حسابات معقدة تحكم تحركات أطراف عدة

واشنطن تتجه لتوجيه مزيد من الضربات إلى حلفاء طهران في العراق

صورة

جاء تكليف الرئيس العراقي، برهم صالح، في 17 مارس الجاري، محافظ النجف السابق النائب عن تحالف «النصر» في البرلمان، عدنان الزرفي، بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أيام قليلة من تزايد وتيرة التصعيد العسكري بين ميليشيا «حزب الله» العراقي والقوات الأميركية في العراق، حيث تبادل الطرفان شنَّ هجمات، بدأها الحزب بهجوم على معسكر التاجي في بغداد، والذي توجد فيه قوات أميركية، في 11 مارس الجاري، أسفر عن مقتل جنديين أميركيين وآخر بريطاني، وردت عليه القوات الأميركية، في 13 من الشهر نفسه، بقصف خمسة مواقع للحزب في العراق، وعلى الحدود المشتركة مع سورية، فيما جدد الحزب هجومه مرة أخرى بعد ذلك بيوم واحد، بشكل أدى إلى إصابة بعض منتسبي القوات الجوية العراقية.

ويرجح مراقبون محليون استئناف القوات الأميركية هجماتها على معسكرات ومخازن أسلحة الميليشيا العراقية، التي تدرجها واشنطن كمنظمة إرهابية، خصوصاً بعد أن حذرت الأخيرة، في 16 مارس، من أنها لن تتهاون في حماية جنودها، بالتوازي مع إطلاق صاروخين على معسكر بسماية جنوب شرق بغداد.

لكن اللافت في هذا السياق أن هذه التحذيرات تأتي في الوقت الذي أشارت فيه تقارير إعلامية، في 17 مارس، إلى استعداد الجيش الأميركي للانسحاب من ثلاث قواعد رئيسة في العراق، من بينها قاعدة «القائم».

وربما يكون هذا التصعيد أحد أهم التحديات التي ستواجه المرشح الجديد لتشكيل الحكومة، عدنان الزرفي، وهي مهمة لا يبدو أنها ستكون يسيرة في ظل الخلافات القائمة، وتشابك مصالح القوى المعنية بما يجري على الساحة العراقية.

مواقف متباينة

تعد موجة التصعيد الحالية هي الأعنف في المواجهات بين الطرفين منذ بدأت الميليشيا هجماتها ضد الوجود الأميركي بالعراق في 27 ديسمبر الماضي، لدى استهدافها قاعدة عسكرية بالقرب من كركوك قتل فيها مقاول يعمل لدى الجيش الأميركي، صعّدت في مقابلها الولايات المتحدة بقصف أكثر من موقع للميليشيا بطائرات بدون طيار، واستمر التصعيد حتى قامت الأولى بتوجيه ضربة عسكرية أدت لمقتل قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري، قاسم سليماني، ونائب قائد «الحشد الشعبي» أبومهدي المهندس، في 3 يناير الماضي.

وعلى الصعيد السياسي، عكست ردود الفعل في العراق مستوى غير مسبوق أيضاً من القلق، لاسيما أن تلك المواجهات تأتي في ظل حالة من السيولة السياسية في البلاد بسبب تعثر تشكيل الحكومة، رغم قيام الرئيس برهم صالح، في 17 من الشهر الجاري، بتكليف محافظ النجف السابق عدنان الزرفي بتشكيلها، الأمر الذي جعل معظم القوى السياسية تدعو للتهدئة والتحلي بالمسؤولية، في ظل الظروف السياسية الراهنة.

وكان الموقف الأبرز بينها جميعاً هو موقف التيار الصدري، المعروف بتشدده تجاه الوجود الأميركي في العراق، والذي دعا زعيمه مقتدى الصدر، على عكس ما كان متوقعاً، إلى «تجنب التصعيد ونشر السلام في البلاد»، وأشار إلى أن «مراعاة الظروف المحيطة تدفع لمطالبة السلم مع المحتل».

