نتيجة عدم اكتراث أمراء الحرب لمعاناة اللبنانيين

الإهمال والفساد سبب الكارثة المدمرة في بيروت

صورة

بكى محافظ بيروت، مروان عبود، وتساقطت دموعه بينما كان يتحدث، وهو يفتش بين ركام مرفأ بيروت المدمر عن بقايا رجال الإطفاء المفقودين. وقال «إنها كارثة وطنية»، مقارناً التفجير المدمّر الذي وقع في بيروت بما حدث في مدينتي ناغازاكي وهيروشيما، بعد تعرضهما لتفجير نووي في الحرب العالمية الثانية.

ولكنْ ثمة تشبيه نووي آخر لما حدث في بيروت، وهو انصهار مفاعل تشيرنوبل خلال الفترة السوفييتية عام 1986. ولم يكن انفجار المستودع الذي كان يحوي نترات الأمونيوم، نتيجة صراع أو أعمال عنف مدبرة، وإنما كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق، لقد كان نتيجة انعدام الكفاءة، والفساد الاقتصادي، والإهمال.

وأعلنت السلطات اللبنانية بيروت مدينة منكوبة، إثر انفجارين كبيرين خلّفا تدميراً واسعاً في المدينة. وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بصور المفقودين الذين لايزال البحث عنهم جارياً.

عبء إضافي

وكانت الخسائر الاقتصادية لما حدث كبيرة جداً، إذ فقد ما بين 250 إلى 300 ألف شخص منازلهم، أي نحو 10% من سكان المدينة، كما أن الآلاف بحاجة إلى علاج في المشافي التي تعج أصلاً بمرضى فيروس «كورونا». وتقدر قيمة المنازل المدمرة بثلاثة مليارات دولار.

وهذا عبء إضافي مرهق بالنسبة لمعظم سكان لبنان الذين يكافحون من أجل كسب العيش. وحتى قبل التفجيرين، كان لبنان على حافة الانهيار، إذ هناك أزمة اللاجئين السوريين، التي هي على وشك دخول عامها العاشر. ولكن في الحقيقة المشكلة ليست اللاجئين وتأمين حاجاتهم، فقد ذكر برنامج الغذاء العالمي أن نحو نصف الشعب اللبناني يكافح من أجل تلبية حاجاته الأساسية. وقال الأستاذ المساعد في الجامعة الأميركية ببيروت، مارتن كيلورتز، لصحيفة تلغراف في يونيو الماضي «مع نهاية العام الجاري، سيكون 75% من سكان لبنان يعيشون على المساعدات الغذائية، ولكن السؤال المطروح: هل من الممكن أن تكون لدينا أغذية ليتم توزيعها».

وحتى الآن أدت جائحة «كورونا» إلى جعل المشافي في حالة صعبة للغاية، حيث تأتي هذه الجائحة في وقت غير مسبوق من العوز الاقتصادي، إذ ترزح هذه الدولة تحت وطأة ديونها الكبيرة. وارتفعت أسعار المواد الغذائية حتى الآن بنسبة 247%، ونظراً لتدمير الأطنان من المخزونات الغذائية في الميناء نتيجة الانفجار، وتدمير المرفأ بحد ذاته، من المتوقع أن يتفاقم الوضع على نحو سريع. وحتى قبل الانفجارين، انتشرت التظاهرات اللبنانية في كل مكان، وكان وزير الخارجية اللبناني، ناصيف حتي، استقال من منصبه قبل يوم واحد من حدوث الانفجارين، محذراً من أن لبنان سينزلق إلى مرتبة الدولة الفاشلة.

نظرية الإرهاب

وبالنظر إلى تاريخ لبنان، اعتقد كثيرون، ومن بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن الحادث وقع نتيجة عمل إرهابي، ولكن في واقع الأمر لم يكن العنف هو سبب تدهور الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية، وإنما الفساد.

وعلى الرغم من أن التفاصيل لاتزال تظهر تباعاً، إلا أن الرواية الرسمية للحكومة اللبنانية تفيد بأن الانفجارين نجما عن إشعال شحنة من مادة نترات الأمونيوم، الموجودة في الميناء منذ 2013، ولاتزال هناك حتى تاريخ الانفجار. وهذه المادة معروفة في تاريخ الأعمال الإرهابية، حيث قام القومي المتطرف، الأميركي تيموثي ماكفاي، بتفجير طنين منها في مدينة أوكلاهوما عام 1995، ما أدى إلى مقتل 168 شخصاً وتدمير 300 مبنى. ولكن بعيداً عن تطرف ماكفاي، لماذا يسمح ببقاء 2750 طناً من نترات الأمونيوم، أي 1000 ضعف كمية ماكفاي، في مستودع في قلب بيروت؟ هل كانت «بانتظار إجراء مزاد علني عليها مثلاً؟».

