري التصويت أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة للأقليات العرقية.

التدابير غير المتسقة لقواعد الدولة حول كيفية تنظيم التصويت، وكيفية احتساب هذه الأصوات هو سلوك يدعو للارتباك. ادعاءات ترامب المتكررة أن بطاقات الاقتراع عبر البريد قد تغري بالاحتيال، تمهد الطريق أمامه للاعتراض على النتائج. لذلك من الممكن تماماً، كما حدث في عام 2000، أن تنتهي نتيجة الانتخابات إلى تسوية من قبل المحكمة العليا. ويؤكد هذا الاحتمال الأهمية الحاسمة لاستقلال القضاء في نظام ديمقراطي. لكن الاندفاع غير اللائق لتعيين قاضية جديدة محافظة للغاية، هي إيمي كوني باريت، في المحكمة قبل التصويت على الانتخابات، يمكن أن يجعل أعلى هيئة قضائية في البلاد تبدو كأنها مجرد أداة أخرى للسياسة الحزبية. فقد ألمح ترامب بشدة إلى أنه يأمل أن تقضي باريت في أي حكم بشأن الانتخابات لصالحه.

في عام 2000، كان المرشح الديمقراطي آل غور مستعداً لقبول حكم المحكمة العليا ضده والتي قضت لصالح الجمهوري جورج دبليو بوش. لم تكن هناك احتجاجات عامة كبيرة. لكن يبدو من غير المحتمل أن يقبل الديمقراطيون بشكل سلبي هزيمة أخرى من جانب المحكمة، إذا ادعوا أن شكاوى الجمهوريين لا أساس لها، والمحاكم تعمل لصالحهم.

وسيتفاقم غضب الحزب الديمقراطي إذا خسر ترامب التصويت الشعبي، لكنه حقق النصر من خلال المجمع الانتخابي، الذي يحصي الأصوات على أساس كل ولاية على حدة. هذا النظام، الذي ظل يبدو كأنه وصفة تاريخية ساحرة، يبدو الآن بشكل متزايد كأنه جهاز لإحباط رأي الأغلبية. هذا إذا وضعنا في الاعتبار التمثيل فوق العادي للولايات الصغيرة ذات الميول الجمهورية في مجلس الشيوخ - والذي بدوره يمنح الموافقة على تعيين قضاة المحكمة العليا – وفي ذلك تكمن بذور لأزمة شرعية في ديمقراطية الولايات المتحدة.

وأي تطور من هذا القبيل من شأنه أن يمثل أزمة عميقة لحلفاء ومعجبين أميركيين. حيث إن ادعاء أميركا بأنها «زعيمة العالم الحر» ليس مجرد لقب خالٍ من أي معنى، وإنما تتطلع الديمقراطيات في العالم بالفعل إلى الولايات المتحدة للحصول على الدعم والقيادة والإلهام. وعندما تفشل جهود الترويج للديمقراطية في أي دولة من دول العالم الثالث، يصبح ذلك مأساة للبلد المعني، وإذا فشلت الديمقراطية في الولايات المتحدة، فستكون مأساة عالمية.

جدعون راشمان محلل سياسي بـ «الفايننشال تايمز»


الاندفاع غير اللائق لتعيين قاضية جديدة محافظة للغاية، هي آمي كوني باريت، في المحكمة قبل التصويت على الانتخابات، يمكن أن يجعل أعلى هيئة قضائية في البلاد تبدو كأنها مجرد أداة أخرى للسياسة الحزبية.

كما تظهر التجربة الأخيرة في بيلاروسيا، إذا اعتقد الملايين من الناس أن الانتخابات مزورة، فيمكنهم النزول إلى الشوارع، ما يؤدي إلى الشلل الاجتماعي، أو العنف السياسي.

يخشى بعض الدبلوماسيين الأميركيين ظهور الأمراض السياسية في الداخل، والتي اعتقدوا ذات مرة أنها تقتصر فقط على الديمقراطيات الفاشلة في الخارج.

طباعة