في استطلاع مثير للجدل

لمبررات عدة.. أميركيون يتخلون رسمياً عن الديمقراطية

صورة

ظل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يهاجم باستمرار نزاهة الانتخابات الرئاسية المقبلة، ووصف التصويت عبر البريد بأنه «عملية احتيال كبيرة»، ويوعز موقفه هذا بأنه قد لا يتخلى عن السلطة إذا خسر منصبه في الانتخابات، وهذه تهديدات استثنائية وغير مسبوقة للديمقراطية الأميركية، لكنها تخفي في الوقت نفسه حقيقة خطرة، بدأت تتكشف أخيراً، إذ يتفق جزء كبير من الشعب الأميركي مع رؤية ترامب، المتمثلة في عدم استيلائه على السلطة بالقوة، حيث تُظهر استطلاعات رأي جديدة أن نسبة متزايدة من المواطنين الأميركيين يريدون قادة لا يهتمون بالانتخابات، ولعل هذا هو السبب في أزمة دستورية وشيكة، بدأت تتكشف ملامحها، إلى جانب مجموعة من المؤشرات الأخرى التي ينادي الناشطون بمراعاتها والاهتمام بها.

لطالما شكك ترامب في صحة الانتخابات الأميركية، وادعى لسنوات، دون دليل، بأن الملايين من الأصوات المزورة تم الإدلاء بها في انتخابات عام 2016، وأنه كان يجب أن يفوز بهامش أوسع من تلك الأصوات. كما ادعى أن الانتخابات النصفية الرئيسة في 2018 تم تزويرها لهزيمة الجمهوريين.

ويبدو أن النقد اللاذع والمعلومات الخاطئة عن الانتخابات تبلغ أوجها في الوقت الراهن. وبينما صرّح بعض الجمهوريين البارزين، مثل السيناتور سوزان كولينز، وميتش ماكونيل، وميت رومني، علناً، بأن الانتخابات ستجرى بشكل عادل، وأن النتيجة سيتم احترامها، التزم معظم الجمهوريين الصمت، واندفعوا لدعم القاضية، إيمي كوني باريت، لكي تفوز برئاسة المحكمة العليا، وهذا مدفوع جزئياً بالأمل في أن القاضية ستحكم لمصلحة المرشح الجمهوري، إذا نشب نزاع قانوني على نتيجة انتخابات الشهر المقبل.

ومع ذلك، تشير الأبحاث التي أجريناها أخيراً إلى أن الرئيس ليس وحده الذي يأمل في تجاهل الانتخابات. وأجرينا دراسة استقصائية لعينة تمثيلية من السكان الأميركيين في يوليو من هذا العام، ووجدنا أن 31% من الأميركيين يعتقدون أن وجود «زعيم قوي شاغل للمنصب ليس عليه أن يكترث بالكونغرس والانتخابات» هي فكرة جيدة.

الولاءات السياسية

وكما هو متوقع في السياق الحالي للاستقطاب السياسي، فإن الولاءات السياسية هي التي تحدد بقوة وجهات النظر بشأن الانتخابات، فقد احتضن ما مجموعه 38% من مؤيدي ترامب فكرة التخلي عن الانتخابات والكونغرس، ومن المرجح أن يرتفع هذا الرقم أكثر من ذلك بكثير، إذا فاز جو بايدن، وادعى ترامب علناً في نوفمبر، أن خصمه سرق منه الانتخابات. ومن المثير للقلق، أن نسبة صغيرة، ولكنها متزايدة - من الأفراد الذين لم يدعموا ترامب في انتخابات عام 2016 - 27%، يشككون بالمثل في أهمية الانتخابات والكونغرس.

واتجهت هذه الأرقام في مجموعها نحو الارتفاع في السنوات الأخيرة. ويطرح استطلاع «المسح العالمي للقيم» على الأفراد سؤالاً مشابهاً حول «وجود قائد قوي غير مثقل بالعبء»، حيث كشف أحدث استطلاع في عام 2017 أن 38% من الأميركيين يدعمون زعيماً يتمتع بسلطات مطلقة، مقارنة بـ24% في منتصف التسعينات، و29% في أوائل القرن الـ21.

وصار الدعم الشعبي الكبير للتخلي عن فكرة المبادئ الديمقراطية الأساسية، مثل عملية الانتخابات وفصل السلطات، أمراً مثيراً للقلق. قد يكون العديد من الأميركيين مستعدين للنظر في الاتجاه الآخر، إذا خسر ترامب الانتخابات، لكنه قرر التمسك بالسلطة، وقد يدعم آخرون صراحة بقاء الرئيس في منصبه، على الرغم من انتهاكه المبادئ التوجيهية الدستورية الواضحة، التي تنص على عكس ذلك في حال خسارته.

