عروس البحر المتوسط تواجه مخططاً أقرّته بلدية الاحتلال لتجريف القبور

مقبرة الإسعاف.. وجه يافا التاريخي مهدّدة بالاندثار

صورة

لم يكتفِ الاحتلال بممارساته التعسفية ومخططاته التهويدية، بحق الفلسطينيين الأحياء فوق الأرض في مدينة يافا المطلة على الشريط الساحلي للبحر الأبيض المتوسط، في أراضي الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، بل وصلت ذراعه إلى تحت الأرض، لنبش قبور الأموات، من أجل هدمها، لتكتمل فوقها رقعة مشاريعه الاستيطانية.

فقد أصدرت بلدية تل أبيب الإسرائيلية في مدينة يافا قراراً عنصرياً بتجريف مقبرة الإسعاف التاريخية، التي تعود إلى الحقبة العثمانية، المجاورة لمسجد «حسن بيك» أكبر وأقدم مساجد عروس البحر الأبيض المتوسط، وأحد أهم المعالم الإسلامية التاريخية فيها، لإقامة مشروع استيطاني للمستوطنين الشبان.

ففي يوم 8 من شهر يونيو الجاري تدخلت قوات كبيرة من شرطة الاحتلال ووحدة اليسام القمعية الخاصة لمحاصرة الفلسطينيين المحتجين، فيما بدأت الجرافات في حفر أرض مقبرة الإسعاف التي يمتد عمرها إلى أكثر من 200 عام.

وكان لقرار بلدية الاحتلال الظالم أثر كبير وواسع بين الأوساط الفلسطينية في مدينة يافا، والمدن والبلدات العربية في الداخل الفلسطيني، حيث انتفض الشبان والمؤسسات والتجمعات السياسية العربية في المدينة الساحلية ضد البلدية وقرارها، الذي يستهدف نبش القبور والتعدي على مقدساتهم، وانتهاك حرماتهم، ومازالت الاحتجاجات مستمرة منذ يوم 8 من شهر يونيو الجاري، حتى يتم التراجع عن هدم وتجريف أبرز معالم مدينتهم.

مخطط ممتد

عملية تجريف مقبرة الإسعاف، الواقعة شمال مدينة يافا، ليست الحادثة الأولى، بل هي حلقة ضمن مسلسل طويل يفرض الاحتلال حلقاته على مقابر المدينة الساحلية منذ سنوات، إذ سلب أراضي مقبرة عبد النبي شمال يافا، وأقام عليها فندق هيلتون، وحديقة عامة، وموقف لسيارات السفارة البريطانية، وسرق أراضي مقبرتَي إجليل القبلية وإجليل الغربية، وأقام عليها مباني وعمارات في مستوطنة هرتسيليا. كما أقامت الحكومة الإسرائيلية على أراضي مقبرة الشيخ مؤنّس بالمدينة مباني لها، وأقامت منازل استيطانية فوق أراضي مقبرة قرية سلمة، التي تقع على بعد خمسة كيلومترات شرق يافا، وذلك بحسب رئيس الهيئة الإسلامية المنتخبة في مدينة يافا، طارق أشقر.

ويقول أشقر لـ«الإمارات اليوم»: «إن لبلدية تل أبيب في مدينة يافا سجلاً حافلاً في تدنيس المقابر ونبش القبور، وبيع المقابر الفلسطينية لشركات استثمارية إسرائيلية، إذ دمّرت مقبرة الجماسين لتوسيع حي لليهود بدعم من سلطة الآثار الإسرائيلية، كما بنت إدارة جامعة تل أبيب بيوتاً للطلبة فوق مقبرة قرية الشيخ مؤنس المهجرة».

ويؤكد أن الاعتداء على مقبرة الإسعاف جزء من مخططات الاحتلال، التي تستهدف المقابر الإسلامية والمسيحية في المدن والبلدات الفلسطينية المهجرة داخل أراضي الـ48، من أجل فصل الفلسطيني عن تاريخه وحضارته، وسرقة أرضه، وشطب البعد العربي والإسلامي عن المقدسات.

