استراتيجية أميركية إسرائيلية مشتركة لتوجيه ضربات قصيرة وموجعة

تفجير منشأة نطنز النووية الإيرانية استغرق جهداً وتخطيطاً مستفيضين

صورة

يعتبر تفجير المنشأة النووية الإيرانية في نطانز عملاً استراتيجياً استغرق التخطيط له وقتاً وجهداً طويلين، ويعتقد محللون أن استراتيجية أميركية إسرائيلية مشتركة ظلت تتطور في الخفاء، خلافاً لما كان يعتقده البعض، ما قد يقود بالتالي في المستقبل لاعتماد سلسلة من الضربات السرية القصيرة الموجعة.

وبدأ الصراع المستمر، منذ فترة طويلة، بين الولايات المتحدة وطهران يتصاعد إلى مرحلة خطرة، والتي يحتمل أن تتصاعد خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية، في الوقت الذي أصبح مركز أجهزة الطرد المركزي النووي الإيراني أنقاضاً متفحمة بعد الانفجار الذي أصابه، ربما بمساعدة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد).

وتظهر أحدث صور أقمار اصطناعية أن المنشأة المنكوبة في نطنز قد لحقت بها أضرار أكبر بكثير مما كان يُعتقد الأسبوع الماضي. ويؤكد مسؤولان في المخابرات، أن الأمر قد يستغرق من الإيرانيين ما يصل إلى عامين لإعادة برنامجهم النووي إلى المكان الذي كان عليه قبل الانفجار مباشرة. وتقدّر دراسة موثوقة أنه قد يستغرق عاماً أو أكثر لكي تتعافى القدرة الإنتاجية لأجهزة الطرد المركزي الإيرانية.

وعلى الرغم من أن إيران لم تسهب في الحديث عن الانفجارات التي حدثت، إلا أن مسؤولين غربيين يتوقعون نوعاً من الانتقام من جانب إيران، ربما ضد القوات الأميركية أو الحلفاء في العراق، وربما تجديد للهجمات الإلكترونية. وكانت الهجمات الإيرانية استهدفت في الماضي مؤسسات مالية أميركية، وكازينو لاس فيغاس الرئيس، وسداً في ضواحي نيويورك، وفي الآونة الأخيرة نظام إمدادات المياه في إسرائيل، الذي تعتبره حكومتها «البنية التحتية الحيوية».

اصطياد الجنرالات

وقارن مسؤولون مطّلعون الانفجار في نطنز بالهجوم الإلكتروني المعقد «ستنكس نيت» الذي استهدف المنشآت النووية الإيرانية قبل عقد من الزمان، والذي تم التخطيط له منذ أكثر من عام. وتتمثل النظرية الأساسية في انفجار نطنز في زرع عبوة ناسفة، ربما بالقرب من خط ناقل للغاز، في هذه المنشأة التي تخضع لحراسة مشددة. إلا أن بعض الخبراء طرحوا أيضاً احتمال هجوم إلكتروني لإشعال إمدادات الغاز.

ويقول البعض إن هناك استراتيجية أميركية إسرائيلية مشتركة تهدف لاصطياد أبرز جنرالات الحرس الثوري الإيراني، وتدمير المنشآت النووية الإيرانية.

ولعل أقرب وصف لضعف استراتيجية الإدارة الأميركية في مواجهة إيران في عهد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، جاءت الشهر الماضي على لسان مبعوث وزارة الخارجية الأميركية الخاص بإيران، بريان هوك، الذي علق على ذلك بقوله: «لقد رأينا تاريخياً أن الخوف والضعف الأميركيين يشجعان على مزيد من العدوان الإيراني».

قد تتعلق المواجهة التالية بين إيران وأميركا بأربع ناقلات، هي الآن في طريقها إلى فنزويلا، حيث ترفض الولايات المتحدة السماح لها بتفريغ حمولتها من النفط الإيراني، وتعتبره انتهاكاً للعقوبات الأميركية على هذه الدولة اللاتينية.

نهج محفوف بالمخاطر

ويحذّر محللون من أن النهج الناشئ الذي تتبعه أميركا وإسرائيل للقضاء على البرنامج النووي الإيراني محفوف بالمخاطر، لأنه قد يعمل على المدى الطويل إلى حد كبير على دفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من السرية، ما يجعل من الصعب اكتشافه.

لكن على المدى القصير، يراهن المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون على أن هذا النهج سيحد من هجمات إيران على هاتين الدولتين، كما فعلت بعد أن قتلت طائرة بدون طيار أميركية في يناير قائد فيلق القدس الإيراني، الجنرال قاسم سليماني.

ففي الوقت الذي عبّر فيه بعض المسؤولين الأميركيين عن مخاوفهم من أن مقتل الجنرال سليماني سيقود إيران إلى شن حرب ضد الولايات المتحدة، طمأنتهم مديرة الاستخبارات الأميركية، جينا هاسبل، بأن الإيرانيين سيلجأون لهجمات صاروخية محدودة ضد أهداف أميركية في العراق، واتضح في ما بعد صحة اعتقادها.

