يسمّي نفسه حفيد العثمانيين

العالم ينظر بقلق إلى جهود أردوغان لإحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية

صورة

في نهاية شهر أغسطس، احتفل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالعام الإسلامي الجديد بمزيد من البهجة، بعد أن حوّل آيا صوفيا الضخم إلى مسجد، وحوّل كنيسة بيزنطية أخرى أيضاً الى مسجد، وهي كنيسة شورا التي تعود إلى القرن الرابع، والتي تعتبر واحداً من أقدم المباني البيزنطية في إسطنبول. وفي اليوم التالي، أعلن عن اكتشاف مخزون جوفي كبير للغاز الطبيعي في البحر الأسود. وجاء ذلك في أعقاب اكتشاف آخر حديث لحقول غاز طبيعي في شرق البحر المتوسط. كلتا المنطقتين تتنازع عليهما دول أخرى مجاورة. وفي وقت لاحق من ذلك الأسبوع، رحب بوفد من حركة «حماس» في أنقرة.كل هذه التحركات تعكس رؤية أردوغان في احتضان كوادر الإسلاميين في العالم. كل ذلك يسير جنباً إلى جنب مع تأمين الموارد الطبيعية وفرض نفوذ تركيا في الخارج. كما أنه يسير جنباً إلى جنب أيضاً مع القمع الداخلي، حيث شهدت السنة الهجرية الجديدة إحكام قبضة أردوغان على حرية وسائل التواصل الاجتماعي، والنظر في إخراج تركيا مما يُعرف باتفاقية إسطنبول لعام 2011، وهي معاهدة لمجلس أوروبا تلزم الدول بحماية المرأة من العنف الأسري، لكل ذلك يجب على الشعوب الديمقراطية في تركيا والشرق الأوسط وحول العالم أن تقلق.

الحنين إلى الماضي

كتب كثيرون عن محاولات أردوغان «إحياء» الإمبراطورية العثمانية أو تنصيب نفسه سلطاناً، ولكي نفهم أجندة أردوغان السياسية وآفاقه، يجب أن نعرف بالتحديد أي السلاطين العثمانيين يسعى أردوغان جاهداً ليعيش في جلبابه، إنه السلطان التاسع للإمبراطورية التركية، سليم الأول.

توفي سليم قبل 500 عام في 1520. وخلال حياة هذا السلطان تطورت الإمبراطورية العثمانية من قوة إقليمية قوية إلى إمبراطورية عالمية عملاقة. فقد ظل هذا السلطان، الذي عاش خلال تلك الفترة، قدوة لأردوغان، وتمثل فترة حكمه بالنسبة له نموذجاً لتركيا المعاصرة القوية سياسياً واقتصادياً في العالم، والتي تستطيع سحق خصومها الأجانب والمحليين على حد سواء. ويمثل أيضاً بالنسبة لأردوغان ما يمثله الرئيس الأميركي الراحل، أندرو جاكسون، بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد أمر جاكسون بترحيل الهنود الحمر من أماكن اقامتهم الى محميات. ومثل هذا الوضع يساعد أردوغان أيضاً في اعتبار الإسلام مستودعاً ثقافياً وسياسياً لقوته، ومكوناً حيوياً لأمجاد الماضي العثماني، الذي يسعى إلى انزاله على أرض تركيا المعاصرة واستخدامه ضد العلمانية النخبوية المهيمنة التي سادت منذ تأسيس تركيا الحديثة.

يجب أن ينتابنا القلق من تبني أردوغان رؤية السلطان سليم الإقصائية، حيث يستلهم أردوغان من ذلك السلطان سياسة هذا الرجل القوي الذي خاض حروباً إقليمية، وحاول إبادة الأقليات الدينية، واحتكر الموارد الاقتصادية العالمية. وبالنسبة لأردوغان فإن محاولاته احتكار احتياطيات الغاز الطبيعي حول تركيا، تمضي قدماً مع مشروعات عسكرية خارجية في ليبيا وسورية واليمن. وفي الداخل، يظل يطارد الطائفة الشيعية والعرقية الكردية والمثقفين والمسيحيين والصحافيين والنساء واليساريين. ويضع أردوغان الإسلام في قلب الأجندة المحلية لتركيا، وأحدث مثال لذلك تحويله الكنائس الى مساجد.

