في أسلوب مبتكر للمطالبة بالتغيير

نساء بيلاروسيا يلوّحن بالزهور في وجه شرطة مكافحة الشغب

صورة

بعد أن اعتدت الشرطة في بيلاروسيا بالضرب على المتظاهرين، خرجت النساء إلى الشوارع يحملن الأزهار للمطالبة بالتغيير، وظهرت أول مجموعة منهن يوم الأربعاء، يمثلن بضع مئات من الأرواح الشجاعة، ويرتدين ملابس بيضاء، ويحملن باقات من الزهور، في رد قوي لكنه هادئ على العنف المروع الذي تعرض له الآلاف من الرجال البيلاروسيين، الذين احتجوا على فوز الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، بولاية جديدة في انتخابات زعم معارضوه أنها مزورة.

وبحلول بعد ظهر اليوم التالي، انتشرت مجموعات النساء الملوّحات بالزهور في كل مكان بالبلاد، يتجولن على طول الطرق الواسعة في وسط مينسك مبتسمات، ويطالبن بإصرار بتغيير سياسي. وقالت تاتيانا، وهي نادلة تبلغ من العمر 31 عاماً، وكانت في مقدمة طابور يضم نحو 1000 امرأة يحملن الزهور: «نحن هنا لإظهار التضامن مع جميع رجالنا الذين تعرضوا للضرب والإيذاء»، كانت هي وصديقتها تحملان علماً أبيض، علامة على رغبتهما في النأي عن العنف.

انتفاضة النساء

وفي مساء الجمعة، تدفق آلاف المتظاهرين إلى البرلمان البيلاروسي، ما قد يهيئ المشهد لمواجهة جديدة مع شرطة مكافحة الشغب. ومع اشتداد المطالبة بالتغيير، ووصول الاحتجاجات إلى المصانع التي تعد فخر اقتصاد لوكاشينكو، أنهى هذا الحاكم أسبوعه متشبثاً بالسلطة في تحدٍّ لتحالف أوسع للمعارضين لحكمه، لكن منذ البداية كانت هذه انتفاضة استوحتها وقادتها ضده النساء.

بعد اعتقال العديد من المرشحين الرئاسيين أو فرارهم، في الفترة التي سبقت التصويت، دخلت السباق الرئاسي زوجة أحد المرشحين، وهي سفيتلانا تيكانوفسكايا، جنباً إلى جنب مع امرأتين أخريين، وقدم الثلاثي برنامجاً بسيطاً ألهم العديد من البيلاروسيين: انتخابات حرة ونزيهة.

أخطأ لوكاشينكو في قراءة مزاج الدولة التي قادها لمدة 26 عاماً، وسخر من تيكانوفسكايا، واقترح عليها التركيز على طهي العشاء لأطفالها، هذه العبارات الساخرة جعلت الناس يعجبون أكثر بتصميم تيكانوفسكايا. وتقول المرشحة ماريا كوليسنيكوفا، وهي الوحيدة من بين المرشحات الثلاث التي بقيت في بيلاروسيا، في مقابلة وسط مينسك: «تمكنا نحن الثلاثة من تأكيد أننا نتحمل مسؤوليتنا تجاه ما يحدث لمستقبل بيلاروسيا»، وتضيف: «الغرب لن يساعدنا، وروسيا لن تساعدنا أيضاً، يمكننا فقط مساعدة أنفسنا، أصبحت وجوهنا الأنثوية إشارة لجميع النساء - وللرجال أيضاً - إلى أن على كل شخص أن يتحمل المسؤولية».

ردّت السلطات على الاحتجاج ببعض من أفظع أعمال عنف الشرطة في تاريخ أوروبا الحديث، في أمسيتَي الأحد والاثنين انتشر أفراد شرطة مكافحة الشغب في أنحاء مينسك، كما لو كانوا يلعبون لعبة كمبيوتر، ويعتقلون أي شخص يرتدي شرائط الاحتجاج، وأي شخص يهتف، واعتقلوا العديد من المارة العشوائيين.

عنف وحشي

كل من تم اعتقاله تعرض لعنف وحشي، من بين هؤلاء رجل يبلغ من العمر 47 عاماً، كان في طريقه إلى منزله، عندما تم القبض عليه عشوائياً، وتعرض للضرب المطول من قبل الشرطة، وأُجبر على الاستلقاء على وجهه على الأرض. أيضاً هناك الصحافي البالغ من العمر 51 عاماً في مدينة غرودنو، الذي صرخ «أنا صحافي» ولوّح ببطاقته في الهواء، لكنه تعرض للركل في وجهه ليفقد أربع أسنان، ثم تم اعتقاله وتغريمه، أيضاً من بينهم رجل ظهر على شريط فيديو أثناء سحبه بعيداً من قبل شرطة مكافحة الشغب، وهو يصرخ وغير مصدق لما حدث: «لقد صوّت للوكاشينكو!»، وتعرض ما يقرب من 6700 آخرين للاعتقال لأكثر من أربع ليالٍ هذا الأسبوع.

في مشهد يعكس صفحات من رواية للكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين، ينتظر الأقارب في الخارج للحصول على معلومات حول مكان وجود أطفالهم أو أشقائهم أو أزواجهم أو زوجاتهم المفقودين، ظهر طابور طويل ينتظر أمام باب معدني رمادي له فتحة صغيرة تفتح لفترة وجيزة كل ساعات عدة، عندما تنفتح يهرع المنتظرون لتقديم أسماء المفقودين ثم يجلسون.

