خبير المياه نادر نورالدين: إثيوبيا تتجه إلى بناء 3 سدود جديدة

«النهضة» يؤثر في توليد كهرباء السد العالي بنسبة 25%

صورة

أكد خبير المياه د. نادر نورالدين أن الأخطر في أزمة سد النهضة، هو ورود أنباء عن عزم إثيوبيا بناء ثلاثة سدود جديدة، ما سيدفع المنطقة إلى حافة الهاوية، واعتبر نورالدين إعلان إثيوبيا بدء ملء السد دون اتفاق ممارسةً لمنطق السيادة المطلقة على الموارد المائية، ما يعتبره عالم اليوم نوعاً من الهمجية، وأشار نورالدين إلى قدرة السد العالي على امتصاص المضاعفات السلبية لسد النهضة لمدة خمس سنوات على الأقل، لكنه أقر بتأثيره سلباً في قدرة السد العالي على توليد الكهرباء بنسبة لا تقل عن 25%، وأعرب نورالدين عن تشاؤمه بسير المفاوضات الحالية، داعياً إلى أن يكون لها سقف زمني يصبح بعدها من حق المفاوض المصري أو السوداني العودة إلى مجلس الأمن، أو السعي لتحكيم لجنة المياه في البنك الدولي.

وتفصيلاً، قال خبير المياه، أستاذ الموارد المائية واستصلاح الأراضي في جامعة القاهرة، الدكتور نادر نورالدين، في حوار خاص لـ«الإمارات اليوم» بالقاهرة، إن «مخاطر إنشاء سد النهضة الإثيوبي على مصر والسودان، تتعدى السد الحالي نفسه، وتتجاوزها إلى ورود أنباء عن بناء سلسلة من السدود الأخرى المرتبطة به على الأراضي الإثيوبية، حيث إن حمل الإطماء للنيل الأزرق لا مثيل له في العالم، حيث يبلغ 136 مليون طن من الطمي في العام، وهو أمر ملحوظ انعكس في الصور الملتقطة لبدء الملء الأولي للسد، واتضح فيها لون المياه البني الداكن، وهذا معناه أن كمية الطمي يمكن أن تملأ بحيرة سد النهضة خلال 50 عاماً، إذا لم تبنَ سدود جديدة، كما أن الطمي بهذه الكميات يمكن أن يضعف إنتاج أو توليد الكهرباء من السد بنسبة 25% كل 10 سنوات». وتابع نور الدين ان «هذا الخطر ليس مجرد تصور متخيل، وانما وصل اليها واضعو مشروع السد الاثيوبي، وتم الشروع في بناء 3 سدود فعلا، بل وتم تسميتها وهي» دابا« و»كرودبي« و»بايبيل«، وانه باكمال بناء هذه السدود سيصل اجمالي المياه المحتجزة الى 200 مليار متر مكعب».

التفاوض حول المياه القادمة بالجملة

ونوه نورالدين: «أنه دعا، لهذا السبب، منذ البداية إلى ألا تكون المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا متعلقة بإدارة وتشغيل سد النهضة، وإنما تكون المفاوضات حول المياه القادمة من إثيوبيا بالجملة، وأن تركز على إلزام إثيوبيا بضمان حد من المياه يخرج من أراضيها كل عام، لا يقل عن 40 مليار متر مكعب في الفيضان الغزير والمتوسط، و35 مليار متر مكعب في السنوات العجاف». وتابع نورالدين: «إثيوبيا أخذت مصر والسودان في المفاوضات باتجاه الحديث عن السد وأبعاده وسعة تخزينه، وكلما تطرق المفاوض المصري أو السوداني إلى الحديث عن المياه والحد الأدنى لكميتها الواردة إليهما، رد المفاوض الإثيوبي بأن المفاوضات لا تتعلق بتقسيم المياه أو المحاصصة المائية، متعللاً بأن هذا النقاش يستوجب مشاركة كل دول حوض النيل فيه، وهذه حجة لا معنى لها لأن المفاوضات الجارية متعلقة بالنيل الأزرق، الذي يخص مصر والسودان وإثيوبيا فقط، أما باقي دول حوض النيل فهي شريكة في النيل الأبيض».

