بعد أن فشلت في تحذير زوّار المنطقة «صفر»

أسر ضحايا «كوفيد-19» تقاضي الحكومة النمساوية لتحقيق العدالة

صورة

ساعد سوء الإدارة في المنتجع النمساوي بمنطقة إيشغل على تفشي الفيروس التاجي وسط زوّار المنتجع، والذي عرف في ما بعد بالمنطقة «صفر» لتفشي الوباء في جميع أنحاء أوروبا، والآن يسعى أقارب ضحايا المنتجع لتحقيق العدالة لذويهم.

كان معظم المصطافين في المنتجع حتى 13 مارس، من الألمان والهولنديين والإسكندنافيين. ثم جاء ذلك اليوم الذي بدا فيه الآلاف من المصطافين يفرون من وادي بازناون الموبوء بالفيروس التاجي. ومنذ ذلك الحين، صارت بلدة إيشغل الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها 1600 نسمة، المنطقة صفر لانتشار «كورونا»، والتي سمحت في ما بعد للفيروس بالانتشار، أولاً بين الزوّار الموجودين في المنتجع، ثم إلى ألمانيا وخارجها عندما حمل الزوّار معهم الوباء إلى هناك.

ووفقاً لبحث أجرته محطة البث النمساوية «أو آر إف»، فإن أكثر من 11 ألفاً من مواطني الاتحاد الأوروبي فقط أصيبوا بالفيروس في النمسا، معظمهم في منطقة إيشغل ومنتجعات التزلج المحيطة بها. وهذا لا يشمل أولئك الذين أصيبوا بالعدوى من الأشخاص العائدين من إيشغل. واكتشف علماء الفيروسات في جامعة إنسبروك الطبية لاحقاً، أن أكثر من 42% من سكان إيشغل يحملون أجساماً مضادة للفيروسات التاجية. وبدأ بعض السكان في ملاحظة الأعراض عليهم في أواخر فبراير.

دعاوى

من المرجح أن ما لا يقل عن 27 شخصاً، معظمهم من الألمان، دفعوا حياتهم ثمناً مقابل قضائهم وقتاً طيباً في منتجع إيشغل. من بين هؤلاء توماس هنكل، من مدينة بوخوم بغرب ألمانيا، الذي لم يكن لديه أي فكرة عن إصابته بالفيروس عندما غادر إيشغل، ولم يعش سوى تسعة أيام بعد مغادرته البلدة. وهناك أيضاً رودي ليمبيك من مدينة بولهايم، في منطقة راينلاند الألمانية، الذي انتهى به المطاف في غرفة الطوارئ، على الرغم من أن اختبار «كورونا» الذي أجري له كان سلبياً.

ويطالب ذوو الضحايا الآن بإلقاء الضوء على ما حدث في فبراير ومارس، وعدم اتخاذ تدابير مشددة للحيلولة دون ما حدث. ولاتزال التهم الجنائية الموجهة ضد من تسببوا في العدوى تقبع في مكتب المدعي العام في إنسبروك، وكذلك في مكتب المدعي العام في فيينا، في انتظار اتخاذ قرار في هذا الشأن، وهي تهم موجهة إلى سياسيين نمساويين وأصحاب فنادق وشركات تلفريك. وستتبعها دعاوى مدنية في الخريف على أبعد تقدير.

والسؤال هو من يتحمل المسؤولية في السماح للفيروس بالانتشار دون رادع لأيام عدة في وادي بازناون؟ ولماذا مضى الكثير من الوقت الى أن تم اكتشاف ذلك؟ وهل الاستمرار في تنظيم الحفلات في المنتجع لمدة 10 أيام بعد الإنذارات الأولى من انتشار الوباء، كان بسبب الغباء أم الجشع؟ الإجابات عن هذه الأسئلة توجد في إيشغل، وإنسبروك، وفيينا، ولدى رؤساء البلديات المحليين وأصحاب الحانات، وحكومة مقاطعة تيرول ومستشار جمهورية النمسا.