بالإضافة إلى ذلك، يقول بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، ومحللي الأمن الدولي، إن إيران قد تعتقد أن الرئيس ترامب سيخسر انتخابات نوفمبر، وإن منافسه الديمقراطي المفترض جو بايدن سيرغب في إحياء شكل ما من أشكال التفاوض، مثل التسوية التي توصلت إليها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما مع طهران قبل خمس سنوات بشأن البرنامج النووي. ويتساءل الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كريم سادجادبور «لماذا تلجأ إيران لمواجهة إدارة لم يتبقَّ لها ربما سوى بضعة أشهر؟».

لكن على المدى القصير، أشار كريم إلى أن الهجوم الجديد وضع إيران تحت «ضغوط داخلية وخارجية شديدة»، في الوقت الذي يستمر فيه الضغط على صادراتها النفطية ومساعيها لإحياء برنامجها النووي، انتقاماً من قرار ترامب في مايو 2018 الانسحاب من اتفاق 2015 النووي.

ويتساءل كريم «من الناحية الجغرافية نجد أن إيران أكبر في الحجم من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة مجتمعة، إلا أن برامج هذه الدول لم تتعرض للكشف أو التخريب، فهل هناك منشقون أو عملاء داخل النظام الإيراني؟».

يبدو أن الأمر كذلك، فقد حصل «الموساد» على مساعدة داخلية عندما سطا على مستودع في طهران في يناير 2018، وسرق عشرات الآلاف من وثائق خطط الأسلحة النووية، التي يعود تاريخها إلى ما يقرب من عقدين. وربما كان مقتل سليماني، العقل المدبر لأعمال إيران في العراق والهجمات على الأميركيين قد استندت أيضاً إلى معلومات استخبارية، معظمها قدّمها عملاء أحياء.

وقع انفجار نطنز داخل مركز تجميع أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، حيث كانت البلاد تصنع أجهزتها الأكثر تقدماً، والمصممة لإنتاج وقود نووي أكبر وأسرع بكثير من الآلات القديمة المستخدمة في معظم منشآتها، والتي فككتها بموجب اتفاقية عام 2015.

وفي حين تم السماح بإجراء تفتيش على هذه الآلات بموجب الاتفاقية، لم يكن من الممكن تركيبها لسنوات، وكانت مساعي إيران لإنتاجها بكميات كبيرة، جهداً طموحاً لإظهار أنها يمكن أن تتحدى ترامب الذي رفض الاتفاق النووي.

وخلصت دراسة أجراها معهد العلوم والأمن الدولي، نشرت يوم الأربعاء، إلى أنه على الرغم من أن الانفجار «لم يقضِ على قدرة إيران على نشر أجهزة طرد مركزي متطورة»، إلا أنه كان «انتكاسة كبيرة» ستكلف إيران سنوات من الجهود.

ورفض وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي يتحين الفرص دائماً للتنديد بالحكومة الإيرانية، مرتين يوم الأربعاء مناقشة الانفجار في مؤتمر صحافي. لكن ليس سراً أن بومبيو، الذي عمل أول مدير للاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في عهد ترامب، طور علاقة وثيقة مع مدير «الموساد»، يوسي كوهين، وكثيراً ما يتحادث الرجلان، ما يجعل من الصعب تصديق أن بومبيو ليس لديه فكرة عما جرى، إذا كانت بالفعل عملية إسرائيلية.

تمديد الولاية

وقبل فترة قصيرة من وقوع الانفجار، مدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ولاية كوهين لستة أشهر أخرى، حيث فسرها كثيرون على أنها علامة على أمور تجرى في الخفاء، حيث إن كوهين يعتبر من الخبراء في العمليات ضد إيران، فقد كان لاعباً رئيساً في سلسلة الهجمات السيبرانية المتطورة المعروفة باسم «الألعاب الأولمبية»، والتي أدت الى تعطيل ما يقرب من 1000 جهاز طرد مركزي، كانت تعمل في نطنز قبل عقد من الزمان، بالقرب من موقع الانفجار الذي حدث الأسبوع الماضي. وكرئيس لـ«الموساد»، وجّه كوهين بالاستيلاء على الأرشيف النووي السري الإيراني.

قبل عقد من الزمن أيضاً سلمت إدارة الرئيس السابق، جورج دبليو بوش، العمليات الإلكترونية لإدارة خلفه الرئيس، باراك أوباما، كجزء من جهد سري واسع لشل برنامج إيران النووي. وفي الوقت نفسه، كان الإسرائيليون يقتلون العلماء الإيرانيين، ولم يكن الهدف هو إبطاء البرنامج فحسب، بل أيضاً استعداء الإيرانيين ضد بعضهم بعضاً، وجعلهم يشتبهون باستمرار في وجود جواسيس بينهم، ولكن هذه المرة، هناك العديد من العناصر الجديدة.

أما ترامب فهو لاعب لا يمكن توقع ما يقدم عليه، فكثيراً ما هدد إيران، وكثيراً ما انسحب من ضربها. كما أن القادة الإيرانيين الذين تفاوضوا على الاتفاق النووي لعام 2015 مع الرئيس أوباما، وجدوا أنفسهم في موقف حرج في طهران، حيث تعرضوا للهجوم بسبب تقديمهم الكثير من التنازل ليكتشفوا أن واشنطن تعيد فرض عقوبات على بلادهم.