أما على المستوى العسكري، فبدا أن هناك تحفظاً منذ البداية على تصرف الميليشيا، وفق تقديرات محلية أشارت إلى أن القوات المسلحة العراقية تعتبر أن تلك الضربات تشكل تحدياً لها على مستوى التداعيات، فضلاً عن الأزمة العميقة التي تتمثل في عدم القدرة على القيادة والسيطرة على فصائل «الحشد الشعبي»، حيث تؤكد تلك الهجمات صعوبة إدماج تلك الفصائل في إطار مؤسسي. لكن بعد أن طالت صواريخ الميليشيات الجزء الخاص بالقوات العراقية في معسكر التاجي، عكس بيان القوات المسلحة لهجة شديدة تجاهها.

تشابكات مستمرة

يتصور البعض أن هناك دوافع غير معلنة للتصعيد على المستويين السياسي والأمني. فعلى المستوى السياسي، هناك إشارات أميركية تحوم حول مدى تأثير إيران في عملية اختيار رئيس الوزراء العراقي. وفي المقابل، توجه طهران اتهامات لواشنطن بالوقوف خلف الاحتجاجات ضد تركيبة النظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة.

أما على الصعيد العسكري، فإن هذه التطورات لا تنفصل عن إعلان الولايات المتحدة نشر أنظمة دفاع «باتريوت» في العراق، الأمر الذي تعارضه إيران بشدة. ومع اقتراب نشر تلك الأنظمة تجدد التصعيد، ويقول مراقبون محليون إن الدولة قد لا تكون على اطلاع كامل بتفاصيل نشر تلك الأنظمة، في ظل الوضع السياسي الراهن.

وبالتالي، يمكن القول إن هناك إشكالية رئيسة تتعلق بقواعد العمل العسكري الأميركي بالعراق، والتي لم تكن محل خلاف في السابق لدى أي طرف من الأطراف، ومن بينها إيران، لكن تطورات الوضع العسكري الأميركي بعد تخفيض الوجود في سورية، ثم تعزيز البنية العسكرية الأميركية على نحو يفرض تحدياً للحركة الإيرانية في العراق وسورية، يعد هو الإشكال الرئيس الذي يقف خلف تغيير قواعد الاشتباك التقليدية المتعارف عليها.

دلالات عدة

يطرح التصعيد العسكري الأخير مجموعة من الدلالات، التي تتمثل في:

1- عامل التوقيت

جاءت عملية استئناف الهجمات من جانب ميليشيا «حزب الله»، بعد أسبوع من زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شامخاني، أشاد خلالها بدور «قوى المقاومة» للوجود الأميركي في العراق، وهي أول زيارة لمسؤول إيراني رفيع على مدار الشهرين التاليين بعد مقتل سليماني، وكان على رأس وفد عسكري واستخباراتي كبير، وفقاً للتقارير الإعلامية العراقية، كما أنه، بحسب جدول أعمال الزيارة، التقى أرفع المسؤولين الأمنيين والاستخباراتيين ورئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض، في حين لم تشر التقارير، على سبيل المثال، إلى أنه التقى عبدالعزيز المحمداوي (أبو فدك)، الذي اختير رئيساً لأركان «الحشد الشعبي» الشهر الماضي خلفاً للمهندس، ومن المؤكد أن هذا اللقاء عقد بعيداً عن وسائل الإعلام، على نحو كانت له تداعياته على ما جرى على الساحة لاحقاً.

2- غياب آليات التنسيق

تضفي الإشارة المتكررة من جانب القيادات السياسية في العراق، لاسيما الرئاسات الثلاث، إلى أنها لا تريد تحول العراق إلى ساحة لتصفية الخلافات بين واشنطن وطهران، مزيداً من الأهمية على وجهة النظر التي تدعو لتفعيل دور الحكومة العراقية، كمنسق بين الطرفين في العراق، باعتبار أن وجود حكومة قوية يمثل آلية مهمة يمكن من خلالها تقليل فرص الاحتكاك، حيث إن غياب تلك الآلية يجعل الطرفين على مسار الصدام المباشر باستمرار.

