لا يتوقع أن تكون هناك ردة فعل

قضية نافالني لن تغير علاقات روسيا مع الغرب

المعارض الروسي نافالني خلال إدخاله المستشفى في ألمانيا.

لايزال الناشط الروسي ضد الفساد، والمعارض السياسي أليكسي نافالني في حالة إغماء في أحد مستشفيات برلين، وأعلن الفريق الألماني المشرف على علاجه اكتشاف مثبطات الكولينستريس في جسمه. وتوجد هذه المركبات التي تؤثر على عمل الجهاز العصبي عادة في المبيدات الحشرية، وبعض الأدوية (كالتي تستخدم لعلاج مرض الزهايمر) وبعض أنواع السموم. وأنا لست خبيراً في علم السموم، بيد أنه من غير المرجح، أن تكون حالته الصحية ناجمة عن وصول هذه المثبطات إلى جسمه عن طريقة الصدفة، وإنما تم إدخالها إلى جسمه بصورة متعمدة.

ومنحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل نافالني الحماية الحكومية من مكتب الشرطة الجنائية الفدرالية، ودعت الحكومة الروسية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه إلى إجراء تحقيق شامل في قضية نافالني، وتردد صدى ما قالته ميركل لدى العديد من القادة الأوروبيين، وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتشبه هذه الحادثة الأخيرة نموذج هجمات مشبوهة كان بعضها مميتاً، ضد أشخاص آخرين اعتبروا معارضين للكرملين، ويأتي هذا الحادث ليس وسط الأزمة المستمرة الآن في بيلاروسيا فقط، وإنما وسط الاتهامات المتكررة للنشاطات الروسية السيئة الموجهة ضد الدول الغربية، بدءاً من دفع المكافآت من أجل قتل الجنود الأميركيين في أفغانستان، وصولاً إلى الجهود المستمرة من أجل التأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية 2020.

وبعد وقت قصير من زيارة نائب وزير الخارجية الأميركية ستيفن بيغون إلى موسكو للتباحث مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، كان ثمة حادث بين القوات الأميركية والروسية في شمال شرق سورية، وبناء عليه هل من الممكن أن يكون أغسطس 2020 قطيعة كبيرة في العلاقات بين روسيا والغرب؟

من ناحية، فإن قضية نافالني، إضافة إلى التطورات الأخرى، ربما تمثل نهاية لأي محاولات أخيرة للتوصل إلى تسوية مع إدارة بوتين، وهناك تساؤل مهم مفاده ما إذا كانت قضية نافالني يمكن أن تغير الموقف الألماني من موضوع خطوط أنابيب «نوردستريم-2» النفطية. وحتى الأسبوع الماضي، كانت ألمانيا تنتقد بشدة جهود الولايات المتحدة للضغط على الشركات الأوروبية لوقف المشاركة في هذه الخطوط، بهدف منع إكمالها وتعزيز قدرات روسيا على القيام بتجاوزات في أوكرانيا (إضافة الى زيادة شحن الطاقة الى الزبائن الأوروبيين)، فهل تمنح قضية نافالني الحكومة الألمانية غطاء لوقف خطوط الأنابيب دون أن تبدو أنها خضعت لضغوط إدارة ترامب؟

عذر

من ناحية أخرى، إذا تعافى نافالني من مرضه ولم يعد يعاني أضراراً كبيرة، فهل ستصبح الدعوة إلى إجراء التحقيق عذراً لعدم اتخاذ أي إجراء ضد موسكو، وإيجاد طرق لمنع فرض أي عقوبات من خلال التطبيق الدقيق للمبادئ القانونية على الذنب ومعايير الإثبات؟ هل من الممكن ألا تحدث أي ردة فعل أصلاً؟ ويتوقع المعلق الألماني جينز ثيرو موقف ألمانيا بالقول «كما هي العادة، من غير المرجح أن تتبنى ألمانيا موقفاً صارماً ضد روسيا، أو أن تفرض عليها عقوبات قوية، ومن غير المحتمل أن تساعد روسيا على تسليط الضوء على قضية نافالني، وهذا تقييم متشائم، لكن هذا هو الزمن الذي نعيش فيه»، وبالنسبة لمجموعات ضغط الشركات، فإن العلاقات مع موسكو أكثر أهمية بكثير من التضحية بالأخلاق.

