الاتحاد الأوروبي يصنع تاريخا جديدا لأعضائه بعد خطة الانعاش الاقتصادي

نعم إنها أطول قمة للاتحاد الأوروبي والتي يمكن وصفها بالتاريخية. لقد أصبح الاتحاد الأوروبي حاليا عبارة عن دولة، تضم داخلها 27 دولة تشكل في مجملها الاتحاد. ويمكننا القول إن الاتحاد الأوروبي أصبح الان 28 دولة وهي 27  دولة، إضافة الى الدولة التي تضم الدول 27. والأمر الغريب ان الذي يسمح لنا بالاعتراف بأوروبا باعتبارها دولة واحدة، هي حقيقة أن الاتحاد سيصدر سندات عن الخزينة لتمويل جزء من ميزانية جديدة، تسمى "خطة الإنعاش" بمبلغ اجمالي يصل الى 750 مليار دولار.

ياتي هذا التطور التاريخي المتمثل في اصدار الدين الأوروبي تماشيا مع المطالب الاجتماعية، ويتوافق مع إشارات ماثلة في الوجود منذ سنوات عدة. وعلى الرغم من أن السلطة الأوروبية وقادتها هم موضوع انعدام الثقة، كما كان حال السلطات الوطنية وقادتها دائما خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، إلا أن الاحصائيات الكثيرة التي أجريت في الاتحاد الأوروبي، تشير إلى أن الأوروبيين يريدون حلا أوروبيا للتحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تهددنا. وفي الوقت الذي يكون فيه اليورو موضوع النقاش الدائم والمشروع، يبدو الأوروبيون الان متعلقين على نحو خاص بعملتهم المشتركة، ففي خلال 20 عاما، كسب اليورو ثقة المواطنين والمستثمرين صغارا وكبارا، كما أنه رسخ مكانته باعتباره ثاني أكبر احتياط للعملة في العالم. 

وفي الواقع، فإن خطط الانعاش الوطنية التي تبنتها اوروبا ردا على جائحة كورنا، والتي وصلت فيها المبالغ الضخمة الى نحو 2.3 تريليون يورو تصبح ممكنة فقط بضمانات البنك المركزي الأوروبي ومصداقيته في شتى أنحاء العالم. 

ويأتي ظهور الدولة الأوروبية كجزء من تطور الدولة في أوروبا. وهذا تاريخ غالبا ما يتم اختزاله في ظهور الدولة الامة في أوروبا، إثر قيام الثورة الفرنسية. ولكن هذه القصة تمتد لأكثر من عشرة قرون. وهي تتضمن العديد من أشكال الدولة و الدول الجماعية وكل منها تتميز بهويتها، وتفردها واختلافاتها. وعلى سبيل المثال: الإمبراطورية الرومانية المقدسة، و جمهورية فينيسيا ومملكة ليثوانيا وبولونيا، والبرتغال، او الأقاليم المتحدة.

والاتحاد الأوروبي الفتي يمكن وصفه باعتباره "دولة الباروك" وهي الحركة الفنية الأوروبية العظيمة، التي كانت تعارض الحركة الكلاسيكية من خلال التحايل على القواعد، وتخريب الأشكال، وخلط الأنواع، واللجوء إلى الاستثناء. وهذه هي الحال لدى الاتحاد الأوربي الذي نجا من التصنيف التقليدي للأنظمة السياسية، باعتباره كيانات دولة إقليمية، وهو مميز من خلال تفرده الغريب. 

ومن خلال الاستناد إلى ثقافات الدول الموروثة من تاريخها الطويل وجغرافيتها السياسية المجزأة يبتكر الأوروبيون المعاصرون "السيادة المشتركة" وهذه التشاركية او التبادلية للسيادة تتسم بالديمقراطية لأنها مدروسة وتطوعية وتم التوصل اليها عبر التفاوض، مقارنة بالإمبراطوريات وحالات الاحتلال والفتح التي قام بها الملوك عبر القرون الغابرة. والاوروبيون لم يشكلوا دولة، وانما مجتمعا خلال العقود القليلة الماضية، وهم يعملون من أجل بناء دولة تتفق مع فكرة التعددية والجماعية غير المسبوقة والتي تتطلع للمستقبل.   

ومن هذا المنطلق فان الأيام والليالي الأربعة من النقاش والتفاوض تعتبر تجليات لحكومات دول الاتحاد، بانها أصبحت ناضجة ومتحضرة الى حد كبير من أجل صنع الدولة الأوروبية.
 

طباعة