وبالمثل، تم اختبار الأميركيين بشأن دعمهم للممارسات الديمقراطية. فقد أجرينا تجربة دفعنا فيها المشاركين للتفكير في سيناريو وهمي، يأمر فيه الرئيس وزارة العدل بالتحقيق في مزاعم فساد تتعلق بخصمه السياسي. وأخبرنا المستطلعة آراؤهم بأن الوزارة لديها تفويض لتطبيق القانون الفيدرالي، وأنه يترأسها مدعون عامون، تم تعيينهم من خلال عملية لا تتعلق باتجاهاتهم السياسية، ولكن على أساس خبرتهم، وعملهم تحت إدارات مختلفة عبر الطيف السياسي. ورفضت الدائرة أمر الرئيس، مشيرة إلى عدم وجود أدلة كافية تستدعي التحقيق. ورداً على ذلك، يستبدل الرئيس المدعين العامين، الذين يتمتعون بخبرة طويلة، بموالين له، الذين يباشرون في الحال التحقيق في مزاعم فساد الخصم الرئيس للرئيس.

أيد خُمس المستطلعة آراؤهم هذه الخطوة الحزبية السافرة، ومرة أخرى، هيمن أنصار ترامب على هذا الاتجاه، حيث أيد 36% من مؤيديه هذا الإجراء. وفي حين وجد 55% من غير المؤيدين لترامب أن هذا الإجراء يجعله قابلاً للمساءلة والعزل، رأى 10% فقط من مؤيديه أنه يستحق العزل. ثم أخبرنا المستطلعة آراؤهم بشكل عشوائي بأن المدعين العامين محميون من الفصل بموجب القانون الحالي، أو القواعد طويلة الأمد. حيث أيد المزيد من مناصري ترامب (40%) إجراء الرئيس في انتهاكه للقانون الحالي، وهذا يشير إلى أن الانتخابات ليست هي العامل الوحيد للتخلي عن مبادئ الديمقراطية.

دعم ضعيف

ونظراً إلى أن الاستطلاع الذي أجريناه كان تمثيلياً على المستوى الوطني، فإنه لم يقتصر فقط على استطلاع آراء غير المصوتين، الذين لا يكترثون بالسياسة بشكل عام، ويشير هذا إلى دعم حقيقي للديمقراطية.

ونشير هنا إلى أن الدعم الضعيف للديمقراطية، خصوصاً بين أنصار الرئيس، يمثل مقدمة لأزمة دستورية. ويطرح هذا الوضع تساؤلاً ملحاً عما إذا كان الجيش سيتدخل إذا لجأ ترامب إلى بث الفوضى بعد خسارته في الانتخابات، ورفض الاعتراف بالهزيمة. ويحاول ترامب أيضاً ترشيح القاضية إيمي باريت، الموالية لحزبه، بسرعة في المحكمة العليا من أجل السيطرة على أعلى منافذ قرارات السلطة الديمقراطية في أميركا. ومع سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ، والديمقراطيين على مجلس النواب، هناك أمل ضئيل في أن يدعم الكونغرس خيار ترامب بشكل حاسم.

هناك احتمال ضئيل بأن يتمسك ترامب بمنصبه إذا واجه خسارة واضحة في تصويت الكلية الانتخابية، ولكن مع عملية التصويت بالبطاقات البريدية والتغييرات الأخرى بسبب الوباء، فقد يستغرق فرز الأصوات بعض الوقت، وقد لا يمكن الفصل في النتيجة بسرعة، ومثل هذا السيناريو يمكن أن يسبب مشكلات للديمقراطية الأميركية.

لقد استعرض الخبراء عدداً من السيناريوهات الكابوسية، التي تراوح بين مزاعم القرصنة الأجنبية للانتخابات، وعمليات إعادة الفرز المملة والمتنازع عليها في الولايات المتأرجحة. وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تؤدي نتيجة غير واضحة ومتنازع عليها إلى خروج الأميركيين إلى الشوارع، حيث يمكن أن يثير الرعاع المسلحون الفوضى، ويقدمون مبرراً منطقياً لإعلان حالة الطوارئ. وحتى ولو ظلت أكثر السيناريوهات قتامة غير محتملة، فإن حقيقة وجوب أخذها على محمل الجد تمثل تغييراً جذرياً في السياسة الأميركية.


• أصبح الدعم الشعبي الكبير للتخلي عن فكرة المبادئ الديمقراطية الأساسية، مثل عملية الانتخابات وفصل السلطات، أمراً مثيراً للقلق في الولايات المتحدة.

• الدعم الضعيف للديمقراطية، خصوصاً بين أنصار الرئيس، يمثل مقدمة لأزمة دستورية، ويطرح هذا الوضع تساؤلاً ملحاً عما إذا كان الجيش سيتدخل إذا لجأ ترامب إلى بث الفوضى بعد خسارته في الانتخابات، ورفض الاعتراف بالهزيمة.

• هناك احتمال ضئيل بأن يتمسك ترامب بمنصبه إذا واجه خسارة واضحة في تصويت الكلية الانتخابية، ولكن مع عملية التصويت بالبطاقات البريدية، والتغييرات الأخرى بسبب الوباء، فقد يستغرق فرز الأصوات بعض الوقت، وقد لا يمكن الفصل في النتيجة بسرعة، ومثل هذا السيناريو يمكن أن يسبب مشكلات للديمقراطية الأميركية.


مايكل ألبيرتوس، غي غروسمان

- أستاذ علوم سياسية مشارك بجامعة شيكاغو.

- أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا.

طباعة