اعتناق التراث الإسلامي والعثماني

ويحب أردوغان سليم الأول لأنه استطاع أن يجعل تركيا قوة سياسية عالمية. من عام 1517 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، حافظت الإمبراطورية العثمانية على شكلها الجغرافي الذي رسمه لها سليم، وسيطرت على الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط. وفي عام 1517، هزم العثمانيون منافسهم الرئيس في المنطقة، إمبراطورية المماليك ومقرها القاهرة، واستولوا على جميع أراضيها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وزاد ذلك من حجم الإمبراطورية بأكثر من الضعف. وأدى توسع الإمبراطورية العثمانية نحو الشرق الأوسط إلى تحويلها إلى القوة العسكرية والسياسية الأولى في المنطقة، وواحدة من أكبر دول العالم. وسيطر العثمانيون على النصف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط بالكامل، وبالتالي سيطروا على أهم طرق التجارة في العالم براً بين أوروبا وآسيا، وبحراً عبر الخليج العربي والبحر الأحمر. وورثت الجمهورية التركية الكثير من تلك القوة بعد زوال الإمبراطورية وصعود الجمهورية في عام 1923.

وبينما نأى كل حاكم تركي حديث بنفسه عن إرث الإمبراطورية العثمانية والإسلام، في محاولة لإبراز الجمهورية بوجه أكثر «أوروبية» و«علمانية» و«حداثة»، فإن أردوغان هو أول من اعتنق بقوة الماضي العثماني والتراث الإسلامي للإمبراطورية. هنا أيضاً يبرز سليم الأول كقدوة لحكم أردوغان، فقد حولت هزيمة سليم للمماليك الإمبراطورية العثمانية إلى دولة ذات أغلبية مسلمة لأول مرة في تاريخها، بعد أكثر من 200 عام من كونها دولة كان معظم سكانها من الروم الأرثوذكس. وبهذا الانتصار، أصبح سليم أول سلطان عثماني يحكم مكة والمدينة، أقدس مدن الإسلام، وبالتالي حصل على لقب الخليفة ورسخ أوراق الاعتماد الإسلامية العالمية للإمبراطورية. إذا كان سليم هو أول عثماني يصبح سلطاناً وخليفةً في آنٍ واحد، فإن أردوغان هو أول زعيم جمهوري يعلن أنه امتلك كلا اللقبين.

ومثلما أحب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رمزاً من رموز بلاده، وهو الرئيس أندرو جاكسون - علق صورته في مكان بارز في المكتب البيضاوي ودافع عن تماثيله - روّج أردوغان علناً لسياسة سليم في تركيا. كان أكثر أعماله لفتاً للنظر هو تسمية الجسر الثالث الذي تم تشييده أخيراً فوق مضيق البوسفور الشهير باسم سليم. كما أنفق أردوغان موارد هائلة على ضريح سليم وغيره من النصب التذكارية لحكمه. وبعد فوزه في الاستفتاء الدستوري لعام 2017، الذي وسع سلطاته بشكل كبير - وهي عملية شابتها بعض المخالفات - ظهر أردوغان علناً لأول مرة على ضريح سليم، واستعاد أردوغان قفطان وعمامة السلطان سليم المسروقة قبل سنوات.

ويصف أردوغان وزملاؤه في حزب العدالة والتنمية أنفسهم بانتظام بأنهم «أحفاد» العثمانيين. وفي هذا السياق، يتخطى أردوغان عن قصد جيلاً كاملاً - جيل الآباء الجمهوريين المؤسسين لتركيا منذ عام 1923 - ليعود إلى الوراء للزمن الذي حكم فيه العثمانيون العالم، وإلى عهد سليم الأول، وهو الوقت الذي حققت فيه تركيا الثروة والقوة الإقليمية جراء الحروب، ونعتقد أن إعادة برنامج سياسي مشابه لبرنامج سليم يمثل خطراً لتركيا والشرق الأوسط، بل والعالم، ولكي تصبح تركيا دولة عثمانية مرة أخرى فإن ذلك يعني استخدام العنف والرقابة على الإعلام الذي بدا أن أردوغان مستعد بالفعل لتبنيه. الدرس الذي يتمخض عن الدعوات للترويج للعظمة الماضية للدولة والشخصيات التاريخية المثيرة للجدل، سواء في تركيا أو في الولايات المتحدة، من شأنها أن تشوه تاريخ الدول وتثير الكراهية والانقسام بين أبناء الشعب الواحد.

ألان ميكاييل أستاذ التاريخ بجامعة «ييل»


يصف أردوغان وزملاؤه في حزب العدالة والتنمية أنفسهم بانتظام بأنهم «أحفاد» العثمانيين. وفي هذا السياق، يتخطى أردوغان عن قصد جيلاً كاملاً- جيل الآباء الجمهوريين المؤسسين لتركيا منذ عام 1923 - ليعود إلى الوراء للزمن الذي حكم فيه العثمانيون العالم.

بينما نأى كل حاكم تركي حديث بنفسه عن إرث الإمبراطورية العثمانية، فإن أردوغان هو أول من اعتنق بقوة الماضي العثماني.

طباعة