محنة آل هنكل

في 12 مارس، بعد الساعة التاسعة صباحاً بقليل، جلست دوريس هنكل في مكتبها وكتبت رسالة على «واتس أب» لزوجها، الذي عاد من النمسا، تقول «مرحباً عزيزي، هل تمكنت من اكتشاف أي شيء حتى الآن؟»، كانت تقصد الأوجاع التي يعانيها، فقد عاد توماس هنكل من رحلته للتزلج في النمسا الليلة السابقة، وكان يشعر بالضعف والوهن، واعتقد أن ذلك ربما كان بسبب الرحلة الطويلة، بالنظر إلى أن المنتجع يقع على بعد ثماني ساعات من بوخوم. لم يكن هنكل يعاني السعال، على الرغم من أنه يعاني الحمى: 39.8 درجة مئوية، والإسهال. عزل نفسه في حجرة بالمنزل واتصل بقسم الصحة في بوخوم، وطلب اختبار الفيروس التاجي. ورد على زوجته: «قالوا إنني يجب أن أنتظر، لا يعتقدون أنه (كورونا)». لم يُمنح هنكل موعداً للاختبار إلا بعد يومين، وبحلول ذلك الوقت، أعلنت هيئة الصحة العامة في ألمانيا، بأن إيشغل منطقة عالية الخطورة. حصل هنكل على موعد لإجراء مسح للحنجرة في غضون أسبوع تقريباً. ولكن بحلول ذلك الوقت، تفاقم وضع هنكل.

في 17 مارس، ظهر المسعفون في ملابس واقية وحملوا هنكل في سيارة إسعاف. لم يُسمح لزوجته بمرافقته إلى المستشفى في برجمانشيل. كانت هذه هي المرة الأخيرة التي تراه فيها على قيد الحياة. بعد ثلاثة أيام، توفي توماس هنكل بسبب فشل متعدد في الأعضاء.

توفي توماس هنكل، مطور برامج، عن عمر يناهز 54 عاماً. ومات لأن السلطات في قرية التزلج رأت أن الفيروس التاجي لا يسبب مشكلة كبيرة، على الرغم من حقيقة أن هنكل قبل أربعة أيام من أعداد زلاجاته، وأغراضه في سيارته، مع اثنين من زملائه الآخرين، كانت التحذيرات الأولية بشأن المصطافين الآيسلنديين المصابين في إيشغل قد تسربت بالفعل. ولكن هذه التحذيرات لم يتم اعتبارها بشكل جدي إلى حد كبير.

ولو تم التعامل مع الخطر الذي يلوح في الأفق بشكل جدي في إيشغل وإنسبروك وفيينا، أو في بوخوم وبرلين، لربما كان هينكل على قيد الحياة في الوقت الراهن. كان لديه فقط ضغط دم مرتفع لكنه تحت السيطرة، وكان يمكنه أن يستمر في رعاية عائلته، ولكن بعد وفاته ظلت زوجته وابنه يكافحان من أجل دفع إيجار منزل العائلة. انضمت دوريس هنكل لمبادرة نمساوية لرفع دعوى قضائية جماعية. تريد التحقيق مع المسؤولين عن وفاة زوجها، وكما قال ابنها، ليونارد «موت أبي لا يمكن أن يصير هباء».

ضحايا من 5 قارات

تم الآن رفع هذه الدعوى في فيينا، في مكتب المحامي بيتر كولبا، وهو إضافة إلى كونه محامياً يترأس جمعية حماية المستهلك المستقلة، يعتبر متخصصاً في الدعاوى القضائية الجماعية. يحتوي جهاز الكمبيوتر الخاص به على قصص أشخاص جاؤوا من جميع أنحاء العالم الى إيشغل وعادوا إلى ديارهم. وتشمل قائمة الضحايا المسجلين لديه 6151 رجلاً وامرأة من خمس قارات. أصيب أكثر من 3200 منهم مباشرة في إيشغل أو من خلال الاتصال بشخص كان هناك، ويبدو أن ثلثي الضحايا من ألمانيا.

ووفقاً للفقرة 51 من قانون مكافحة الأوبئة في النمسا، فإن الحكومة النمساوية مسؤولة عن مكافحة الأمراض المبلغ عنها. وفي حالة إيشغل، فإن ذلك يعني أن وزارة الصحة في فيينا كان يمكن أن تأمر بإغلاق جميع مناطق التزلج والفنادق والحانات بعد أن علمت بوصول الفيروس التاجي إلى وادي بازناون، والذي استقبل ما يقرب 11 ألف مصطاف في بداية شهر مارس.

