حجم الكتلة المتطرفة الأوروبية تضاعف مرتين في 2019

    اليمين الغربي يتوقع أن يكون 2020 عام نصر جديد لترامب والـ «بريكست»

    صورة

    في بداية عام 2017، التقت كتل برلمانية من اليمين المتطرف في أوروبا بمدينة كوبلنز في ألمانيا، للتباحث بشأن مستقبلها. وجرى اجتماع قادة الكتل، الذي تضمن ماري لوبن من فرنسا، وماتيو سالفيني من إيطاليا، وغيرت ويلدرز من هولندا، بعد وقت قصير من دخول ترامب إلى البيت الأبيض. وكانت هذه المجموعة من المتطرفين تشعر بالتفاؤل بشأن مستقبلها، وأعلن ويلدرز بسعادة: «أمس أميركا الحرة، واليوم كوبلنز، وغداً أوروبا الجديدة».

    وفي هذه الأيام، يواجه اليمين المتطرف عام التغير المفصلي، وبعد انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019، تضاعف حجم الكتلة اليمينية المتطرفة الأوروبية مرتين، وتمكن أخيراً رئيس الحكومة البريطانية، بوريس جونسون، من إخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي، وهو حلم يراود اليمينيين منذ زمن. ومن ناحية أخرى، فإن ترامب يواجه انتخابات هذا العام وسط محاولة الديمقراطيين محاكمته.

    وكان نجاح استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، وانتصار ترامب في انتخابات الرئاسة عام 2016، مؤشرين إلى تحول العالم نحو اليمين، فهل يكون حكم عام 2020 مختلفاً؟

    الرد على محاكمة الرئيس:

    انتشرت أخبار محاكمة الرئيس ترامب في شتى أنحاء العالم، خلال بضع ساعات من التصويت التاريخي لمجلس النواب الأميركي، في ديسمبر الماضي، وكانت نتيجتها لمصلحة محاكمة الرئيس. لكن قادة العالم وكبار السياسيين يحتفظون عادة بحكمهم على الحدث لأنفسهم. وقالت مجلة «يو إس توداي» في ردها على الحدث: «ردة فعل العالم على محاكمة الرئيس معدومة»، وكانت بعض الردود عمومية كما فعلت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية، عندما استغلت الفرصة لتشير إلى تزايد «أخطاء الديمقراطية الغربية».

    وكان الاستثناء الرئيس في افتقار ردود فعل السياسيين في شتى أنحاء العالم على محاكمة الرئيس ترامب، هو ما قاله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والزعيم الإيطالي من حزب الرابطة اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني. وأعرب الرجلان عن دعم قوي لترامب، متوقعَين أنه لن ينجو من هذه الإجراءات فقط بل سيستفيد منها، كدعم انتخابي له خلال حملة انتخابه للمرة الثانية. وشجب بوتين وسالفيني الحزب الديمقراطي لأنه يحاول معارضة إرادة الشعب خارج صناديق الاقتراع. وقال الرئيس الروسي، خلال مؤتمره الصحافي السنوي، إن الديمقراطيين كانوا يحاولون التعويض عن خسارتهم عام 2016 «بطرق أخرى»، ومن جهته لم يعرب سالفيني عن دعمه لترامب فقط، وإنما عن تعاطفه معه أيضاً.

    وفي الواقع فإن سالفيني يمكن أن يواجه إجراءات قضائية ضده، لأنه منع سفينة تقلّ اللاجئين من الرسو في أحد الموانئ الإيطالية. وكما هي الحال في عملية محاكمة ترامب، فإن الكونغرس الإيطالي سيقرر ما إذا كان سيتخذ هذه الإجراءات ضد سالفيني أم لا.

    أما بقية حلفاء ترامب الآخرين فقد احتفظوا بصمتهم على نحو مثير للتساؤل. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المشغول حالياً بفضائحه المتعلقة بالفساد، حذراً بإبقاء مسافة بين إسرائيل والولايات المتحدة، بشأن اغتيال ترامب لقائد فيلق القدس الإيراني، الجنرال قاسم سليماني. وكذلك الرئيس البرازيلي، غايير بولسونارو، الذي يواجه تهديدات بفرض عقوبات على تجارة بلاده مع أميركا، لم يتحدث صراحة عن دعمه لترامب. وكذلك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي انضم إلى ترامب في البيت الأبيض، في نوفمبر الماضي، وظهر أمام الصحافيين قبل وقت قصير من جلسات محاكمة ترامب في مجلس النواب. وكان يقصد الإشارة إلى دعم ترامب بالتأكيد، لكن اردوغان ظل هادئاً في ما يتعلق بالتحديات السياسية التي تواجه الرئيس ترامب.

