خوفاً من فقدانها سوقاً رائجة في الهند

«فيس بوك» تعجز عن حذف نصوص لمسؤولين هنود ينتهكون خطاب الكراهية

صورة

خلال يوليو 2019، أكد الناشط في مجموعة المراقبة «آفاز»، ألفيا زويب، في مكالمة فيديو مع موظفي «فيس بوك» بالهند، بأن نحو 180 مشاركة، نشرها مستخدمون في الدولة، تنتهك قواعد خطاب الكراهية في «فيس بوك». وفي خضم المحادثة التي استمرت ساعة، نهض أكبر مسؤول في «فيس بوك» بالهند، شيفناث ثوكرال، وخرج من الغرفة بحجة أن لديه أشياء أهم من ذلك، ينبغي عليه إنجازها.

ومن بين المشاركات، مشاركة مثيرة للجدل بعث بها المشرع في ولاية آسام عن حزب بهاراتيا جاناتا القومي، شيلاديتيا ديف، وهو الحزب الذي يتزعمه رئيس الوزراء، ناريندرا مودي. ونشر هذا المشرع على هذه المنصة تقريراً إخبارياً عن فتاة يُزعم أنها تعرضت للتخدير والاغتصاب من قبل رجل مسلم، وأضاف في تعليقه الخاص: «هذه هي الطريقة التي استهدف بها مسلمو بنغلاديش شعبنا الأصيل عام 2019». لكن بدلاً من إزالة هذه المشاركة، سمح «فيس بوك» ببقائها على الإنترنت لأكثر من عام، إلى أن اتصلت مجلة «تايم» بـ«فيس بوك»، في 21 أغسطس، مستفسرة عن سبب إبقائها دون حذف. وجاء رد «فيس بوك»، كما يلي: «لقد بحثنا هذا الأمر، عندما أبلغتنا (آفاز) عنه لأول مرة، وإن سجلاتنا تؤكد أنها انتهاك لخطاب الكراهية، لكننا أخفقنا في إزالتها عند المراجعة الأولية، وكان ذلك خطأً من جانبنا».

يتصرف من تلقاء نفسه

كان ثوكرال، مدير السياسة العامة لـ«فيس بوك» في الهند وجنوب آسيا، في ذلك الوقت، ويتمثل جزء من وظيفته في الضغط على الحكومة الهندية في مثل هذه الأمور، لكنه أيضاً يتصرف من تلقاء نفسه، عندما يبلغه المستخدمون بمشاركات من قبل السياسيين تثير الكراهية، كما يقول موظفون سابقون لمجلة تايم. ويقر «فيس بوك» بأن ثوكرال قطع اجتماعه مع زويب وغادر المكان، زاعماً أنه لم يكن يخطط من البداية للبقاء معه كل هذا الوقت في ذلك الاجتماع، وأنه انضم فقط للمجتمعين لتقديم زويب، الذي كان يعرفه من قبل خلال عملهما معاً في وظيفة سابقة. وقال «فيس بوك»، في بيان أصدره، إن ثوكرال لم يغادر الاجتماع، لأن القضايا المطروحة لم تكن مهمة، كما زعمت بعض الجهات، مشيراً إلى أن الشركة اتخذت إجراءات بشأن 70 من 180 مشاركة، تم عرضها خلال الاجتماع.

تدقيق متزايد

ويخضع عملاق وسائل التواصل الاجتماعي لتدقيق متزايد، بشأن كيفية تطبيقه لسياسات خطاب الكراهية، عندما يكون المتهمون أعضاء في الحزب الحاكم لمودي. ويقول نشطاء إن بعض مسؤولي سياسة «فيس بوك» مقربون جداً من حزب بهاراتيا جاناتا، ويتهم النشطاء «فيس بوك» بوضع علاقته مع الحكومة أولاً، بينما مهمته المعلنة المتمثلة في إزالة خطاب الكراهية من منصته، ثانياً خصوصاً عندما يكون الخطاب صادراً عن سياسيين من الحزب الحاكم. على سبيل المثال، عمل ثوكرال مع قيادة الحزب، خلال الحملة الانتخابية لحزب بهاراتيا جاناتا عام 2014، وفقاً للوثائق التي اطلعت عليها مجلة تايم.