دلالات غير طيبة

وقال نورالدين إن «إعلان إثيوبيا بدء ملء سد النهضة دون اتفاق وأثناء المفاوضات حمل ثلاث دلالات غير طيبة: أولها أن إثيوبيا قررت الشروع في الملء دون أن تتبين ما إذا كان فيضان هذا العام من النوع الغزير أم الهزيل، وبالتالي قررت أن ترى الأمر من زاوية مصالحها فقط، وتضرب بعرض الحائط مصالح مصر والسودان، وكان عليها الانتظار حتى أغسطس لترى مستوى الفيضان. وثانيها أن القرار يحمل نية لكسر إرادة مصر والسودان وإصراراً على أن التفاوض سيكون على الهوى الإثيوبي، سواء في الملء الأول للسد، أو في إدارته وتشغيله. وثالثها أن كمية المياه التي كانت مطلوبة لإطلاق البدء صغيرة نسبياً، وهي نحو 9.4 مليارات متر مكعب.

وكان من السهل التوافق حولها. لكن التعالي الإثيوبي اعتبر هذا حصولاً على موافقة مصر والسودان، وليس الاتفاق معهما، فتصرفت إثيوبيا بمنطق السيادة المطلقة، وهذا لم يعد مقبولاً في العلاقات الدولية، فالموارد المائية المشتركة تستدعي في القانون الدولي سيادة مشتركة.

وحول إجمالي حجم المياه المتوقع خصمه من حصة مصر والسودان المائية بسبب سد النهضة، قال نورالدين: «علينا أن نتصور أن الـ75 مليار متر مكعب سعة بحيرة السد الإثيوبي، كانت في الأصل قادمة إلى مصر والسودان، على مدى السنوات الخمس المقبلة، هذه المياه خسارة مصرية سودانية من الرصيد المائي، كان يمكن تخزينها في السدود السودانية مثل الرصيرص، وسنار، ومروي، أو في السد العالي بمصر، ومصرياً ستترجم نتائجها إلى انخفاض رصيد مخزون مصر في السد العالي، بنحو 40 مليار متر مكعب، خلال الخمس سنوات المقبلة».

تبخر المياه

واستطرد نورالدين: «كذلك بعد انتهاء الملء الأول، وبداية التدفقات الثابتة من النيل الأزرق، هناك خصم آخر. فالمياه يحدث لها تبخر، إذ إن منطقة بني شنقول المقام عليها السد هي من أكثر مناطق إفريقيا ارتفاعاً في درجة الحرارة، حيث إن منسوبها نحو 560 متراً فوق سطح البحر، بينما في المقابل يبلغ منسوب ارتفاع أديس أبابا 1820 متراً، فالتبخير هناك عالٍ جداً، وقد قدرناه بنحو خمسة مليارات متر مكعب. كما أنه في بداية أول 10 سنوات ستؤدي الشقوق في قاع البحيرة إلى رشح عميق يقدر بخمسة مليارات متر مكعب، وأثناء نزول المياه من أعلى وتشكيل ضغط مائي على التوربينات، لتدويرها وتشغيل الكهرباء، سيفقد النثر باعتراف إثيوبيا مليارَيْ متر مكعب. وعليه من المتوقع أن يحدث نقص دائم في حصتي مصر والسودان، يراوح بين سبعة و12 مليار متر مكعب، يخصم مناصفة بين مصر والسودان، طبقاً لاتفاقية 1959.

هذه الخسارة ربما يمكن تعويضها في سنوات الفيضان الغزير، لكن لا ننسى أن سعة بحيرة السد الإثيوبي البالغة 75 مليار متر مكعب قد تلتهم كل مياه الفيضانات، فيصبح على مصر والسودان تحمل سنوات الجفاف، حيث لن يصل إليهما سوى 32 مليار متر مكعب من متوسط 49 مليار متر مكعب، دون الاستفادة في المقابل من سنوات الغزارة.