تلقت السلطات التحذير الأول بشأن شخص مصاب من آيسلندا عاد إلى الفندق في تيرول، وعلمت إيشغل بهذه الحالة في يوم 3 مارس الساعة 8:26 مساءً. تم إصدار الإنذار الرسمي قبل وقت قصير من منتصف الليل في اليوم التالي، 4 مارس. وأرسلت أعلى هيئة صحية في ريكيافيك بآيسلندا بريداً الكترونياً إلى فيينا عبر نظام الإنذار والاستجابة المبكرة في أوروبا، وهو عبارة عن منصة على الإنترنت للتحكم في انتشار الأمراض المعدية. ومع ذلك، استغرق الأمر ستة أيام أخرى لإغلاق جميع مناطق التزلج في إيشغل، وتسعة أيام لتعليق العمليات.


أسئلة تبحث عن إجابة

أسئلة عدة تبحث عن إجابة، وتتمثل هذه الأسئلة في من يتحمل المسؤولية عن ذلك اليوم المشؤوم، عندما تم إبعاد آلاف المصطافين من الوادي دون إخضاعهم لاختبارات الفيروسات التاجية، ما سمح للفيروس بالانتشار؟ يقول مستشار وزارة الصحة بالنمسا، برنهارد بينكا، إن وزارة الصحة ليست هي المسؤولة، ويلقي باللوم على السلطات الإقليمية التي هي مسؤولة عن تنفيذ القرار، إذن ما مدى احتمال توجيه اتهامات في قضية إيشغل؟ يقول المحامي بيتر كولبا: «بالنسبة للمحاكمة الجنائية، نحن بحاجة إلى التثبت بأن هناك نية أو إهمالاً، لذا فإن الأمر يبدو صعباً للغاية بالطبع عندما يتعلق الأمر بتقديم الأدلة». ويمضي قائلاً «سيحاول الجميع على الأرجح إبعاد اللوم عن أنفسهم وتوجيهه إلى الآخرين - إدارة المقاطعة، حكومة الولاية، أو الحكومة الفيدرالية». ويريد كولبا الآن الوصول إلى محاضر جميع فرق إدارة الأزمات. ويقول إن هدفه هو «توسيع الشكوى» - لتشمل أعضاء الحكومة الفيدرالية.

المستشار النمساوي يتحدّى المشتكين

المستشار النمساوي يتنصل عن مسؤولية كارثة منتجع إيشغل. غيتي

 يعتقد المستشار النمساوي سيباستيان كورتز، أن هذا ليس سبباً لتوجيه أصابع الاتهام لحكومته. ويقول «إذا كان البعض يحاول أن يجعل الأمر يبدو وكأن إيشغل هي المسؤولة عن انتشار الوباء، فعليه المضي قدماً». يبدو أن المستشار مصمم على عدم مناقشة فشل حكومته في التصرف. ويقول إن لعبة إلقاء اللوم لا طائل من ورائها. فهل يخشى كورتز من عواقب قانونية على نفسه أو على جزء من حكومته؟

ويرى مستشار وزير الصحة النمساوي، برنهارد بينكا، أنه على الرغم من أن التحذير «تمت مناقشته في لجنة أزمة الدولة» في 6 مارس، إلا أنه كان ينبغي على إدارة المقاطعة في لانديك أن تتصرف. ومن وجهة النظر هذه، يقع اللوم على السلطات في ولاية تيرول. ويلقي بينكا باللوم في التأخير لمدة ثلاث ساعات في إرسال بريد إلكتروني عاجل آخر إلى تيرول - مع أسماء المصابين والفنادق التي يقيمون فيها - على «تأخيرات طفيفة» بالنظر إلى الارتباك الذي حدث بسبب الأزمة.

وفقاً لبحث أجرته محطة البث النمساوية «أو آر إف»، فإن أكثر من 11 ألفاً من مواطني الاتحاد الأوروبي فقط أصيبوا بالفيروس في النمسا، معظمهم في منطقة إيشغل ومنتجعات التزلج المحيطة بها. وهذا لا يشمل أولئك الذين أصيبوا بالعدوى من الأشخاص العائدين من إيشغل.

طباعة