ونفى المدير الإداري لـ«فيس بوك» في الهند، أجيت موهان، المزاعم القائلة بأن شركة «فيس بوك» أظهرت تحيزاً واضحاً تجاه حزب بهاراتيا جاناتا، وكتب في مشاركة له، منشورة بتاريخ 21 أغسطس الماضي، بعنوان: «نحن منفتحون وشفافون وغير متحيزين»: «على الرغم من الانتماءات والخلفيات السياسية المتنوعة، فإن موظفينا يؤدون واجباتهم ويفسرون سياساتنا بطريقة عادلة وغير حزبية، ولا يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بتصعيد المحتوى من جانب واحد ومن قبل شخص واحد فقط؛ وبدلاً من ذلك يخضع ذلك لآراء من قبل فرق وتخصصات مختلفة داخل الشركة».

ونشر «فيس بوك» مدونة خاصة، بعد أن ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن موظفين حاليين وسابقين في «فيس بوك»، في 14 أغسطس الماضي، أن كبير مسؤولي السياسات في الشركة بالهند، أنخي داس، اعترض عندما أراد موظفو «فيس بوك» الآخرون تصنيف أحد السياسيين من حزب بهاراتيا جاناتا بأنه «شخص خطير»، ومنعه من استخدام المنصة، بعد أن دعا إلى إطلاق النار على المهاجرين المسلمين. وجادل داس بأن معاقبة النائب في الولاية، تي راجا سينغ، ستضر بمستقبل أعمال «فيس بوك» في الهند، حسبما ذكرت الصحيفة. ويقول «فيس بوك» إن تدخل داس لم يكن السبب الوحيد لعدم حظر سينغ، وإن الشركة لم تقرر بعد ما إذا كان الحظر ضرورياً.

أكبر سوق

وتعتبر الهند أكبر سوق لـ«فيس بوك»، حيث يستخدم 328 مليون شخص هذه المنصة الخاصة بالتواصل الاجتماعي. ويستخدم نحو 400 مليون هندي، أيضاً، خدمة المراسلة «واتس أب»، التابعة لـ«فيس بوك»، ويمثل هذا العدد جزءاً كبيراً من مستخدمي الإنترنت البالغ عددهم 503 ملايين مستخدم. وتزايدت أهمية المنصات في السياسة الهندية؛ بعد انتخابات 2014، ونشر داس مقال رأي، يقول فيه إن مودي قد فاز، لأنه استخدم الطريقة نفسها التي كان يستخدم بها «فيس بوك» في حملته الانتخابية.

لكن يتم، أيضاً، استخدام «فيس بوك»، و«واتس أب» لنشر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، التي حرضت من قبل على هجمات مميتة، تعرضت لها أقليات وسط التوترات الاجتماعية المتزايدة في جميع أنحاء الهند، رغم جهود الشركة لقمع هذه المعلومات. ففي فبراير، تم تحميل مقطع فيديو لخطاب سياسي من حزب بهاراتيا جاناتا، كابيل ميشرا، على «فيس بوك»، أخبر فيه الشرطة بأنه ما لم يطردوا المتظاهرين، الذين معظمهم من المسلمين، والذين يحتلون طريقاً في دلهي، فإن أنصاره سيفعلون الشيء نفسه. وفي غضون ساعات، اندلعت أعمال شغب عنيفة.

«واتس أب» بنية القتل

تم استخدام «واتس أب»، أيضاً، بنية القتل في الهند، على سبيل المثال، من قبل هندوس، الذين هاجموا المسلمين والداليت، متهمين إياهم بقتل الأبقار، وهي حيوان مقدس في الهندوسية. وقضى جراء ذلك ما لا يقل عن 44 شخصاً، معظمهم من المسلمين، على أيدي هؤلاء المتشددين، بين مايو 2015 وديسمبر 2018، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش. وتحدث العديد من جرائم القتل، التي يرتكبها هندوس، بعد انتشار شائعات على «واتس أب»، وغالباً تتم مشاركة مقاطع فيديو لعمليات إعدام خارج إطار القانون، وضرب الضحايا أيضاً.

وعلمت مجلة «تايم» أن «فيس بوك»، في محاولة لتقييم دورها في نشر خطاب الكراهية والتحريض على العنف، كلفت إحدى الجهات بإعداد تقرير مستقل عن تأثير هذا الخطاب في حقوق الإنسان بالهند. وتتولى شركة المحاماة الأميركية «فولي هواغ» إعداد التقرير، والذي سيشمل مقابلات مع كبار موظفي «فيس بوك»، وأعضاء المجتمع المدني في الهند، وفقاً لثلاثة أشخاص على دراية بالموضوع، ورسالة بريد إلكتروني اطلعت عليها مجلة «تايم».