وتابع نورالدين «قائمة الأضرار الأخرى التي يحملها سد النهضة لمصر والسودان ممتدة، منها تمليح مساحات شاسعة من الأراضي، وخسران كميات هائلة من الطمي، وخسارة في الثروة السمكية، والقضاء على التنوع الحيوي، والتسبب في اختفاء حيوانات نهرية».

وحول إمكانية احتواء السد العالي للأضرار المتوقعة لسد النهضة، قال نورالدين: «لو كانت بحيرة السد العالي مليئة في سنوات الفيضان الغزير، فإن سعة تخزينها ستبلغ 162 مليار متر مكعب، والعمق الحي فيها 95 مليار متر مكعب، سيتم خصم 75 مليار متر مكعب منها أثناء الملء الأول، وبالتالي ستخسر (أي بحيرة السد العالي) نحو 50 مليار متر مكعب من رصيدها، وهذا سيؤدي إلى انخفاض توليد الكهرباء للسد العالي، باعتراف الجانب الإثيوبي، من 20 إلى 30%.

واستطرد. نورالدين: «رغم أن السنوات الأخيرة شهدت فيضانات مرتفعة، ورغم أننا استطعنا صنع رصيد مطمئن، فإن نقص 50 مليار متر مكعب من المياه، سيؤثر في المخزون المستقبلي للسد العالي، لأن السد تم بناؤه من أجل (التخزين القرني)، أي توفير المياه في المواسم الغزيرة للاستفادة منها في سنوات الجفاف، وهذا القدر من المياه ليس بالأمر الهين فهو يقارب نصيب مصر المائي من النيل لمدة عام، وثلاثة أضعاف نصيب السودان للفترة ذاتها، ولتلافي ذلك كان علينا أن نتمسك بمطلب إطالة فترة تخزين الملء الأول إلى ما بين 7 إلى 10 سنوات».

ويختم نورالدين هذه النقطة بالقول: «على أي حال إن السد العالي سيؤمن ويطمئن مصر ولا يجعلها تشعر بنقصان المياه لمدة خمس سنوات بعد إطلاق السد الإثيوبي، وبعدها سيتوقف الأمر على المياه الواردة من إثيوبيا، ومدى غزارتها أو ضحالتها».

وحول ما يتردد عن احتمالية اضطرار مصر لشراء مياه من إثيوبيا أو دول إفريقية لتعويض العجز المائي، قال نورالدين «علينا أن ندرك أننا أمام منبعين مستقلين للنيل، أحدهما قادم من إثيوبيا، النيل الأزرق وعطبرة والسوباط، والآخر القادم من المناطق الاستوائية وهو النيل الأبيض. وبالنسبة للأخير لا يسهم بأكثر من 15% من مياه النيل، أي نحو 12 إلى 13 مليار متر مكعب، وهي نسبة لا تمثل شيئاً يذكر لمصر أو السودان (أي قرابة مليار متر مكعب في الشهر)، وهو يكفي الدول المتشاطئة عليه ذاتياً، ولا يفيض، فحتى لو طالبت هذه الدول بإعادة التقاسم أو ما شابه من الدعوات الإثيوبية، منذ عنتيبي فلن يؤثر بدرجة تذكر في مصر أو السودان.

أما بالنسبة لإثيوبيا، فإنها تخزن المياه لتولد كهرباء وتبيعها وليس من أجل أن تبيع المياه، فالكهرباء أغلى من المياه. علاوة على هذا فإنها لا تستطيع أن تفاوضنا على بيع المياه، ولو فعلت فإن على الاتحاد الأوروبي والعالم مواجهة ذلك، وإلا لأعطت هذه السابقة دول المنابع فرصة لابتزاز دول المصب، والاستيلاء على أموالها ومواردها، وهي سابقة لم ولا يقرها القانون الدولي ولو حدثت ستفجر مشكلات حول 168 نهراً عابراً للحدود في العالم، وستغير منطق أن الماء هو منحة إلهية للحياة عابرة للحدود، مثل الهواء، تسير بين الناس، وليس ثروة مخصصة في منطقة مثل النفط والمعادن.


