«الجائحة» زادت العبء على الأهالي

إغلاق فيروس «كورونا» يُنهك سكان قطاع غزة

صورة

كان الوقت متأخراً في غزة. آدم وكرم، طفلاي الصغيران، كانا نائمين. لكن دوي القصف كان قوياً جداً، إذ استهدفت الطائرات الإسرائيلية مواقع عسكرية تابعة لحركة «حماس». وكان خوفي، كالعادة، أن يوقظهما الضجيج ويخيفهما. لكن عندما تحققت، وجدتهما نائمين. لن يكون هناك مكان يذهبان إليه عندما يستيقظان. ولأول مرة منذ أن بدأت جائحة الفيروس التاجي، يخضع جميع سكان غزة، البالغ عددهم مليونَيْ نسمة، للحجر المنزلي، من أجل إبطاء تفشي الوباء. وتحركاتنا، دائماً، مقيدة داخل 140 ميلاً مربعاً من القطاع، ويحدها البحر الأبيض المتوسط من جانب، ويحيط بها الجيش الإسرائيلي من جهة أخرى. لكن الآن، مع اقتراب الطائرات لليلة الـ20 على التوالي، لا يمكننا حتى مغادرة منازلنا. نحن عالقون في حالة إغلاق داخل إغلاق آخر.

منذ أشهر، سجل القطاع نحو 100 حالة إصابة فقط، وجميعها بين سكان عائدين من الخارج، وتم عزلهم على الفور. ولكن في 24 أغسطس، تم الإبلاغ عن أولى الحالات المجهولة المصدر، في مخيم المغازي للاجئين المزدحم بشدة، وتم وضع غزة في إغلاق كامل بالليلة نفسها. ومنذ ذلك الحين، سجلنا أكثر من 1400 حالة محلية.

من الجميل أن تكون والداً، لكن الأمر صعب بشكل خاص في غزة. وكان هذا صحيحاً منذ ولادة آدم قبل 10 سنوات.

هل سأتمكن من حمايته وتوفير حياة كريمة له، في غزة المحاصرة؟ تساءلت وأنا أنظر إلى ولدي الصغير بتعجب. وفي العقد الذي تلا ذلك، لم يختفِ السؤال أبداً. إن دائرة التصعيد المستمرة بين إسرائيل و«حماس»، الجماعة المسلحة التي تحكم هنا، تعني ليالي متفجرة باستمرار، وقد اندلعت حرب شاملة مرتين. وفي الآونة الأخيرة، أطلقت «حماس»، وجماعات مسلحة أخرى، بالونات حارقة تسببت في حرائق بالمجتمعات والمزارع الإسرائيلية المجاورة. وردت إسرائيل، كل ليلة، بتفجير منشآت «حماس».. إنها الخلفية العنيفة في حياتنا.

نام ولداي، وأضأت مصباحاً للقراءة. نحن محظوظون لأننا نستطيع تحمل تكاليف نظام الطاقة الشمسية الخاص بنا، والذي يوفر نحو 70% من احتياجاتنا المنزلية. والعديد من جيراني، في مدينة غزة، وتقريباً جميع الأشخاص البالغ عددهم 600 ألف شخص، الذين يعيشون في ثمانية مخيمات للاجئين بغزة، يقضون الحصار في الظلام.

ودمر الجيش الإسرائيلي محطة الكهرباء الرئيسة بغزة في حرب عام 2006. وفي أفضل الأوقات، لدينا ثماني ساعات، فقط، من الكهرباء في اليوم، مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي في الأحياء. لكن قبل ثلاثة أسابيع، وكرد انتقامي على إطلاق البالونات الحارقة، قطعت إسرائيل شحنات الوقود إلى آخر محطة كهرباء في غزة. ومع بدء تفشي المرض أواخر أغسطس، كان لدى غزة أربع ساعات، فقط، من الكهرباء، في اليوم.

عالم يتقلص

أن تكون محبوساً في المنزل بينما تكون محبوساً، أيضاً، في جيب ساحلي صغير، أمر مزعج للغاية. وتتمثل إحدى طرق البقاء أثناء العيش تحت الحصار، في التنقل حيثما كان ذلك ممكناً، أو الاجتماع مع الأصدقاء من سكان غزة في المقاهي، أو في المساجد، أو على الشاطئ. وفي المخيمات، تتركز الحياة الاجتماعية على العائلات والأصدقاء، ويتجمعون على الأرصفة ومداخل المنازل. والآن، حتى هذا الاتصال بالمجتمع العادي ينقطع.

ومثل كل مكان، كانت غزة تحت قيود فيروس «كورونا»، منذ أشهر. وتم إغلاق مطاعم، وتقييد أخرى، بتقديم طلبات خارجية، فقط، وتم إغلاق المساجد والكنائس. لكن كل من دخل غزة عبر الحواجز تم عزله لمدة ثلاثة أسابيع، وظل عدد الإصابات منخفضاً.