هناك تقرير مماثل عن ميانمار، صدر عام 2018، قدم بياناً تفصيلياً لإخفاقات «فيس بوك» في معالجة خطاب الكراهية الذي أسهم في الإبادة الجماعية للروهينغيا هناك في العام السابق. ورفض «فيس بوك» تأكيد التقرير. لكن النشطاء، الذين أمضوا سنوات في مراقبة خطاب الكراهية للقوميين الهندوس والإبلاغ عنه، قالوا لمجلة «تايم» إنهم يعتقدون أن «فيس بوك» كان متردداً في نشر مشاركات لأعضاء وأنصار حزب بهاراتيا جاناتا، لأنه لا يريد خوض معارك مع الحكومة التي تسيطر على أكبر سوق للشركة. ويقول المحللون والموظفون السابقون إن الطريقة التي يتم بها تنظيم الشركة تفاقم المشكلة، لأن الأشخاص أنفسهم المسؤولين عن إدارة العلاقة مع الحكومة، يسهمون أيضاً في اتخاذ القرارات، بشأن ما إذا كان ينبغي معاقبة السياسيين على خطاب الكراهية أم لا.

جهة واحدة مسؤولة

يقول كبير مسؤولي الأمن السابق في «فيس بوك»، أليكس ستاموس، بتغريدة في مايو: «تتمثل المشكلة الأساسية في (فيس بوك)، في أن جهة واحدة فقط بالشركة هي المسؤولة عن سياسة قواعد النظام وإرضاء الحكومات. وعادة يتم اختيار رؤساء السياسة المحلية من الحزب السياسي الحاكم، ونادراً ما يتم اختيارهم من المجموعات العرقية أو الدينية أو الطوائف المحرومة، وهذا يجعل القرار بطبيعة الحال يصب في صالح الأقوياء».

ويشعر بعض النشطاء بالإحباط الشديد من فريق سياسة «فيس بوك» في الهند، لدرجة أنهم بدأوا يتجاوزونه تماماً في الإبلاغ عن خطاب الكراهية. فبعدما انسحب ثوكرال أثناء الاجتماع، قررت «آفاز» الإبلاغ عن خطاب الكراهية مباشرة إلى مقر شركة «فيس بوك» في مينلو بارك، كاليفورنيا. يقول زوياب، الذي ترك «آفاز» منذ ذلك الحين: «لقد وجدنا أن موقف (فيس بوك) بالهند متقلب تماماً، وقاسٍ وغير مهتم».

وقالت مجموعة أخرى، تبلغ بانتظام عن خطاب الكراهية ضد الأقليات على «فيس بوك» في الهند، طلبت عدم ذكر اسمها، خوفاً على سلامة موظفيها، إنها تفعل الشيء نفسه منذ عام 2018. وفي بيان، أقر موقع «فيس بوك» بأن بعض المجموعات تقوم بانتظام برصد خطاب الكراهية في الهند، وهي على اتصال بمقر «فيس بوك» الرئيس، إلا أن البيان أكد أن ذلك لن يغير المعايير، التي يتم من خلالها الحكم على المشاركات بأنها مخالفة لقواعد الشركة.

وتسبب الكشف عن هذه الحقائق في فضيحة سياسية بالهند، حيث دعا سياسيون معارضون إلى إجراء تحقيق رسمي مع «فيس بوك»، بسبب محاباته حزب مودي. وتسببت الأخبار في حدوث صراع داخل الشركة، أيضاً، ففي رسالة داخلية مفتوحة، دعا موظفو «فيس بوك» المديرين التنفيذيين للتنديد بـ«التعصب ضد المسلمين»، وبذل المزيد من الجهد، لضمان تطبيق قواعد الخطاب الذي يحض على الكراهية باستمرار عبر المنصة، حسبما ذكرت وكالة رويترز. وتزعم الرسالة أنه لا يوجد موظفون مسلمون في فريق سياسة «فيس بوك» بالهند.


بعض النشطاء يشعرون بالإحباط الشديد من فريق سياسة «فيس بوك» في الهند، لدرجة أنهم بدأوا يتجاوزونه تماماً في الإبلاغ عن خطاب الكراهية.

تتمثل مشكلة «فيس بوك» في أن جهة واحدة بالشركة، هي المسؤولة عن سياسة قواعد النظام وإرضاء الحكومات. وعادة يتم اختيار رؤساء السياسة المحلية من الحزب الحاكم، ونادراً ما يتم اختيارهم من المجموعات العرقية، أو الدينية، أو الطوائف المحرومة.

تم استخدام «واتس أب»، أيضاً، بنية القتل في الهند، على سبيل المثال، من قبل هندوس، الذين هاجموا المسلمين والداليت، متهمين إياهم بقتل الأبقار، وهي حيوان مقدس في الهندوسية.

طباعة