وفي البيت الأبيض، يبدو أن كبار مستشاري الأمن القومي لترامب لا يستطيعون التفكير في وقت وكيفية مواجهة إيران. وكان القادة العسكريون، بمن فيهم وزير الدفاع مارك إسبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، قلقين من التصعيد العسكري الحاد، محذرين من أنه قد يزيد من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، في الوقت الذي يسعى فيه ترامب لتقليص عدد القوات الأميركية في المنطقة.

ويشير مسؤولو البنتاغون بقلق لنقطتين محتملتين على الأقل، يمكن أن تجر القوات الأميركية إلى صدام عسكري مع إيران أو وكلائها في المنطقة.

قرصنة

إحدى تلك النقاط تتمثل في ناقلات النفط سالفة الذكر، حيث أعلنت كل من وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي، الأسبوع الماضي، أنهما استخدما قانون مكافحة الإرهاب، للحصول على مذكرة لضبط النفط الإيراني على متن الناقلات الأربع المتجهة إلى فنزويلا، لانتهاكها العقوبات الأميركية. وخلص المحققون إلى أن شحنة الوقود على متن السفن المملوكة لليونان تتبع للحرس الثوري الإيراني، الذي صنفته إدارة ترامب العام الماضي كمنظمة إرهابية.

وقال مسؤولو الإدارة، هذا الأسبوع، إن وزارات الخارجية والعدل والخزانة كانت تسعى للعمل مع الحكومة اليونانية لوقف الشحنات وتفريغ الوقود، وأعلنت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على الفور، أن أي ضبط من هذا القبيل سيكون بمثابة «قرصنة».

ويعتقد أن اثنتين من هذه السفن في بحر إيجة، لكن مسؤولاً عسكرياً أميركياً قال إن الاثنتين الأخريين موجودتان في خليج عمان، قبالة ساحل إيران، ويخضعان لرقابة صارمة. ويشعر بعض المسؤولين الأميركيين بالقلق من أنه إذا امتثلت الناقلتان لأمر المحكمة الأميركية بالتخلي عن الوقود، فإن القوات البحرية الإيرانية يمكن أن تنقل الشحنات إلى سفينة أخرى. وليس من الواضح تماماً ما ستفعله السفن الحربية التابعة للولايات المتحدة في المنطقة إذا حدث ذلك.

النقطة الملتهبة الأخرى التي يمكن أن تجر إيران وأميركا للمواجهة تتمثل في ما يحدث في العراق، حيث يُعتقد أن الميليشيات المدعومة من إيران مسؤولة عن سلسلة متزايدة من الهجمات الصاروخية على السفارة الأميركية في بغداد، وعلى القوات الأميركية وقوات التحالف بالقرب من مطار بغداد الدولي.

وقال قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي، الجنرال كينيث ماكينزي جونيور، الشهر الماضي: «نشهد بداية تصاعد في الهجمات الصاروخية غير المبررة على القواعد العراقية التي تستضيف القوات الأميركية في العراق». وفي الوقت الحالي، كانت الهجمات الصاروخية الأخيرة أكثر إزعاجاً.


• يحذّر محللون من أن النهج الناشئ الذي تتبعه أميركا وإسرائيل للقضاء على البرنامج النووي الإيراني محفوف بالمخاطر، لأنه قد يعمل على المدى الطويل، على دفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من السرية، ما يجعل من الصعب اكتشافه.

• رفض وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي يتحين الفرص دائماً للتنديد بالحكومة الإيرانية، مرتين، يوم الأربعاء الماضي، مناقشة الانفجار في مؤتمر صحافي. لكن ليس سراً أن بومبيو، الذي عمل أول مدير للاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في عهد ترامب، طوّر علاقة وثيقة مع مدير «الموساد»، يوسي كوهين، وكثيراً ما يتحادث الرجلان، ما يجعل من الصعب تصديق أن بومبيو ليس لديه فكرة عما جرى، إذا كانت بالفعل عملية إسرائيلية.

• تُظهر أحدث صور أقمار اصطناعية أن المنشأة المنكوبة في نطنز قد لحقت بها أضرار أكبر بكثير ممّا كان يُعتقد الأسبوع الماضي. ويؤكد مسؤولان في المخابرات، أن الأمر قد يستغرق من الإيرانيين ما يصل إلى عامين لإعادة برنامجهم النووي إلى المكان الذي كان عليه قبل الانفجار مباشرة. وتقدّر دراسة موثوقة أنه قد يستغرق عاماً أو أكثر لكي تتعافى القدرة الإنتاجية لأجهزة الطرد المركزي الإيرانية.

ديفيد سانغر، إريك شميدت، رون بيرغمان - ديفيد سانغر محرر أمن قومي، إريك شميدت صحافي يغطي الأعمال الإرهابية، رون بيرغمان كاتب بمجلة «نيويورك تايمز» بتل أبيب.

طباعة