تصاعد العجز

وأقر نورالدين بتصاعد العجز المائي المصري ووصوله إلى 42 مليار متر مكعب في العام، وإلى تدني مستوى الفرد المائي إلى ما يقارب 550 متراً مكعباً في العام، وهو ما يلامس حد الفقر المائي، وقال إن «الحل هو تبني بدائل مثل تحلية مياه البحر، أو بحث مشروع نهر الكونغو أو ما شابه، لكنه بالتأكيد ليس شراء حصصنا المائية التاريخية».

وتابع نورالدين بأنه «متشائم بشأن مستقبل المفاوضات الجارية حول سد النهضة للأسباب السالف ذكرها، وللسلوك الإثيوبي في التفاوض، والذي كان يستوجب توجيه لوم له من قبل الاتحاد الإفريقي، ويستوجب أيضاً دعوته للاعتذار عن إعلان خطوات أحادية، ولتقديم الاعتذار لمصر والسودان».

وأشار نورالدين إلى أنه «كان ضرورياً على مصر والسودان تنسيق استراتيجية تفاوضية موحدة منذ البداية، لأن إثيوبيا استغلت التناقضات بينهما، لكن الرئيس المخلوع عمر البشير وأيديولوجيته (الإخوانية) حالا دون ذلك في السابق، وهو أمر يمكن تداركه بعد التغير السياسي الجاري حالياً في السودان، وبعد تبين الخرطوم مع الوقت مزيداً من الأضرار التي يحملها لها السد».

وشدد نورالدين على أن المفاوضات يجب أن يكون لها سقف زمني، خصوصاً في ظل مط المفاوض الإثيوبي الجولات التفاوضية لأكثر من تسع سنوات، كما شدد على ضرورة التلويح بورقة العودة إلى مجلس الأمن، أو محكمة لاهاي، أو لجنة خبراء السدود في البنك الدولي كجهة تحكيم بديلة، حال عدم التوصل لحل تحت السقف الإفريقي.


السودان يطلب تأجيل مفاوضات السد للتشاور

طلبت وزارة الري السودانية تأجيل المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي، بين الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، بعد استئنافها قبل أيام، لمدة أسبوع لإجراء مشاورات داخلية.

وقالت الوزارة، في بيان: «استؤنفت المفاوضات الخاصة بملء تشغيل سد النهضة، بدعوة من الاتحاد الإفريقي، وبحضور الخبراء والمراقبين».

وأضاف البيان: «طلب الوفد السوداني في بداية الجلسة تأجيل المفاوضات لمدة أسبوع، لمواصلة المشاورات الداخلية التي يجريها الفريق المفاوض».

وكان السودان قد تلقى، الأسبوع الماضي، اقتراحاً إثيوبياً، مفاده ربط اتّفاق تشغيل سدّ النهضة باتفاق شامل بشأن تقاسم مياه النيل الأزرق.

وأوضح بيان وزارة الري أن طلب تأجيل المفاوضات يرتبط بـ«التطورات التي شهدتها المفاوضات، في الآونة الأخيرة».

السد العالي سيؤمن ويطمئن مصر، ولا يجعلها تشعر بنقصان المياه لمدة خمس سنوات بعد إطلاق السد الإثيوبي، وبعدها سيتوقف الأمر على المياه الواردة من إثيوبيا، ومدى غزارتها أو ضحالتها.

كان ضرورياً على مصر والسودان تنسيق استراتيجية تفاوضية موحدة منذ البداية، لأن إثيوبيا استغلت التناقضات بينهما، لكن الرئيس المخلوع عمر البشير وأيديولوجيته «الإخوانية» حالا دون ذلك في السابق، وهو أمر يمكن تداركه بعد التغير السياسي الذي شهده السودان، وبعد تبين الخرطوم مع الوقت مزيداً من الأضرار التي يحملها لها السد.

طباعة