في النهار، يقوم رجال مسلحون بدوريات على أسطح المنازل، ويبدو أنهم على اتصال بمراقبين يرتدون ملابس مدنية متنكرين مندسين بين حشود الأقارب المرهقين. في الليل يسمع البعض صرخات ألم حزينة من خلف الجدران، ومن حين وآخر كانت سيارات الإسعاف تصل لنقل من أصبحت إصاباته حرجة من شدة الضرب. يصل القضاة في حافلات صغيرة لإجراء محاكمات صورية داخل السجن، حيث قال العديد من المحتجزين إنهم أُجبروا على توقيع أوراق بها معلومات ملفقة حول مكان وزمان وكيفية احتجازهم.

بحلول صباح الأربعاء، تمكنت الشرطة من سحق الاحتجاج بشكل حاسم. وتم توصيل شبكة الإنترنت، التي توقفت بشكل حاسم في جميع أنحاء البلاد بعد التصويت مباشرة، كان ذلك علامة على أن السلطات شعرت بسيطرتها مجدداً على الوضع. الصورة التي رسمتها قنوات التواصل الاجتماعي المعارضة لبلد على وشك ثورة ناجحة، بدت منفصلة عن الواقع تماماً عندما بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها من خلال تلفزيون لوكاشينكو الحكومي.

لكن مع بدء إطلاق سراح السجناء، تشارك الآلاف مقاطع فيديو مصورة لإصاباتهم، والإدلاء بشهاداتهم باشمئزاز على تطبيقات المراسلة، وتغير المزاج مرة أخرى عندما بدأت البلاد تقدير حجم الانتهاكات.

تقول مارينا، الموسيقية البالغة من العمر 28 عاماً، التي شاركت في التظاهرة الأولية للنساء يوم الأربعاء، إنها قبل هذا العام لم تكن مهتمة بالسياسة، بل كانت تعيش حياتها الخاصة بالتوازي مع الدولة القمعية، ومع ذلك شجعتها حملة تيكانوفسكايا، وأحست بالاشمئزاز من رد فعل لوكاشينكو العنيف، «الآن عندما أرى وجهه، لا يمكنني حتى أن أشرح شعوري نحوه، إنه شيء أسوأ من الكراهية، كأن هناك شيئاً أسود بداخلي».

مع تحول الصدمة إلى التنفيس، بدت مينسك يومي الخميس والجمعة أشبه بالكرنفال، حيث سارت مجموعات كبيرة من النساء في الشوارع، وبدأت السيارات في إطلاق أبواقها دعماً للمجموعات المتزايدة من المتظاهرات، وتراجعت شرطة مكافحة الشغب وأطلقت السلطات استراتيجية متأخرة للمصالحة الفاترة.

ربما تكون تيكانوفسكايا خارج البلاد الآن، لكن نداءها بالفيديو يوم الجمعة، الذي دعت فيه إلى الاحتجاجات خلال عطلة نهاية الأسبوع، إلى جانب التصميم المتزايد بين المتظاهرين والعدد المتزايد من المصانع المضربة عن العمل، يشير إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للوكاشينكو.

كان هناك غياب تام لمظاهر التأييد للوكاشينكو، مع عدم وجود أي من مجموعات شبابية تلوح بالأعلام، أو الجدات الغاضبات اللاتي ظل الرؤساء في روسيا وأوكرانيا يحشدونهن خلال السنوات الأخيرة، في محاولات لإظهار عمق دعمهن لمناهضة حركات الاحتجاج. يبدو أن لوكاشينكو يسيطر على القليل باستثناء الشرطة والجيش.

رفضت كوليسنيكوفا، التي بقيت في مينسك على الرغم من سلسلة التهديدات واعتقال العديد من الزملاء، الحديث عن تحول الأمور إلى العنف، «لا أعتقد أنه يجب أن تكون هناك ثورة، الشخص الوحيد الذي يستخدم عبارات مثل الثورة هو الرئيس الحالي»، ومضت قائلة يوم الأربعاء: «كنا نتحدث دائماً فقط عن الأساليب السلمية للاحتجاج».

لكن الأحداث في مينسك كانت تتحرك بسرعة، حيث خرجت الحشود مساء الجمعة في أكبر تظاهرة حتى الآن، قد تكون التظاهرة المقبلة هي الأكبر في تاريخ البلاد، لا أحد يؤمن حقاً باحتمال الحوار مع لوكاشينكو، والاحتمالات الأكثر ترجيحاً هي حملة دموية أو سقوط مفاجئ للنظام.


بعد اعتقال العديد من المرشحين الرئاسيين أو فرارهم، في الفترة التي سبقت التصويت، دخلت السباق الرئاسي زوجة أحد المرشحين، وهي سفيتلانا تيكانوفسكايا، جنباً إلى جنب مع امرأتين أخريين، وقدم الثلاثي برنامجاً بسيطاً ألهم العديد من البيلاروسيين: انتخابات حرة ونزيهة.

في مشهد يعكس صفحات من رواية للكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين، ينتظر الأقارب في الخارج للحصول على معلومات حول مكان وجود أطفالهم أو أشقائهم أو أزواجهم أو زوجاتهم المفقودين.

طباعة