الطرفان لا يريدان الحرب

التصعيد بين أميركا والصين حول تايوان يهدّد بمواجهة عسكرية

السفن الحربية الأميركية تجوب مضيق تايوان باستمرار. أرشيفية

عندما اخترقت 18 طائرة حربية صينية منطقة الدفاع الجوي التايوانية، الشهر الماضي، كان ذلك علامة أخرى على تصاعد التوترات عبر مضيق تايوان. وفي أحدث سلسلة من التدريبات العسكرية، واسعة النطاق، التي تهدف إلى ترهيب تايوان، حذرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية قادة الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي - والولايات المتحدة، التي كثفت دعمها العسكري والدبلوماسي لتايبيه - من عواقب وخيمة إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء الصينية، وكل ذلك أثار مخاوف من أن الصين تستعد لشن هجوم عسكري على تايوان.

وبينما لا ينبغي لأحد أن يعتبر التهديدات والأنشطة العسكرية الصينية أنها مجرد مواقف، فإن الفحص الدقيق لحسابات بكين الاستراتيجية يجلب فهماً أوضح للديناميكيات الحقيقية، التي تحرك نواياها تجاه تايوان. ووفقاً للرواية التي اكتسبت أكبر قدر من الجاذبية، أخيراً، بدأت الصين تفقد صبرها، مع تضاؤل احتمالية إعادة التوحيد السلمي مع الجزيرة. ومع ذلك، على الرغم من كل الخطاب العدائي وأعمال التخويف غير المسبوقة، من غير المرجح أن تتبع بكين خياراً عسكرياً، بسبب المخاطر العالية والتكاليف الباهظة التي ينطوي عليها ذلك.

وسيكون الإنزال العسكري عبر أكثر من 100 ميل من المياه، في غاية الخطورة، خصوصاً أن تايوان قد بنت قدرات قوية لمواجهة أي غزو. وإذا تدخلت الولايات المتحدة، وهو سيناريو أكثر ترجيحاً، اليوم، بالنظر إلى العداء الصيني الأميركي الشديد، فإن احتمالات غزو ناجح ستكون أقل. والهزيمة المهينة لجيش التحرير الشعبي، يمكن أن تؤدي إلى نهاية الحزب الشيوعي الصيني.

حصار بحري

الخيارات العسكرية الأخرى؛ مثل الحصار البحري للجزيرة؛ غير جذابة بالقدر نفسه، ويمكن أن تؤدي، أيضاً، إلى تدخل أميركي. ويمكن أن تستغل تايبيه، أي عمل من أعمال الحرب، كسبب مبرر لإعلان الاستقلال. وعلى الرغم من أن الجيش الصيني اكتسب قوة هائلة منذ أزمة مضيق تايوان الأخيرة في 1995-1996، عندما أطلقت بكين سلسلة من التدريبات العسكرية، لتحذير تايوان من التحرك نحو الاستقلال، فإن الفجوة النوعية بين جيش التحرير الشعبي والجيش الأميركي، لاتزال واسعة بما يكفي، ويجب أن يفكر قادة الصين مليّاً، قبل القيام بأي مقامرة مصيرية.

من المؤكد أن الصين ستستمر في سد فجوة الإنفاق الدفاعي، لأنها تستثمر المزيد من الموارد، لزيادة احتمالات نجاح عملية عسكرية تستهدف تايوان. لكن أي أنشطة عسكرية متوسطة المدى ستكون محدودة، بمنطق الردع الاستراتيجي. ويبدو أن بكين تعتقد أن محاولاتها لإغراء تايوان بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وتفادي استقلال الجزيرة، قد باءت بالفشل. ومن المرجح أن يستمر النجاح الانتخابي للحزب التقدمي الديمقراطي المؤيد للاستقلال، تاركاً وراءه حزب الكومينتانغ، المؤيد للبر الرئيسي.

خطوات أكثر عدوانية

والأسوأ من ذلك، مع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، اتخذت واشنطن خطوات أكثر عدوانية، لدعم تايوان، أكثر من أي إدارة أخرى منذ تطبيع الولايات المتحدة العلاقات مع الصين في عام 1979. وفي ما يتعلق بمبيعات الأسلحة، وهو مقياس حاسم للدعم الأميركي لتايوان، وافقت إدارة ترامب على مبيعات أسلحة بقيمة 22 مليار دولار لتايوان، وهي سابقة أخرى.

