من خلال البحث اليائس عن أسلوب لتعزيز وضعه السياسي

ترامب يحاول تسريع إنتاج لقاح كمفاجأة لإعادة انتخابه

صورة

لو استعرضنا السيناريو التالي الذي يقول إنه في الساعة الثالثة بعد الظهر من 23 أكتوبر المقبل، عقد الرئيس دونالد ترامب مؤتمراً صحافياً سريعاً، أعلن فيه أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية أصدرت ترخيصاً باستخدام طارئ لعقار ضد فيروس كورونا. وبالطبع فإن إعلان ترامب الانتصار على «كورونا» يعني إعادة افتتاح للأعمال وتعافياً سريعاً للاقتصاد.

سيناريو ليس مستبعداً

وبالنظر إلى تصرفات الرئيس الأميركي في الفترة السابقة، فإن هذا السيناريو الخطر ليس بعيد الحدوث. فمن خلال البحث اليائس عن أسلوب لتعزيز وضعه السياسي، فهو يمكن أن ينشر خبر لقاح لفيروس كورونا حتى قبل أن يتم اختباره كفاية، ويدعي أمام الملأ بأنه فعال وآمن.

ويوجد 123 لقاحاً مرشحاً ضد فيروس كورونا قيد التطوير والاختبار حالياً، منها 10 يجري تجريبها الآن على البشر. وفي يوليو المقبل تخطط المؤسسات الوطنية للصحة للبدء في المرحلة العشوائية الثالثة للاختبارات، ما إذا كانت اللقاحات الـ10 تمنع الإصابة بفيروس كورونا. وتخطط بعض شركات صنع الدواء البدء في الاختبارات في الوقت ذاته تقريباً. وقالت شركة «استرا زينكا» الأميركية إنها تخطط للبدء بشحن اللقاحات في شهر أكتوبر المقبل. وتخطط شركة «فايزر» لصناعة الأدوية لتجريب لقاحها على 8000 شخص. وتخطط المؤسسات الصحية الوطنية لتجنيد 30 ألف شخص للتجريب. وبالمقارنة فإن المرحلة الثالثة من اختبار الفعالية لأحد لقاحات فيروس «روتاتيغ» الذي يسبب الإسهال عند الأطفال إلى التجريب على نحو 70 ألف طفل في المرحلة ما بين 2001 و2004، إضافة إلى اختبار لقاح آخر لإسهال الأطفال يطلق عليه اسم «رتاريكس» الذي تطلب 63 ألف شخص في الفترة ما بين 2003 و2006.

ويتوقع الباحثون أن الوقوف على ما إذا كانت هذه اللقاحات المرشحة فعالة أم لا يمكن أن يستغرق ما بين ثمانية و12 شهراً. ويتعين على العلماء الانتظار حتى إجراء ما يكفي من التجارب على هذه اللقاحات لمعرفة، ما إذا كانت تساعد حقاً على تخفيض معدلات المرض. وللمقارنة، فإن تجارب الفعالية من أجل لقاحات فيروس إسهال الأطفال استغرقت أربع سنوات، في حين استغرقت دراسات اللقاحات المخصصة لسرطان الرحم نحو سبع سنوات.

وبناء عليه، هل يستطيع ترامب أن يصنع «مفاجأة أكتوبر» بلقاح جاهز قبل خمسة أشهر من الآن؟ ثمة احتمال غير مرجح أن عملية تجنيد المتطوعين لتجريب اللقاح ستكون سريعة، بحيث لا يتم ما يكفي من اختبارات الفعالية للقاح إضافة إلى مدى الأمان.

سيناريو أكثر سوءاً

وثمة سيناريو آخر، لكنه أكثر سوءاً، إذ بعد ثلاثة أشهر من بدء تجارب المؤسسات الوطنية الصحية في يوليو، إلى منتصف أكتوبر، فإن العديد من المرضى يتطوّر لديهم العديد من المستويات العالية للأجسام المضادة لفيروس كورونا، دون وجود أي آثار جانبية عند تجريب اللقاح. وعندها يمكن للبيت الأبيض أن يضغط على منظمة الغذاء والدواء كي توافق على اللقاح المعني، تماماً كما كان يضغط من أجل الترويج لعقار هايدروكسي كلوريكين. وستكون هناك ضغوط أكبر من شركات صناعة الأدوية التي أنفق بعضها نحو مليار دولار من أجل الأبحاث، وهي تتنافس مع بعضها من أجل كسب المجد والسمعة. وهي تخطط للبدء في تصنيع اللقاحات المرشحة للتجريب قبل أن تظهر الدراسة الكاملة مدى فعاليتها.

ونظراً إلى إدراكهم ما حل برئيس هيئة الأبحاث المتطورة، ريك برايت، عندما تم إبعاده عن منصبه عندما قاوم رغبة ترامب بشراء عقار هايدروكسي كلوريكين، فإن القائمين على منظمة الغذاء والدواء يمكن أن يصدروا موافقتهم باستخدام طارئ، لواحد أو اثنين من اللقاحات. وربما تستند موافقة منظمة الغذاء والدواء «على الاعتقاد المعقول» الذي مفاده أن اللقاح «فعال» في منع الأمراض التي تهدد حياة الناس، ويمكن نشره في الأسواق قبل ترخيصه بصورة رسمية.

