بعد الحرب الباردة التي أججها ترامب بين البلدين

ماذا يعني فوز ترامــب أو بايدن في الانتخابات الأميـركية بالنسبة للصين

صورة

بعد فترة قصيرة من تسلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاليد الحكم في واشنطن، بدأت «حرب باردة» جديدة بين الصين وأميركا، على الأقل، وفقاً للصقور في واشنطن، لتستمر قرابة أربع سنوات، تمثلت في فرض ترامب تعريفات جمركية، وإطلاقه تهديدات لبكين على «تويتر»، ما زاد خطوط الصدع الجيوسياسي بين البلدين، ومهد الطريق لمنافسة بين القوى العظمى، قد تكون هي السمة الغالبة في العقود المقبلة. وفي ما يتعلق بمجموعة من القضايا العالمية، تعتبر الصين الشرير المفضل للبيت الأبيض، حيث تنظر واشنطن إلى تكتيكاتها التجارية على أنها غير عادلة ومزدوجة، وتصف حكومتها بأنها حاضنة لوباء بشع، وشركاتها التكنولوجية أحصنة طروادة، وتشجب قمعها للأقليات العرقية في شينجيانغ، والمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ.

في العقد الماضي، أخذ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بلاده في اتجاه قمعي أكثر وضوحاً، من خلال تطهيره لمنافسيه السياسيين، وضغطه للمساحة الضيقة بالفعل للمجتمع المدني، وتشديده لقبضة بكين على محيطها المضطرب. وفي المنتديات الدولية، يقدم شي أمته على أنها صاحبة مصلحة، ومسؤولة في النظام العالمي. لكن في الداخل، هناك طليعة ناشئة من المثقفين الصينيين المؤثرين، ترفض الأفكار الليبرالية، وتنادي بأيديولوجية أوضح للقوة الصينية.

ترامب والصين

خلال الحملة الانتخابية، يصر ترامب، مراراً وتكراراً، على أنه سيكون المرشح الأكثر صرامة على الصين. ويربط منافسه، نائب الرئيس السابق جو بايدن، بحقبة سابقة من التهور الغربي، حيث سعى كبار السياسيين الأميركيين ونظراؤهم في قطاع الشركات بشغف إلى دمج الصين الشيوعية في الاقتصاد العالمي. ومن وجهة نظر البيت الأبيض، أدت تلك المرحلة من العولمة إلى إضعاف التصنيع الأميركي، وهي مسؤولة بشكل عام عن المشكلات الاقتصادية للبلاد.

أمضى ترامب السنوات القليلة الماضية، وهو يدعي أنه يصحح هذا الخلل، وأطلق العنان لحرب تجارية على بكين، شهدت فرض كلا الجانبين رسوماً حمائية على سلع الآخر. وشهدت صفقة أولية، تم التوصل إليها بين المفاوضين الأميركيين والصينيين، في يناير، تقضي برفع بعض تلك التعريفات، لكنها لم تفعل شيئاً يذكر لتهدئة الأعمال العدائية. ولم يتزحزح العجز التجاري الأميركي الكبير مع الصين - الذي تعهد ترامب بخفضه بشكل كبير عام 2016 - بعد أربع سنوات.

توترات متصاعدة

وطوال الوقت، تتصاعد التوترات على جبهات أخرى. إذ صعد ترامب ومناصروه، خصوصاً وزير الخارجية مايك بومبيو، الإحساس بوجود صدام أيديولوجي مع بكين، ووصف الصين في خطبه بأنها العدو الأكبر للعصر الجديد، ويصفها بأنها قوة منافسة مصممة على «الهيمنة الماركسية». وسعى الجمهوريون والديمقراطيون إلى معاقبة الصين على حملات القمع التي تشنها في شينجيانغ وهونغ كونغ، بفرض عقوبات. وحققت درجة من النجاح، حيث أقنعت إدارة ترامب عدداً من الدول الأوروبية بإبقاء عملاق التكنولوجيا الصيني هواوي على مسافة منها.

وفي بيان صدر، أخيراً، أشار مسؤول استخباراتي أميركي إلى أن الصين قد ترغب في أن يخسر ترامب الانتخابات، بسبب الطبيعة «غير المناسبة» لأسلوب حكمه. لكن ترامب لم يستطع إقناع شي بتغيير مساره.

«رغم الضغط على بكين، من خلال فرض سياسات عقابية لم نشهدها منذ 40 عاماً في العلاقات الرسمية بين البلدين، في ظل أيٍّ من الإدارات الجمهورية أو الديمقراطية، فقد اعطى ترامب - من بعض النواحي - شي فرصة للظهور على المسرح العالمي، والدفاع عن سياسته الداخلية»، كما يورد الصحافيان: جيري شيه، وإيفا دو، بصحيفة واشنطن بوست. ويضيفان: «فقد تمكن شي من إلقاء اللوم على أميركا في تباطؤ الاقتصاد، وخيبة الأمل الشعبية من الحزب الشيوعي الصيني، بينما صور نفسه كمدافع ضد التنمر الأجنبي».

