طالبوا شركة «تيسلا» للسيارات بمقاطعة الملوّثين

سكان روسيا الأصليون يثورون ضد «التعدين القذر» في القطب الشـمالي

صورة

خلال شهرَي أغسطس وسبتمبر، من كل عام، يقوم سكان «أوست أفام» الأصليون، في منطقة «تامير»، القطبية، بإلقاء الشباك في نهر «أفام»، لصيد أسماك الـ«توجونوك»، وهي طعام تقليدي مهم. إلا أن سكان المنطقة القطبية التابعة لروسيا، توقفوا عن الصيد مبكراً، في بداية هذا الشهر تقريباً. ولم يتمكن السكان المحليون من العثور على الأسماك في المواقع المشتركة الأخرى، على طول حوض النهر الذي تغذيه بحيرة «بياسينو»، التي تقع على بعد أميال قليلة شمال مدينة «نوريلسك» الصناعية.

وليس لدى جينادي شتشوكين، وهو عضو في مجموعة «دولجان» العرقية، شك بخصوص المتسبب في المشكلة. وفي أواخر مايو، انفجر خزان وقود احتياطي في محطة للطاقة بالقرب من «نوريلسك»، ما أدى إلى إغراق الممرات المائية المحلية، بنحو 23 ألف طن من الديزل. وانجرف النفط لأميال، ما أدى إلى تحويل جزء من نهر «أمبارنايا»، الذي يغذي بحيرة «بياسينو»، إلى اللون الأحمر الفاتح. وتقول «نوريلسك نيكل»، شركة تعدين النيكل الروسية المسؤولة عن التسرب، إنها تصرفت بسرعة لاحتواء التلوث، لكن شتشوكين يشعر بالقلق من أن التلوث منتشر بشكل أكبر بكثير ممّا تدعي الشركة، وأن شعبه سيعاني العواقب لسنوات.

وقال شتشوكين: «نتوقع أن النهر قد تسمم لفترة طويلة». وربما لن تكون هناك أسماك في هذه الأنهار وفي البحيرة، لسنوات عدة، وهذا صعب للغاية، بالطبع، للسكان الأصليين».

فرصة جيدة

لكن شتشوكين لا يجلس مكتوف الأيدي، وفي الشهر الماضي أطلق منتدى «أبورجين»، الذي يضم مجموعة من النشطاء وقادة السكان الأصليين الروس الذين يرأسهم شتشوكين، في إطار حملة لزيادة الوعي بتأثيرات نشاط «نوريلسك نيكل» على مجتمعاتهم والمطالبة بالتعويض. وبدلاً من التركيز على شركة التعدين الغامضة في القطب الشمالي، فإن المنتدى يستهدف شخصاً يحظى باهتمام الصحف الدولية، وهو الرئيس التنفيذي لشركة «تيسلا»، إيلون ماسك.

النيكل عنصر رئيس في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، ما يسمح لها بتخزين المزيد من الطاقة بكلفة أقل. وتحتاج «تيسلا» ومصنّعو السيارات الكهربائية، الآخرون، إلى الكثير منه. ولكن منتدى «أبورجن» يريد من ماسك، أن يلتزم بأن شركته لن تشتري أي نيكل له علاقة بـ«نوريلسك نيكل»، حتى يقوم الملوث الروسي الضخم بتنظيف الأنهار والتجمعات المائية.

وقال العضو في المنتدى ومنسق حملة وسائل التواصل الاجتماعي، ديمتري بيريزكوف: «لا نريد الثورة الصناعية القادمة للسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، أن تكون على حساب حقوق الشعوب الأصلية والأراضي المحلية»، متابعاً «نعتقد أنه إذا تمكنت (تيسلا) من وضع استراتيجية وقواعد لنفسها في مجال حقوق الإنسان وحقوق الشعوب الأصلية في ما يتعلق بالنيكل، فقد تكون فرصة جيدة للتأثير في سوق النيكل بشكل عام».

و«نوريلسك نيكل»، المعروفة، أيضاً، باسم «نورنيكل»، من بين أكبر منتجي النيكل على وجه الأرض. وتقول الشركة إنها أكبر منتج لما يسمى بالنيكل من الفئة «1»، أو النيكل عالي النقاء، وهو النوع الذي يطمح إليه مصنّعو البطاريات.

منطقة سامة

حتى قبل التسرّب النفطي هذا العام، كانت «نورنيكل» واحدة من أكبر الملوثين في القطب الشمالي. وتعتبر مواقع إنتاج النيكل في شبه جزيرة «تايمير» ومصافيها في شبه جزيرة «كولا»، مصادر هائلة لتلوث الهواء الإقليمي. وأدى تصريف المياه الملوثة من منشآت الشركة الصناعية إلى تلوث شديد بالمعادن الثقيلة في المسطحات المائية والتربة القريبة. ويقول شتشوكين إن السكان المحليين يطلقون على المنطقة المحيطة بمدينة نوريلسك، وهي أرض قاحلة شاسعة من الأشجار الميتة والطين «المنطقة السامة».

