مهمة الحكومات التخطيط والاستعداد للحالات الطارئة

الأعمال الخيرية الكبرى «رأسمال المخاطر» للمجتمع الديمقراطي

صورة

عام 2015، وقف «فاعل الخير»، الملياردير الأميركي، بيل غيتس، على خشبة «تيد» - سلسلة من المؤتمرات العالمية تهدف لتعريف ونشر الأفكار الجديدة والمتميزة - وأصدر تحذيراً صارماً للعالم، قائلاً: «نحن لسنا مستعدين للوباء التالي». متابعاً: «لكننا يمكن أن نكون جاهزين بأن نستعد كما لو كنا سندخل في حرب؛ من خلال إنشاء احتياطيات، ومحاكاة حالات التفشي الجرثومية، والاستثمار بكثافة في البحث والتطوير». وقال غيتس: إن العنصر الأساسي هو «نظام قوي للصحة العامة».

وكان الملياردير الأميركي، مُؤسس «مايكروسوفت»، يفكر في البنية التحتية الهشة والقليلة التمويل في البلدان الفقيرة. ولطالما كانت الصحة العامة العالمية أحد الأهداف الرئيسة للأعمال الخيرية للملياردير الأميركي.

وفي أبريل 2018، التقى غيتس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لحثه على اتباع سياسة الرؤساء السابقين، وتعزيز البنية التحتية للاستجابة للوباء في الولايات المتحدة. ورداً على تفشي فيروس إيبولا، عام 2014، أطلق الرئيس باراك أوباما جدول أعمال الأمن الصحي العالمي، وتوجيه أكثر من مليار دولار للوقاية من الأمراض والتصدي لها على الصعيد العالمي. وردد الرئيس جورج بوش الابن، من قبل، نقاط الحديث التي طرحها غيتس؛ بما في ذلك أهمية الكشف عن حالات تفشي الأوبئة، وتخزين اللقاحات، والتخطيط للطوارئ؛ وذلك خلال الإعلان عن خطط بقيمة 7.1 مليارات دولار، بشأن الاستعدادات لوباء الإنفلونزا. وهذا هو بالضبط التهديد الذي نواجهه اليوم بسبب فيروس «كوفيد-19».

استراتيجية شاملة

وبدلاً من تعزيز هذه المبادرات أو حتى الحفاظ عليها، قام ترامب بحل إدارة الأمن الصحي العالمي، والدفاع البيولوجي التابعة لمجلس الأمن القومي. وحتى قبل الاجتماع مع غيتس، رفض ترامب تجديد 600 مليون دولار من التمويل لمركز السيطرة على الأمراض لمنع الأوبئة العالمية، التي تمت الموافقة عليها في عهد أوباما. وطردت إدارة ترامب، أيضاً، مستشار الأمن الداخلي، توم بوسرت، الذي قيل إنه دعا إلى «استراتيجية شاملة للدفاع البيولوجي ضد الأوبئة».

وفي 18 مارس، أعطى ترامب الدرجة الكاملة لرد إدارته على تفشي الفيروس التاجي الجديد. وينبغي ألا يكون من المستغرب أن إدارة البيت الأبيض قد خذلت الرأي العام الأميركي. وعندما تفشل الحكومة، نلتفت إلى الأثرياء، مثل بيل غيتس. ومن المؤكد أن التمويل الخاص للصحة العامة العالمية ذو قيمة. لكن متطلبات مكافحة الوباء أكبر بكثير من قدرة حتى أكثر المُحسنين ثراءً. وقدمت مؤسسة غيتس نحو خمسة مليارات دولار، العام الماضي. وخصص ترامب، أخيراً، ما يصل إلى 50 مليار دولار، للتصدي لوباء «كورونا». (وهذا لا يعني شيئاً من تريليونَيْ دولار، يسعى الرئيس إليهما من أجل توفير الإغاثة المباشرة لدافعي الضرائب).

مصدر قلق

وعلى الرغم من هذا، فقد أصبح مصدر قلق غيتس الأكبر، واقعاً، وهو الآن يعامل الولايات المتحدة كما لو كانت دولة فقيرة، في محفظته العالمية للصحة العامة. وتعهد الملياردير بنحو 100 مليون دولار، الشهر الماضي، لمكافحة الفيروس التاجي المستجد. وجاء دعم مؤسسته على شكل دفعات؛ أولاً للمساعدة في استجابة الصين، ثم لتحسين الكشف والعزل العالميين، وبعدها تعزيز استجابة مدينة سياتل، وأخيراً لتطوير العلاجات.