3- طبيعة الهجمات

في الهجوم الأول – الأربعاء 11 مارس الجاري – ذكر بيان عسكري أميركي أنه تم إطلاق 18 قذيفة صاروخية من نوع «كاتيوشا»، في حين تم إبطال مفعول 18 قذيفة أخرى، كانت في مواقع محيطة وجاهزة للإطلاق. وفي الهجوم الثاني – ظهر السبت 14 من الشهر نفسه – أُطلِقت 33 قذيفة صاروخية من النوع نفسه، وبالتالي هناك مضاعفة للعدد، وهو مؤشر إلى أن القوات الأمنية لم تتمكن من مسح المواقع بالكامل، التي نشرت فيها منصات الإطلاق، وقد لا تكون لديها في الأساس المعلومات الكافية بتلك المواقع، على نحو يشير بوضوح إلى ملامح وأبعاد العلاقة بين «الحشد» والجيش، ويلقي بالضوء على الدور الذي يقوم به «حزب الله» الذي أصبح يُنظر إليه على أنه من يقود «الحشد» حالياً.

4- تكرار استهداف التاجي

لا تحمل قاعدة التاجي رمزية مختلفة عن مواقع سبق استهدافها من قبل ميليشيات «الحشد»، لكن يعتقد أن نتائج الضربات كاشفة عن الهدف من وراء ذلك، حيث إنها تعكس مدى قدرة «حزب الله» على إصابة تلك الأهداف بدقة، وهو ما أرجعه بعض المراقبين إلى نجاحه في تجنيد عناصر داخل القاعدة مكنته من تحديد الإحداثيات على نحو أدى إلى استهداف الجزء الأميركي في القاعدة خلال الضربة الأولى.

أما في الضربة الثانية، فهناك احتمالان، فإما أن يكون الانحراف المحدود في إصابة الهدف جاء نتيجة أن معسكر العمليات المشتركة (العراقي – الأميركي) في هذا الجزء من القاعدة يكاد يجاور مقر قوة الدفاع الجوي العراقية وبالتالي أصابها، أو أن «حزب الله» أراد أن يستهدف بالفعل القوى العراقية دون أن يؤكد أنه يهدف إلى ذلك، في رسالة للجيش العراقي بأن يوقف عمليات التدريب المشتركة مع الجانب الأميركي حتى تنتهي تلك الذريعة التي تقوم على أن القوات الأميركية موجودة بهدف تدريب القوات العراقية هناك.

السيناريو القادم

قد تتعدد السيناريوهات في الحالة الراهنة، لكن من غير المتصور أن تتمكن ميليشيا من خوض مواجهة حربية بالمعنى العسكري مع القوات الأميركية في العراق. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد نشوب معارك استنزاف على الجانبين، وفقاً لقواعد الاشتباك المرحلية، حيث ربما توجه القوات الأميركية ضربات جديدة إلى ميليشيا «حزب الله»، على غرار الضربات المركزة التي استهدفت مخازن الأسلحة بمنطقة جرف الصخر في بابل.


محاولة إيرانية

يمكن القول إن هناك محاولة من جانب إيران، والميليشيات الموالية لها، لرفع كلفة اغتيال سليماني والمهندس. ومع ذلك، فإن الدافع الاستراتيجي الأهم للتصعيد الأخير، يتمثل في اتجاه الولايات المتحدة نحو تعزيز قدراتها العسكرية في العراق، تحسباً لاستمرار التحولات السياسية والعسكرية، التي تشهدها الساحة العراقية، خلال الفترة الحالية.

قد تتعدد السيناريوهات في الحالة الراهنة، لكن من غير المتصور أن تتمكن ميليشيا من خوض مواجهة حربية، بالمعنى العسكري، مع القوات الأميركية في العراق.

تضفي الإشارة المتكررة من جانب القيادات السياسية في العراق، لاسيما الرئاسات الثلاث، إلى أنها لا تريد تحول العراق إلى ساحة لتصفية الخلافات بين واشنطن وطهران، مزيداً من الأهمية على وجهة النظر التي تدعو إلى تفعيل دور الحكومة العراقية.

33

قذيفة صاروخية أطلقت على قاعدة «التاجي» في أحدث هجوم.

طباعة