جمود

والأمر المرجح حدوثه هو أن يكون هناك جمود وتصل الأمور إلى طريق مسدود، ويستلقي نافالني على حافة الموت في مستشفى تشاريتي، إلى جانب عدد من جرحى الجنود الأميركيين، كما أن التورط الروسي في الانتخابات الأميركية يجعل من المستحيل على أي شخصية سياسية أميركية الحديث عن الحاجة إلى بذل جهود جديدة للتعامل مع روسيا، وفي الوقت ذاته فإن أياً من هذه الحوادث الصغيرة لا يرقى إلى مستوى التهديدات الوجودية بالنسبة للولايات المتحدة أو شركائها الأوروبيين الرئيسين، خصوصاً أنها لا تستحق المخاطرة بالقيام بمقاطعة كبيرة مع روسيا.

تنافس القوى

وعلى المدى البعيد يبدو أن حوادث عام 2020 تشير إلى أن روسيا ماضية في طريق تنافس القوى العظمى مع الولايات المتحدة، وأن الكرملين يفهم أن لديه نقطة الضعف في السياسة الداخلية، لكنها تظهر استعداد موسكو لرفع التكاليف التي يمكن أن يدفعها الغرب أيضاً. وثمة نقطة كانت دائماً تلفت انتباهي بشأن الحديث عن المكافآت التي تدفعها روسيا لقتل الجنود الاميركيين، إنها تشكل تحدياً للجوهر المفترض للسياسة الأميركية ضد روسيا، والتي تتمثل في المصالح المشتركة في الحرب على الحركات الإسلامية المتشددة، حيث تتعاون الولايات المتحدة وروسيا، كما أن روسيا بحاجة ماسة لتعاون الولايات المتحدة في هذه المجالات التي تستطيع واشنطن أن تأخذ فيها مواقف تناقض المصالح الروسية دون كثير عناء، وفي نهاية المطاف فإن الموقف المناوئ لـ«طالبان» كان الأرضية المشتركة لأول شراكة أميركية روسية في أعقاب 11 سبتمبر.

ويبدو أننا ندخل إلى طريق مسدود، فمن الواضح أن الولايات المتحدة لن تتعاون مع حكومة بوتين التي دخلت عقدها الثالث، وأن الانتظار (أو حتى تسريع) نهايتها أو إضعاف قدراتها سيكون نهج الولايات المتحددة. وبالنسبة للمؤسسة الروسية فإن إثبات أن الغرب ليس لديه خيار سوى التعامل مع روسيا في ظل إدارتها الحالية وإن عدم القيام بذلك؛ سيكون له تكاليفه الكبيرة.

نيكولار غوسديف : بروفيسور في قضايا الأمن الوطني


- إذا تعافى نافالني من مرضه ولم يعد يعاني أضراراً كبيرة، فهل ستصبح الدعوة إلى إجراء التحقيق عذراً لعدم اتخاذ أي إجراء ضد موسكو، وإيجاد طرق لمنع فرض أي عقوبات من خلال التطبيق الدقيق للمبادئ القانونية على الذنب ومعايير الإثبات؟ هل من الممكن ألا تحدث أي ردة فعل أصلاً؟

- على المدى البعيد يبدو أن حوادث عام 2020 تشير إلى أن روسيا ماضية

في طريق تنافس القوى العظمى مع الولايات المتحدة، وأن الكرملين يفهم

أنه لديه نقطة الضعف في السياسة الداخلية، ولكنها تظهر استعداد موسكو لرفع التكاليف التي يمكن أن يدفعها الغرب أيضاً.

طباعة