عاد ولداي إلى المدرسة، في الأسبوع الثاني من شهر أغسطس، بعد غياب دام خمسة أشهر. وبدأ الفصل الدراسي مبكراً، على أمل أن يتمكن الأطفال من اللحاق بما فاتهم. وكان طفلاي متحمسين للعودة إلى المدرسة ورؤية زملائهما، وكانت لديهما إنجازات بطولية يشاركانها؛ فقد فاز كرم بحزام الكاراتيه الأصفر، وتعلم آدم حركات كرة قدم جديدة. والمدرسة هي أحد الأماكن القليلة التي تبدو فيها الحياة بغزة طبيعية.

وفي غضون أسابيع، توقفت الدراسة مرة أخرى بسبب تسجيل مفاجئ لإصابات جديدة. وبينما كانت الطائرات الحربية تضرب كل ليلة، كان الوباء يقترب، وعالمنا يتقلص مرة أخرى.

يتغيب الأطفال عن المدرسة، والآن معظم لعبهم على «بلاي ستيشن»، وحياتهم الاجتماعية هي عندما يمكن لأبناء العم والأصدقاء الانضمام إليهم، عبر الإنترنت، لبضع ساعات.

ربما يكون من الجيد أنهما لايزالان أصغر من أن يفهما طبقات الصراع، والوباء الذي يضغط عليهما. وعندما نكون أحراراً في التنقل، فإننا نوفر لهما حياة جيدة بمعايير غزة، مع عائلة ممتدة، وأصدقاء، ومدرسة، وأماكن عامة. نريد أن نحميهما؛ لكن الواقع في غزة يجعل ذلك يبدو، بشكل متزايد، كأنه مهمة مستحيلة.

نعمة ونقمة

يلاحظ آدم وكرم، كل يوم، كيفية اختلاف حياتهما عن حياة الناس الذين يريانهم على شاشاتهما، ويسألانني: متى سنسافر لرؤية جدتهما في الضفة الغربية، وهو أمر قد يتطلب أشهراً للتخطيط. إذ نحتاج إلى تصاريح من إسرائيل، وأحياناً من «حماس» والسلطة الفلسطينية، يحتفظ الثلاثة بنقاط تفتيش عند المعبر الواحد إلى إسرائيل للأفراد. ويمكن لأي منها أن يقول لا، وإسرائيل تفعل ذلك في كثير من الأحيان. والآن، حتى هذا الاحتمال اختفى.

التكنولوجيا نعمة تفتح ذهن طفليَّ وتوسع معارفهما، لكنها يمكن أن تكون نقمة، أيضاً، في أماكن محاصرة مثل غزة، فالكثير مما نراه لا يمكننا فعله. والأماكن التي يجلبها لنا الإنترنت بعيدة المنال إلى الأبد. وأفكر في أصدقائي الذين حصلوا على منح للدراسة في الخارج، لكنهم لم يتمكنوا من الخروج من غزة. وبالنسبة للعديد من سكان غزة، فإن أبعد مسافة لهم هي الشاطئ، حيث نهدئ أنفسنا بنسيم البحر الأبيض المتوسط، وننظر إلى عالم مغلق علينا تماماً. لكن هذه هي غزة، وحتى قضاء يوم على الشاطئ معقد بسبب الصراع. ولا توجد كهرباء كافية لتشغيل محطات معالجة النفايات، ولا يمكننا السباحة بسبب مياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي يتم ضخها في البحر.

وفي إحدى الأمسيات، قبل الإغلاق ببضعة أيام، اصطحبت طفليَّ إلى الشاطئ. إنه دائماً مزيج من الألم ومتعة الجلوس معهما ومشاهدتهما وهما يلعبان، لكن مع العلم بأنهما سيركضان إلى الماء ثم يعودان، ويسألان كل خمس دقائق عما إذا كان بإمكانهما السباحة أم لا. وكان يتعين عليَّ أن أجيب بـ«لا».

وعندما ينتهي هذا الحجر الصحي، سنعود إلى الشاطئ للاستمتاع بما هو متاح لنا. هذه هي حياة الأب في غزة: دورة من التوتر والراحة واليأس والفرح.

حازم بولوشا أحد سكان غزة أعد التقرير لـ«واشنطن بوست»


مع بدء تفشي «كورونا» أواخر أغسطس، كان لدى غزة أربع ساعات، فقط، من الكهرباء، في اليوم.

الأطفال يتغيبون عن المدرسة، والآن معظم لعبهم على «بلاي ستيشن»، وحياتهم الاجتماعية هي عندما يمكن لأبناء العم والأصدقاء الانضمام إليهم، عبر الإنترنت، لبضع ساعات.

منذ أشهر، سجل القطاع نحو 100 حالة إصابة فقط، وجميعها بين سكان عائدين من الخارج، وتم عزلهم على الفور. لكن في 24 أغسطس، تم الإبلاغ عن أولى الحالات المجهولة المصدر، في مخيم المغازي للاجئين المزدحم، وتم إغلاق غزة بالكامل في الليلة نفسها.

لأول مرة منذ أن بدأت جائحة الفيروس التاجي، يخضع جميع سكان غزة، البالغ عددهم مليونَيْ نسمة، للحجر المنزلي، من أجل إبطاء تفشي الوباء. وتحركاتهم، دائماً، مقيدة داخل 140 ميلاً مربعاً من القطاع.

طباعة