المرصد

«الصحافة والأسماء المستعارة»

فتحت معركة «مقالات نيوتن» التي شهدتها الصحافة المصرية أخيراً، الجدل حول قضية جديدة - قديمة هي: هل يجوز مهنياً وقانونياً الكتابة في الصحف بأسماء رمزية؟ وهل هذا لا يمثل خداعاً للقارئ ولمؤسسات المجتمع؟

في الوقت نفسه يرى الطرف المقابل أنه لا يجب التشدد في رفض هذا الأمر، واعتبار الصحافة مؤسسة بيروقراطية صارمة، وفي مهنة تعتبر الجاذبية والحيوية والتفكير خارج الصندوق أبرز ملامحها.

يدلل خبراء ومؤرخون على أن الصحافة العربية عرفت شرعية الكتابة بأسماء مستعارة بإفراط منذ نشأتها، فمصطفى أمين كتب تحت اسم «ممصوص»، ومحمد التابعي تحت اسم «حندوس»، وفكري أباظة تحت اسم «الجاسوسة الحسناء»، وأنيس منصور تحت اسم «شهيرة»، ومفيد فوزي تحت اسم «نادية عابد». كذلك لا يعرف كثيرون أن أدونيس هو اسم مستعار لصاحبه علي أحمد سعيد، وأن الشاعرين محمد الجواهري، ومعروف الرصافي، كتبا بأسماء كثيرة، وعالمياً فإن موليير هو شخص يدعى «جان باتيست»، وفولتير سخص يدعى «فرانسوا اريت»، بل إن أحد مؤسسي الولايات المتحدة وكاتبي وثيقة استقلالها الراحل بنجامين فرانكلين كتب في حياته في الصحف تحت 75 اسماً مستعاراً.

لكن الرافضين لهذا التقليد، يحتجون بضرورة التفرقة بين الكتابة بعمومها وبين الصحافة، رغم أن التفرقة أحياناً تعسفية، كما يحتجون أيضاً بأن الصحافة أصبحت صناعة كبرى تستلزم التحديد والمسؤولية، ويحتجون كذلك بأن التطور الحقوقي للافراد والجماعات لم يعد إطلاق الكلام على عواهنه من مجاهيل، وأن الصحافة بعد أن انفتح عليها طوفان مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد لها ما يميزها سوى التوثيق والمصداقية.

وتعتبر صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية نفسها نموذجاً للمعسكر الثاني، ويقول محرر افتتاحياتها «فريدهات» للكاتب الصحافي جيرمي بار، حين كان الأخير يجري تحقيقاً عن الموضوع ذاته في «بوينتر»، أن «موقفنا متشدد جداً هنا، سواء لمقالات الرأي أو لبريد القراء، نحن لا نقبل إلا الاسم الحقيقي، فقارئنا من حقه أن يعرف من الذي يتحدث إليه، وكتابنا يجب أن يتحملوا المسؤولية عما يكتبون ويقولون».

هناك عنصر أخير مهم في القصة أيضاً، هو التلاعب السياسي الوارد حدوثه تحت الأسماء المستعارة.

فطبقاً لموقع «جيزمورد» الأميركي، فإن وكالة الاستعلامات الأميركية «يواس ايد» طبقاً لمعلومات كشفتها عام 1999، «اخترعت في الخمسينات والستينات سبعة أسماء وهمية في العالم أبرزهم صحافي أسمته (جاي سيمز فيتش)، ونسبت لهم ما شاءت من تقارير في شرق الأرض وغربها». قد يكون هؤلاء الأخيرون سبعة أو 70 أو 700، الأيام ستكشف.

لكن أليس هذا وحده كفيلاً بالتضحية بمتعة الأسماء المستعارة في عالم خلا من البراءة؟

طباعة