الولايات المتحدة كرّرت الأمر ذاته

ردات الفعل على المناورات العسكرية الصينية تنطوي على النفاق

صورة

في الأول من يوليو بدأ حرس السواحل والبحرية في جيش التحرير الشعبي الصيني مناورات في بحر الصين الجنوبي تضمنت القيام بهجمات برمائية. وأجريت هذه التدريبات في منطقة أعلن أنها منطقة بحرية مغلقة مؤقتاً (ميتز) في جنوب شرق هينان «وفي جزء» من جزر باراسلز التي تسيطر عليها الصين، ولكن تطالب بها فيتنام.

وانتقدت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» الصين على هذه المناورات وقالت «إجراء مثل هذه المناورات على منطقة متنازع عليها من بحر الصين الجنوبي لا يساعد على تخفيف التوتر والحفاظ على الاستقرار»، وقالت البنتاغون إن «مثل هذه المناورات تنتهك إعلان 2002 المتعلق بسلوك الأطراف ذات الصلة في بحر الصين الجنوبي، لتجنب نشاطات من شأنها تعقيد وتصعيد النزاعات»، وختمت البنتاغون كلامها عندما حثت «جميع الأطراف على التحلي بضبط النفس وعدم اللجوء إلى الأعمال العسكرية»، واعترضت الفلبين وفيتنام على المناورات.

وعندها أظهرت الولايات المتحدة كيف يتعين على الصين التصرف عن طريق إرسال اثنتين من أهم رموز قوتها، وهما حاملتا طائرات وتوابعهما إلى بحر الصين الجنوبي. وقال المتحدث باسم الأسطول السابع الأميركي «إن وجود الحاملتين ليس رداً على أي أحداث سياسية أو عالمية»، وبالطبع فإن هذه ترهات ونفاق.

ومن الواضح أن نشر الحاملتين جاء رداً على ما اعتبرته الولايات المتحدة «تهديداً صينياً» وهذا بالتأكيد ليس مثالاً جيداً على ضبط النفس. وإضافة إلى ذلك فإنها تعمل على زعزعة الاستقرار وتفاقم التوتر مع الصين.

وجاهة الاعتراض

ومن غير الواضح بالضبط ما هو الأمر الذي يعارضه منتقدو الصين، فهل هو المنطقة التي تغطيها «ميتز» أي مكان حدوث المناورات الصينية، أم المناورات نفسها، أم الجهتان معاً. ولو افترضنا أن منطقة «ميتز» تغطي المنطقة ذاتها التي أعلنتها الصين عام 2016، فهي تمتد على أطراف جزر باراسلز وحدودها المائية. وحتى في وقتها القضية لم تكن واضحة تماماً.

وثمة خلاف على السيادة على جزر باراسلز من قبل الصين وتايوان وفيتنام. ولكن الصين احتلت الجزر منذ عام 1974 عندما أخذتها من فيتنام الجنوبية. وفي ذلك الوقت طلبت فيتنام الجنوبية العون من الولايات المتحدة، ولكن الأخيرة رفضت مساعدتها، إذ رفضت وزارة الخارجية الأميركية الطلب، وقالت في بيان لها «ليس لدينا أي علاقة في هذا النزاع. ويجب على المتنازعين حل الخلاف في ما بينهم»، وبناء عليه فإن شكوى الولايات المتحدة تحول غريب لموقف واشنطن في الماضي وخطابها السابق، حيث إنها تشكك ضمنياً في سيادة الصين على جزر الباراسلز.

وعارضت فيتنام المناورات الصينية رسمياً لأنها تريد إحياء مطالبتها القديمة وشبه المندثرة بجزر باراسلز. ووصفت المناورات الصينية بأنها «انتهاك للسيادة من شأنه أن يضر بعلاقة الصين باتفاقية دول آسيان» وموضوع آسيان هذا مجرد ضجيج إعلامي، لأن النزاع يتعلق بفيتنام والصين، كما أن اتحاد دول جنوب شرق آسيا حاول التملص من الموضوع برمته.