المسؤولية

ولا ندري ما إذا كان الفساد، أو الإهمال، أو كلاهما، مسؤولين عن هذه الكارثة، ولكن بالتأكيد المسؤولية ليست على عمال المرفأ الذين لم يقوموا بالتحقق من المادة الموجودة في المستودع، أو أنهم تلقوا بعض الرشى كي يبتعدوا عن المستودع، وإنما تقع المسؤولية على من وظّفهم هناك، ومن صنع هذا النظام العفن في البلد. وعندما انتهت الحرب الأهلية في لبنان عام 1990، استبدل معظم أمراء الحرب، الذين ارتكبوا جرائم تقشعر لها الأبدان، لباس الميليشيات ببدلة مدنية وربطة عنق، ونجوا من المحاسبة عن كل ما ارتكبوه، وسيطروا على ما بقي من لبنان ما بعد الحرب.

وقامت الطبقات الحاكمة اللبنانية باستنزاف الدولة حتى الثمالة، وهم يتمتعون بالحصانة المطلقة منذ أجيال عدة. وأدى فسادهم وجشعهم إلى توريط لبنان في الأزمات المتكررة، وحتى دون اعتبار للطائفية المتفشية لدى النخبة السياسية، وأصبح فشل التنظيم وانعدام الكفاءة هما الهاجس الدائم للدولة.

وأهم هذه الأزمات، القمامة التي خلّفت جبالاً من القمامة المتعفنة في كل مكان، والتي جعلت الهواء خانقاً في مدينة بيروت، والاقتصاد المتدهور، والتضخم الكبير، والفقر، وكلها تدفع العائلات إلى شفير المجاعة، حيث هناك تحذيرات كثيرة من احتمال وقوع مجاعة.

وأدت أزمة تدهور المعيشة إلى اندلاع تظاهرات استمرت أشهراً عدة ضد الحكومة اللبنانية، حيث توحدت الطوائف اللبنانية تحت شعار «كلن يعني كلن»، وهي إدانة لجميع الطبقة الحاكمة، ورفض للنظام الطائفي السياسي الموجود في البلد.

ومنذ وقوع حادثتي التفجير، أعلن كل من المدير العام لمرفأ بيروت حسن قريطم، والمدير العام لإدارة الجمارك اللبنانية بدري ضاهر، عن أنهما حذرا من خطر وجود هذه المواد المتفجرة في الميناء، وطالبا بإزالتها. ولكن السلطات اللبنانية أعلنت منذ ذلك الوقت أن موظفي المرفأ مسؤولون عن تخزين وحراسة نترات الأمونيوم. ولكن لعبة إلقاء اللوم على الآخرين (ليس أنا) التقليدية في لبنان بدأت الآن، حيث يصطف أمراء الحرب السابقون لإلقاء اللوم والمساءلة على الآخرين، وبعيداً عنهم دائماً.

ولكن كيف يتم التلاعب بالشعب اللبناني، الذي تم دفعه إلى ما بعد نقطة التحمل، ولم يثر حتى الآن؟ إنها قضية لاتزال مجهولة، ولكن الوسم الذي يقول «علقوا المشانق»، والذي أصبح رائجاً باللغة العربية على «تويتر»، يمكن أن يجعل أمراء الحرب الفاسدين في لبنان يتساءلون ما إذا كانت حصانتهم ستتعرض للتساؤل الآن.

وباء الغطرسة

وفي الحقيقة، تشيرنوبل لم تكن قصة حادث كارثي في منشأة طاقة نووية سوفييتية، وإنما كانت ناتجة عن كيف يمكن أن يؤدي وباء الغطرسة، والإهمال، والاستبداد، إلى تشكل نظام يسمح بمثل هذه الكارثة. لقد كانت هذه المنشأة النووية تمثل الاتحاد السوفييتي، ولكن على نحو مصغّر، حيث ساعدت الأخطاء القاتلة على مدى عقود عدة من الفشل السياسي والإهمال على انهيار الدولة برمتها. وعلى الرغم من أنه تمت إدانة وسجن بعض المسؤولين المحليين، باعتبارهم كانوا غارقين في الأخطاء، ولكنهم لم يكونوا الجناة النهائيين.

وبصورة مماثلة، فإن قصة انفجار مستودع بيروت ليست حادثة بناء أدت إلى وقوع كارثة، وإنما قصة كيفية قيام عصابة من أمراء الحرب بتقاسم الدولة، وحكمها بالتحيز والمحاباة، وقلة الكفاءة، واللامبالاة المطلقة للمعاناة البشرية، في حين يقومون بسرقة هذا الشعب الضعيف والعاجز.

وكما كانت الحال في حكاية تشيرنوبل، سيكون من المضمون عدم محاسبة أي شخص من المسؤولين الحقيقيين عن الكارثة، والجرائم التي ارتكبها.

أوز كاتيرجي  صحافي بريطاني مستقل يعمل في الشرق الأوسط


بالنظر إلى تاريخ لبنان، اعتقد كثيرون، ومن بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن الحادث وقع نتيجة عمل إرهابي، ولكن في واقع الأمر لم يكن العنف هو سبب تدهور الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية، وإنما الفساد.

لا ندري ما إذا كان الفساد، أو الإهمال، أو كلاهما، مسؤولين عن هذه الكارثة، ولكن بالتأكيد المسؤولية ليست على عمال المرفأ، الذين لم يقوموا بالتحقق من المادة الموجودة في المستودع، أو أنهم تلقوا بعض الرشى كي يبتعدوا عن المستودع، وإنما تقع المسؤولية على من وظّفهم هناك، ومن صنع هذا النظام العفن في البلد.

طباعة