ويقول مدير مركز كارنيغي - تسينغهوا للسياسة العالمية، بول هانلي، لصحيفة فايننشال تايمز، إن إدارة ترامب «سلطت الضوء على المشكلات التي نواجهها مع الصين، لكنها لم تحاول حل تلك المشكلات، لا أستطيع أن أقول ما هو هدفها، إنها أكثر من مجرد موقف وليس سياسة، إنها أكثر من عاطفة، ليس من الجيد للأمن القومي الأميركي أن يكون لديه هذا النوع من السياسة».

بايدن والصين

يتفاخر بايدن بتجربته الكبيرة، خلال مقابلته شي، عندما كان نائباً للرئيس، لكنَّ مساعديه يؤكدون أن إدارة بايدن المفترضة قد تتخذ موقفاً صعباً - وربما أكثر صرامة - بشأن بكين. وهذا، أيضاً، انعكاس لتغير إجماع الحزبين في واشنطن. يقول كبير مسؤولي آسيا في وزارة خارجية (الرئيس الأميركي السابق) باراك أوباما، كيرت كامبل، لصحيفة وول ستريت جورنال: «أعتقد أن هناك اعترافاً واسع النطاق في الحزب الديمقراطي، بأن ترامب كان دقيقاً إلى حد كبير في تشخيص ممارسات الصين المفترسة».

فيما يقول بايدن إنه سيركز على مسائل حقوق الإنسان، والقيم الديمقراطية، إلى حد لم يفعله ترامب أبداً.

وفي الصين، يخشى خبراء عديدون أن يحل بايدن محل ترامب، في تعامله الشرس مع الصين. ويقول المفاوض التجاري الصيني السابق، تشو شياو مينغ، في مقال بموقع بلومبيرغ نيوز: «إذا تم انتخاب بايدن، فأعتقد أن هذا قد يكون أكثر خطورة بالنسبة للصين، لأنه سيعمل مع حلفاء الولايات المتحدة لاستهداف الصين، في حين أن ترامب يدمر التحالفات الأميركية»، كما عبر عن هذا الشعور نفسه أربعة مسؤولين صينيين حاليين.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين في بكين، تشنغ شياوهي، لصحيفة نيويورك تايمز: «بايدن سيجعل هذا الوضع الأميركي المتشدد حيال الصين أكثر فاعلية وكفاءة، وقد يلجأ إلى تكتيكات أكثر تطوراً وتنسيقاً ضد الصين».


افتراض

الافتراض الأساسي هنا هو أن البيت الأبيض، في عهد بايدن، سيكون أكثر قدرة على تعزيز التحالفات مع القوى الآسيوية الأخرى. لكن لا تجمع بقية دول آسيا على ذلك، حيث اكتسب الدبلوماسيون تجربة مريرة من عداء ترامب لبكين، ويخشون عودة السياسات المراوغة لحقبة أوباما.

ويبدو أن تلك الحقبة قد انتهت، بغض النظر عمن سيفوز. وقال برونو ماسايس، سياسي برتغالي سابق ومؤلف كتاب «الحزام والطريق: نظام عالمي صيني»، من بين كتب أخرى، لموقع توداي ورلد فيو: «نحن على طريق تفاقم الصراع الصيني الأميركي.. مع بايدن أو ترامب».

ولا تقتصر مشكلات الصين على من سيكون شاغل البيت الأبيض. فقد كشف استطلاع جديد، أجراه مركز بيو للأبحاث، وجهات نظر غير مواتية عن الصين في العديد من البلدان، ويرجع ذلك جزئياً إلى دور الصين في أزمة فيروس كورونا، وأيضاً على نطاق أوسع كرد فعل على سلوك بكين المتنمر، والمتزايد في أجزاء مختلفة من العالم.

يقول ماسايس: «لا يمكنك تولي زمام القوة العالمية، من خلال اللين». لكنه أضاف: «فقدت الصين الكثير من القلوب والعقول، على مدى السنوات القليلة الماضية، وربما أكثر من الولايات المتحدة».

رغم الضغط على بكين، من خلال فرض سياسات عقابية، لم نشهدها منذ 40 عاماً، في العلاقات الرسمية بين البلدين، في ظل أيٍّ من الإدارات الجمهورية أو الديمقراطية، فقد أعطى ترامب - من بعض النواحي - شي فرصة للظهور على المسرح العالمي، والدفاع عن سياسته الداخلية.

في ما يتعلق بمجموعة من القضايا العالمية، تعتبر الصين الشرير المفضل للبيت الأبيض، حيث تنظر واشنطن إلى تكتيكاتها التجارية على أنها غير عادلة ومزدوجة، وتصف حكومتها بأنها حاضنة لوباء بشع، وشركاتها التكنولوجية أحصنة طروادة، وتشجب قمعها للأقليات العرقية في شينجيانغ، والمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ.

طباعة