وضرب الوباء سياتل، بشدة، وشهدت مقاطعة «كينغ»، في المدينة، 693 حالة و60 حالة وفاة. ويعيش بيل غيتس وزوجته ميليندا في سياتل، كما يقع مقر مؤسستهما. وقد ساد الإحباط من عدم وجود وسائل الاختبار، المقدمة فيدرالياً، وأكدت دراسة ممولة من مؤسسة غيتس، منذ ذلك الحين، أنها ستستثمر في وسائل الاختبار المنزلي.

وقد يكون غيتس تمنى لو لم يكن عليه فعل ذلك، كما تشير اجتماعاته مع ترامب. وسنقول إن الملياردير لم يتمكن من القول بأن توفير معدات اختبار الفيروس التاجي، إضافة إلى تنسيق الاستجابة للوباء، هي مهمة الحكومة.

غيتس ليس وحده. ففي منطقة «باي»، أعلنت مبادرة تشان زوكربيرغ (مؤسسة أطلقها مؤسس «فيس بوك» وزوجته)، أنها ستستثمر لتوسيع الاختبارات في سان فرانسيسكو. بينما تبرع الملياردير الصيني، جاك ما، بآلاف من أقنعة الوجه ومجموعات الاختبار للولايات المتحدة. وتقود مؤسسة فورد الجهود بالتعاون مع مؤسسات كبيرة، لتوفير الأموال والموارد للاستجابة لـ«كوفيد-19».

ووفقاً لـ«كانديد»، وهي مؤسسة تسعى إلى جعل الأعمال الخيرية أكثر شفافية، فإن مبلغ 1.9 مليار دولار، تم إنفاقه على الإغاثة الخاصة بـ«كورونا»، من قبل كيانات خاصة، في جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك، فإن للأعمال الخيرية الكبرى دوراً تلعبه، وتتمثل وظيفتها المميزة والأساسية في أن تكون بمثابة رأسمال المخاطر لمجتمع ديمقراطي، وتوجيه الموارد لتمويل التجارب واكتشاف حلول للمشكلات الاجتماعية، التي لا يمكن للسوق أو الحكومة فعلها. والمثال النموذجي هو تمويل أندرو كارنيجي للمكتبات العامة، وهي تجربة في تنمية المواطنة المتعلمة.

خيانة للديمقراطية

إن الميزة الفريدة للأعمال الخيرية هي دورها في تحسين النتائج على المدى الطويل، وتسليم نجاحاتها للحكومة لتوسيع نطاقها لجميع المواطنين. والعمل الخيري ليس بديلاً مؤقتاً عند الفشل في تقديم الخدمات الأساسية والسلع العامة.

والصحة العامة هي مصلحة عامة ونموذجية، ويجب ألا نعتمد أبداً على أهواء المتبرعين الأثرياء، بحيث يسيطر الأثرياء، بشكل متزايد، على صحتنا الجماعية ورفاهيتنا.

وسيكون هذا خيانة للديمقراطية. وبدلاً من العمليات الديمقراطية التي تحدد احتياجاتنا الجماعية وكيفية معالجتها، فإن الأغنياء سيقررون لنا ذلك. وقد نتحول إلى حكم الأغنياء.

تقدم جائحة الفيروس التاجي لنا الحاجة الفورية للاستجابة، وتذكرنا بأهمية الاستثمار، حتى نتجنب الكوارث التي يمكن الوقاية منها، في المستقبل. وفي الوقت الحالي، فإن جهود الجميع مطلوبة في حالات الطوارئ، ولكن ليس هذا هو الغرض من العمل الخيري الكبير؛ أو ما يمكن أن يدوم. ويجب على الدولة الأغنى في العالم أن تكثف تمويل الصحة العامة، بدلاً من الاعتماد على أغنى الناس في العالم، للقيام بذلك بشكل تدريجي.

روب ريتش أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد، ومؤلف كتاب «العطاء: لماذا يفشل العمل الخيري في الدول الديمقراطية وكيف يمكن أن يكون أفضل».


1.9

مليار دولار، مبلغ تم إنفاقه على الإغاثة الخاصة بـ«كورونا»، من قبل كيانات خاصة.

الميزة الفريدة للأعمال الخيرية هي دورها في تحسين النتائج على المدى الطويل، وتسليم نجاحاتها للحكومة لتوسيع نطاقها لجميع المواطنين. والعمل الخيري ليس بديلاً مؤقتاً عند الفشل في تقديم الخدمات الأساسية والسلع العامة.

طباعة