إن أسوأ مخاوف بكين هو أن يميل الصقور في واشنطن، إلى اتخاذ المزيد من الخطوات تجاه تخلي الولايات المتحدة عن التزامها بما يسمى بسياسة الصين الواحدة، وبالتالي تشجيع تايوان على اتخاذ إجراءات لترسيخ وضعها المستقل. وعلى سبيل المثال، شكلت الهيئة التشريعية في تايوان، أخيراً، لجنة لتعديل الدستور، وهي خطوة تراقبها بكين عن كثب، لمعرفة ما إذا كانت تايبيه تحاول استخدام التعديلات الدستورية لإضفاء الشرعية على انفصالها عن الصين.

وفي الحسابات الاستراتيجية للصين، فإن الإشارة إلى عزمها على القتال في جميع الظروف، هو الآن الخيار الوحيد، لمنع السيناريو الأقل استحساناً، المتمثل في خوض حرب تريد بكين تجنبها بأي ثمن. ولسوء الحظ، من المرجح أن تؤدي أعمال الردع إلى إطلاق مجموعة مختلفة من الديناميكيات، التي يمكن أن تكون مزعزعة للاستقرار وخطيرة.

وبينما توسع الصين المنطقة الرمادية، التي تشمل أعمالاً عسكرية، لا ترقى إلى الحرب؛ ستشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للقيام بأعمال ردع مضادة، والتي سيحتاج كل طرف إلى تصعيدها من أجل إثبات إصراره. ومن الناحية العملية، يجب أن تبدو أعمال الترهيب العسكرية الصينية أكبر وأكثر خطورة، بينما يجب أن يُنظر إلى أميركا للرد بإجراءات مضادة أكثر صرامة. وخير مثال على ذلك هو تكرار عبور السفن الحربية الأميركية عبر مضيق تايوان. وتثير هذه الديناميكية الخطيرة خطر المواجهة العسكرية، بين الصين والولايات المتحدة، بسبب تايوان. وفي أفضل السيناريوهات، قد يمنع الاتصال الفعال وضبط النفس، من حدوث اشتباكات عرضية.

وفي أسوأ السيناريوهات، سيجتمع العداء وانعدام الثقة والعدوانية، لإطلاق سلسلة من الأحداث التي تبلغ ذروتها وتتحول إلى معركة بالأسلحة، لا يريدها أي من الطرفين. والطريقة الوحيدة لتحقيق الاستقرار في العلاقات عبر المضيق، هي تهدئة التوترات بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان، من خلال استئناف الحوار السياسي بين بكين وتايبيه. وفي حال فاز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، الأسبوع المقبل، فهناك احتمال حقيقي بتوقف المعركة مع الصين. والرئيس شي جين بينغ يجب أن يغتنم هذه الفرصة، من خلال طمأنة الولايات المتحدة، بأنه ليس لديه خطط لمهاجمة تايوان، بينما يمد غصن الزيتون إلى رئيسة تايوان، تساي إنغ ون، ضمن إطار عمل جديد يختلف اختلافاً جوهرياً عن صيغة «دولة واحدة ونظامان»، التي فقدت صدقيتها، الآن.

مينتشين بي أستاذ في كلية «كليرمونت ماكينا» بولاية كاليفورنيا


مع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، اتخذت واشنطن خطوات أكثر عدوانية، لدعم تايوان، أكثر من أي إدارة أخرى منذ تطبيع الولايات المتحدة العلاقات مع الصين في عام 1979.

الفجوة النوعية بين جيش التحرير الشعبي والجيش الأميركي، لاتزال واسعة بما يكفي، ويجب أن يفكر قادة الصين مليّاً، قبل القيام بأي مقامرة مصيرية.

أسوأ مخاوف بكين هو أن يميل الصقور في واشنطن، إلى اتخاذ المزيد من الخطوات تجاه تخلي الولايات المتحدة عن التزامها بما يسمى بسياسة الصين الواحدة، وبالتالي تشجيع تايوان على اتخاذ إجراءات لترسيخ وضعها المستقل.

طباعة