ليس جديداً

وإذا كان سبب المعارضة أن الصين تستخدم الجزر كقاعدة لجزء من مناوراتها، فإن ذلك ليس بالأمر الجديد كما أنه لا يستحق أن يكون خبراً. وبالتأكيد هذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الصين منطقة مغلقة وتقوم بالمناورات في المنطقة. وإضافة إلى ذلك فإن فيتنام لها وجود عسكري منذ زمن بعيد في مناطق متنازع عليها في جزر سبراتليز، ويفترض أنها أجرت مناورات فيها. وربما أن القلق ناجم ليس من المبدأ وإنما من حجم الجزر المتنازع عليها.

وإذا كان اعتراض واشنطن على المناورات الصينية بسبب فرض قيود إلزامية على دخول الأجانب منطقة «ميتز» وهي «مياه دولية» فهذه نقطة فنية. وفي الواقع فإن إعلان الصين منطقة «ميتز» يجعل تجنب المنطقة من قبل السفن والطائرات الأخرى إلزامياً، في حين أن الولايات المتحدة ادعت أنها فقط «تنصح» بعدم الاقتراب من المنطقة. ولكن من حيث الممارسة لم تسمح الولايات المتحدة للطائرات والقوارب العسكرية بالاقتراب من حاملات طائراتها.

وإذا كانت واشنطن والآخرون يشتكون أن مناورات الصين استخدمت منطقة اقتصادية حصرية بطول 200 ميل بحري، تمتد من هاينان أو جزر باراسلز (لو افترضنا أن الصين استخدمت مثل هذه المنطقة بصورة قانونية) إذا ليس هناك مشكلة في ذلك، سواء كانت المنطقة متنازعاً عليها أو لا، على افتراض أن المناورات لم تنتهك ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بقانون البحار للأغراض السلمية، والموافقة على الأبحاث العلمية البحرية والحماية البيئية.

وفي الحقيقة فإن واشنطن تفعل الأمر ذاته الآن، وفي بحر الصين الجنوبي. وستكون أعلى درجات النفاق إذا أكدت واشنطن أن الصين تنتهك اتفاقية لم توقع عليها واشنطن أصلاً وربما تقوم بانتهاكها بصورة متكررة. وإذا كانت المناورات في مكان خارج المنطقة الاقتصادية الحصرية، فإن حرية الإبحار تكون غير مقيدة.

وإذا كان الاعتراض كما يعتقد البعض ناجماً عن أن الصين أجرت مناورات في بحر الصين الجنوبي، فإن موضوع النفاق موجود أيضاً، إذ إن اليابان ودولاً أخرى قامت بمناورات في مايو 2019 في بحر الصين الجنوبي.

وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جوزيف دانوفورد، قد أبلغ لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، أن الاستيلاء على الجزر سيكون «مهماً جداً من أجل استعراض القوة أمام الصين».

وفي أبريل 2020، أجرت القوات البحرية الأميركية والأسترالية عمليات في منطقة اقتصادية حصرية تطالب بها ماليزيا، دون علمها على ما يبدو أو دون إذنها. وتضمنت هذه المناورات هجوم السفينة البرمائية الهجومية «أميركا». وبالنظر إلى ما قاله دانفورد فإن هذه المناورات تشكل تهديداً وزعزعة للاستقرار.

وكانت الفلبين قد انتقدت المناورات الصينية واعتبرتها «استفزازية على نحو كبير»، ولكن من غير الواضح ما الذي كان يقلق الفلبين.

مارك فالنسيا محلل للسياسات البحرية ومستشار حول آسيا


من غير الواضح بالضبط ما الأمر الذي يعارضه منتقدو الصين، فهل هو المنطقة التي تغطيها «ميتز» أي مكان حدوث المناورات الصينية، أم المناورات نفسها، أم الجهتان معاً.

إذا كانت الولايات المتحدة والآخرون يشتكون أن مناورات الصين استخدمت منطقة اقتصادية حصرية بطول 200 ميل بحري، تمتد من هاينان أو جزر باراسلز (لو افترضنا أن الصين استخدمت مثل هذه المنطقة بصورة قانونية) إذا ليس هناك مشكلة في ذلك، سواء كانت المنطقة متنازعاً عليها أو لا، على افتراض أن المناورات لم تنتهك ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بقانون البحار للأغراض السلمية.

طباعة