ويوضح أن الاحتلال يعتبر أن المقابر، والمساجد، والمقدسات، ملك له، يحق له تدنيسها وجرفها، لأغراض مخططاته التهويدية، بذريعة قوانين ابتدعها هو، ومنها، قانون أملاك الغائبين، الذي من خلاله يعتبر الأوقاف ملكاً للمجلس الإسلامي الأعلى، ويمكن الاستيلاء على أملاكه، كما فرضت إسرائيل قانون «استملاك الأراضي»، ليسهل لها سلب أراضي الفلسطينيين، وبيعها لليهود ومؤسساتهم، ومنها الأراضي الوقفية.

ويضيف «إن اسم بلدة تل أبيب هو المسمى الإسرائيلي المزيف لمدينة يافا، وبلدية الاحتلال التي لا يتجاوز عمرها 72 عاماً، والهدف من وراء مخطط تجريف المقبرة الإسلامية التاريخية ونبش القبور، هو تهجير ما تبقى من فلسطينيين، وطمس هوية مدينة يافا التي يتجذر تاريخها في أرض فلسطين إلى أكثر من 2000 عام».

نضال شعبي مستمر

انتفاض الشارع الفلسطيني ضد انتهاك بلدية الاحتلال لمعالمهم الإسلامية التاريخية، خلق حالة نضال شعبي ومواجهات كبيرة مع الاحتلال في المدينة الساحلية، لتجبر المحكمة الإسرائيلية بتجميد مخطط البلدية داخل مقبرة الإسعاف حتى شهر يوليو المقبل.

وكانت الهيئة الإسلامية المنتخبة في مدينة يافا، قد أعلنت استصدار أمر من المحكمة المركزية في تل أبيب بوقف أعمال التجريف في مقبرة الإسعاف الإسلامية بيافا حتى الشهر المقبل.

وعلى الرغم من تجميد مخطط بلدية الاحتلال بشكل مؤقت، إلا أن ساحة مقبرة الإسعاف والساحات والشوارع والميادين المجاورة لها، تشهد حتى اللحظة تجمعاً كبيراً وواسعاً لجموع الفلسطينيين، الذين ينتابهم الغضب الشديد، والإصرار الشعبي الكبير على مواصلة الاحتجاج والتظاهر، حتى يسقط القرار دون رجعة، رغم مواجهة القوات لهم بالضرب والاعتداء المسلح والاعتقال.

ويقول محمد محاميد: «نحن ننتفض ليس من أجل تجميد قرار، أو ضد مخطط واحد، بل نناضل ضد كيان غاصب، ونرفض جميع الاعتداءات التي يمارسها ضد الوجود العربي الفلسطيني في يافا، رغم العنف والاعتداء الذي نتعرض له، فعقب قرار تجميد القرار، حاول سكان وأهالي يافا الدخول إلى مقبرة الإسعاف الإسلامية، لوقف أعمال النبش والتجريف على أرضها، إلا أن الشرطة اعتدت عليهم بالضرب وإلقاء القنابل الصوتية».

ويؤكد أن الاحتجاج والنضال الشعبي لسكان مدينة يافا الساحلية ضد قرار البلدية في شوارع يافا وساحة مقبرة الإسعاف، سيبقى متواصلاً، حتى تحرير المقبرة الإسلامية من مخطط السلب والاستيطان، في خطوة لحماية مقدساتهم، ووقف سيل المخططات الاستعمارية ضد الإنسان والأرض في مدينة يافا والمدن والبلدات العربية في الداخل الفلسطيني.

ويشير إلى أن تنفيذ نبش قبور مقبرة الإسعاف التاريخية، وتجريف أرضها، سيكون بوابة لتعرّض مقدسات وأراضي الفلسطينيين في يافا ومدن الداخل للانتهاك، والسلب.

يذكر أن حادثة سيطرة الاحتلال على أراضي المقابر الإسلامية والمسيحية لم تشهدها عروس البحر المتوسط فحسب، فقد سيطر على مقبرة الشهيد عزالدين القسام في مدينة حيفا على الشريط الساحلي للبحر الأبيض المتوسط، كما اعتدى على مقبرة الاستقلال في حيفا، وحرق أجزاءً منها في عام 2019، فيما سلب أرض مقبرة مأمن الله التاريخية في مدينة القدس الشريف.


احتجاج سكان مدينة يافا ضد قرار البلدية سيبقى، حتى تحرير المقبرة الإسلامية من مخطط السلب والاستيطان، ووقف سيل المخططات الاستعمارية ضد الإنسان والأرض بالداخل الفلسطيني.

طباعة