وبالطبع فإن الموافقة على استخدام اللقاح بصورة طارئة يكفي بالنسبة للرئيس ترامب كي يعقد مؤتمره الصحافي المنشود، ويعلن انتصاره. ولكن كما كانت الحال لدى الرئيس جورج بوش الابن عندما أعلن «تم إنجاز المهمة» في حربه على العراق، فإن خطوة ترامب يمكن أن تكون عبارة عن مهزلة أخرى. وعندها يمكن إنتاج الملايين من اللقاحات دون وجود اثبات على أنها يمكن أن تمنع انتشار المرض. ومنذ عام 1950 لم تتم الموافقة على أي لقاح وترخيصه دون دراسات شاملة ومعمقة تتعلق بالأمان والفعالية.

وحتى لو أدى اللقاح إلى توليد الأجسام المضادة في جسم الملقح، فإن ذلك لا يعني أنه فعال في منع انتشار المرض، ولكنه إشارة إلى أنه على الأرجح سيكون فعالاً. وفي الحقيقة، فإن نصف اللقاحات المخصصة للأمراض الأخرى والموجودة في السوق تفتقر الى الروابط المناعية من أجل الحماية، أي أنها تكون فعالة ولكن الأجسام المضادة لدى المريض، أي الخلايا المناعية، أو المؤشرات الأخرى، لا تحدد ما إذا كان المريض محمياً أو لا. وحتى في التجارب الأولية، يمكن أن نحصل على معلومات بسيطة عما إذا كان المرضى كبار السن ستكون لديهم ردة فعل مناعية، ويتم حمايتهم ضد المرض.

شعور زائف بالأمان

وبالطبع فإن منح الناس شعوراً زائفاً بأنهم محميون سيؤدي إلى انتشار خطير للمرض، لأنه سيجعلهم يتجاهلون التباعد الاجتماعي والإجراءات الصحية الأخرى. وإذا تمت التجارب على 20 ألف شخص، فإن آثاراً جانبية خطيرة، ولكن نادرة يمكن ألا تظهر خلال هذه التجارب. ولكن إذا ظهرت هذه الآثار في ما بعد، فإنها يمكن أن تقوض الثقة الضعيفة أصلاً باللقاح، وتجعل كثيرين يرفضون استخدامه مما يؤدي إلى كارثة صحية.

ولقد شهد العالم مرضاً شبيهاً بمرض «كورونا» وهو شلل الأطفال، الذي شكل في الخمسينات من القرن الماضي رعباً للآباء. وفي كل صيف كان المرض يقتل نحو 5000 طفل، كما أن 30 ألفاً آخرين يصابون بالشلل بقية حياتهم. وقام الطبيب الأميركي جوناس سولك بتطوير لقاحه ضد شلل الأطفال، وجربه على 700 طفل في منطقة بتسبورغ. وكان آمناً وأنتج أجساماً مضادة للمرض. ولكن كان ينقصه الإثبات على أنه فعال في منع حدوث المرض. وكان لابد من التجارب العشوائية قبل ترخيص اللقاح وتوزيعه. ولهذا تم منح 400 ألف طفل اللقاح في حين أن 200 ألف حصلوا على لقاح وهمي «بلاسيبو»، وبعد تجربة الفعالية هذه تم ترخيص لقاح سولك وصار يحمي كل الأطفال من هذا المرض المريع. ويجب على منظمة الصحة العالمية أن تطالب بأكثر من مجرد إثبات إنتاج الأجسام المضادة، حتى من أجل الترخيص بالاستخدام الطارئ. وبعد أن تقوم هيئة مستقلة من الأطباء والباحثين والعلماء بتقييم نتائج التجارب المتعلقة بالأمان والفعالية، عندها فقط يتم السماح لمنظمة الغذاء والدواء أن تقرر قبوله من عدمه. وحتى الآن توفي عشرات الآلاف من الأميركيين، في الوقت الذي يقوم ترامب بتأجيل التدخلات العامة والفعالة، ويقدم توصيات علاجية سيئة. وعلينا أن نكون في حالة تأهب لمنعه من إفساد التقييم الدقيق لأمان وفعالية لقاحات فيروس كورونا، كي يقدم في أكتوبر المقبل لقاحاً مفاجئاً يقصد منه محاولة إعادة انتخابه.

إيزكييل إيمانويل وبول أوفيت: أستاذان في جامعة بنسلفانيا


- الموافقة على استخدام اللقاح بصورة طارئة يكفي بالنسبة للرئيس ترامب كي يعقد مؤتمره الصحافي المنشود، ويعلن انتصاره.

- حتى الآن توفي عشرات الآلاف من الأميركيين، في الوقت الذي يقوم ترامب بتأجيل التدخلات العامة والفعالة، ويقدم توصيات علاجية سيئة. وعلينا أن نكون في حالة تأهب لمنعه من إفساد التقييم الدقيق لأمان وفعالية لقاحات الفيروس.

- نظراً إلى ما حل بريك برايت، عندما تم إبعاده عن منصبه عندما قاوم رغبة ترامب بشراء «هايدروكسي كلوريكين»، فإن القائمين على منظمة الغذاء والدواء يمكن أن يصدروا موافقتهم باستخدام طارئ، للقاح أو اثنين.

طباعة