وعندما انهار خزان تخزين الديزل في محطة لتوليد الطاقة، في شركة «نورنيكل»، في 29 مايو، تحولت كارثة بيئية مزمنة إلى أزمة حادة. والتسريب، الذي دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إعلان حالة الطوارئ الفيدرالية، في أوائل يونيو، وُصف بأنه ثاني أكبر حادث نفطي في تاريخ روسيا الحديث؛ وقارنته منظمة السلام الأخضر، بانسكاب الغاز لشركة إكسون فالديز،عام 1989.

وبحلول منتصف يونيو، قالت الشركة إنها أزالت 90% من الوقود المتسرب؛ ومع نهاية أكتوبر، تخطط «نورنيكل»، لجمع البقية ومعالجة شواطئ الأنهار الملوثة.

مجرد خدعة

ومع ذلك، فإن أعضاء منتدى «أبورجن» يشككون في تقييم «نورنيكل» للوضع؛ بناءً على ما شاهدوه على الأرض وتاريخهم الطويل في التعامل مع الشركة. وبينما اجرت الأخيرة «مراجعة خبراء» لتقييم تأثير التسرب على المجتمعات الأصلية المحلية، وأنشأت قسماً جديداً للتواصل مع السكان الأصليين، يعتقد النشطاء أن هذه الإجراءات مجرد خُدعة. ويقولون إن الأصوات المحلية التي تنتقد الشركة يتم تجاهلها بشكل روتيني، ولم تستجب «نورنيكل» لطلب التعليق على هذه الادعاءات.

وقالت بافيل سولياندزيغا، وهي عضو في المنتدى، تعيش في الولايات المتحدة: «أخشى ألّا يتم تشخيص المشكلة، وأن التسرب أكثر خطورة بكثير مما يتم تصويره لنا» متابعة «سيكون هناك بالتأكيد تأثير على طريقة الحياة التقليدية، خصوصاً صيد الأسماك». كما يخشى شتشوكين وآخرون في المجتمع الأصلي من أن سمك الرنة، وهو مصدر غذاء تقليدي آخر، يمكن أن يتعرض للتسمم.

ويشارك باحثون مستقلون هذه المخاوف، وحذّر ثلاثة باحثين في القطب الشمالي، في يوليو، من الآثار البيئية المحتملة على نطاق واسع، بسبب تراكم السموم في الماء والتربة، التي تقول الشركة إنها نظفتها. وكتب الباحثون «على مدى أشهر وسنوات، ستتراكم هذه السموم داخل السلسلة الغذائية، بدءاً من الكائنات المجهرية، وتسبب في نهاية المطاف مشكلات للكائنات الحية الأكبر مثل الأسماك والطيور».

خطوة أولى

بدأت جهود الناشطين تؤتي ثمارها؛ إذ أصدرت «سامي كاونسل»، وهي منظمة غير حكومية تمثل مجموعة من السكان الأصليين، الذين يعيشون في فنلندا والنرويج وروسيا والسويد، بياناً تدعم فيه دعوة منتدى «أبورجن». وفي الوقت نفسه، تقوم منظمة «كالتشر سيرفايفال» لحقوق السكان الأصليين، حالياً، بجمع التوقيعات على رسالتها المفتوحة الخاصة، التي تطلب من شركة «تيسلا» عدم الارتباط بشركة «نورنيكل». ووقعت أكثر من 70 منظمة في جميع أنحاء العالم، على الرسالة.

إذا تسببت الحملة في خسارة «نورنيكل» لعقد ضخم، يعتقد مراقبون أن ذلك سيكون له تأثير «ليس فقط على سياساتها، ولكن على القطاع بشكل أوسع». وقد تكون الخطوة الأولى نحو تطوير المعايير الدولية لتوريد النيكل من قبل مصادر مسؤولة.

أسئلة جوهرية

تقول عالمة السياسة في كلية بروفيدنس بولاية رود آيلاند الأميركية، ثيا ريوفرانكوس، التي تدرس النزاعات حول استخراج المعادن المطلوبة للتقنيات الخضراء، إن منتدى «أبورجن» كان ذكياً في تركيز حملته على إيلون ماسك، بسبب قوة «تسلا» السوقية، وبسبب التصور بأن الاستدامة هي من بين مبادئ الشركة الأساسية.

وأضافت ريوفرانكوس: «المركبات الكهربائية تعني حرفياً التخلي عن الكربون»، متابعة «إذاً، هل هي جيدة للبيئة وهل هي جيدة للمناخ، وهل هي جيدة للمجتمعات المحلية. هذه أسئلة جوهرية للصناعات التي تقول إنها تساعد في مواجهة أزمة المناخ».

وبالنسبة لسجل «نورنيكل» البيئي، قال أندريه بوغروف، الذي يرأس لجنة حماية البيئة في مناجم الشركة، إن عملية تنظيف المياه والتربة كانت «على قدم وساق». وأصر على أن الشركة «ملتزمة بإنتاج المعادن مع مراعاة الحساسية البيئية»، وهي تستثمر مبالغ كبيرة في تقليل الانبعاثات الخطرة، لكنها استخدمت، أيضاً، المصانع التي تم بناؤها في العهد السوفييتي عندما تجاهل المهندسون إلى حد كبير الجوانب البيئية».

وبالنسبة للمجموعات البيئية، فإن معالجة هذه المخاوف مهمة للغاية، وقالت إنه لا يمكن أن يكون «التحول إلى الطاقة النظيفة مدعوماً بالتعدين القذر».

طباعة