    وباستثناء إسرائيل والفلبين، حيث يحظى ترامب بالشعبية، فان معدل قبول الرئيس الأميركي حول العالم أصبح منخفضاً جداً. واستناداً إلى استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» للأبحاث في 32 بلداً العام الماضي، فإن 29% من الشعب الأميركي فقط يثقون بالرئيس. وحتى في دول تحكمها قيادة يمينية مثل المملكة المتحدة، كان أنصار ترامب أقل من 30% من الشعب. وهذا يساعد على فهم السبب الذي دفع بوريس جونسون إلى أن يجازف بالطلب من ترامب «عدم التدخل» في انتخابات المملكة المتحدة، في نهاية العام الماضي.

    وكانت سياسات ترامب الخاطئة، وتوجهه نحو فرض العقوبات التجارية على أقرب حلفائه، ومزاجه المتقلب، كلها تساعد على تفسير السبب الذي جعل زمرة القادة الشعبويين واليمينيين حول العالم يفضلون التريث إلى حين تحديد مستقبل ترامب السياسي.

    «البريكست» واليمين المتطرف الأوروبي

    كانت ردة فعل الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا على «البريكست» هادئة، وتتمحور حول رسالتين، هما: احترام التصويت الشعبي، وتجنب مفاوضات مؤلمة، خصوصاً ماري لوبن وماتيو سالفيني، وافقا على ضرورة احترام «إرادة الشعب»، وحذّرا الاتحاد الأوروبي من عدم استغلال مفاوضات مؤلمة في «البريكست» بهدف معاقبة المملكة المتحدة، وردع الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد عن التفكير في الانسحاب.

    وأعرب قائدا حزب «البديل لألمانيا» المتطرف، ألكساندر غولاند وليس فيديل، عن مشاعر مماثلة، لكن حزب البديل دعا إلى «خروج» ممكن لألمانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو أول حزب ألماني كبير يتبنى مثل هذه السياسة. وفي الواقع فإنه باستثناء حزب البديل كانت الأحزاب اليمينية الكبيرة الأخرى حذرة جداً في التهديد بخروج محتمل من الاتحاد الأوروبي.

    وكانت حركة انتقاد الاتحاد الأوروبي التي ظهرت في العقد الأول من القرن الحالي، قد أنتجت دعوات للانسحاب من الاتحاد الأوربي، ما أفسح المجال إلى حد كبير لظهور مختلف الاستراتيجيات اليمينية المتطرفة، التي كانت تهدف إلى اكتساب النفوذ ضمن الهيكليات الأوروبية واستغلالها لطرح أجندتها.

    ويبدو أن هذه الاستراتيجيات المتطرفة تريد إجراء التغيير في أوروبا لمصلحة الناخبين. ونأى حزب «رالي الوطني»، وهو الاسم الجديد لحزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي، عن فكرة «فركست»، ومغادرة منطقة عملة اليورو، لأن «الشعب الفرنسي أظهر تأييدا للعملة الموحدة»، وفق وثيقة نشرها الحزب، أو كما قال سالفيني نفسه «نحن لا نريد مغادرة أي شيء، نحن نريد تغيير أنظمة وقوانين الاتحاد الأوروبي من الداخل»، وحتى الدولة التي يوجد بها أعلى المشاعر المؤيدة للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وهي جمهورية التشيك، كانت نسبة المؤيدين للخروج تساوي 34% فقط.

    وأما الجزء الآخر من القصة، فهو زيادة التمثيل اليميني المتطرف في البرلمان الأوروبي، والتنسيق بين الأحزاب اليمينية المتطرفة في الفضاء الأوروبي ونفوذ المنظمات غير الحكومية اليمينية المتطرفة، مثل منظمة «ستزن غو»، ولطالما كانت المملكة المتحدة شيئاً غريباً في الاتحاد الأوربي، حيث انضمت متأخرة، وفاوضت على استثناءات من قوانين الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن «البريكست» سيكون أمراً غريبا أيضاً.

    ماذا بعد؟

    في عام 2017، وبالنظر إلى انتصارات ترامب، و«بريكست» في العام الذي سبقه، يمكن تبرير تفاؤل غيرت ويلدرز حول مستقبل اليمين المتطرف. وفي السنوات القليلة التي تلت، يمكنه أن يشير إلى أسباب أخرى لابتهاجه، مثل فوز بولسونارو في البرازيل، وإعادة انتخاب نارندرا مودي في الهند، ونجاح اليمين المتطرف في هنغاريا، والانتخابات البرلمانية البولندية، وكذلك «حزب البديل لألمانيا».

    يبدو أن انتصار اليمين المتطرف وادعاءاته بالابتعاد المؤكد عن الليبرالية، سيعانيان ضربة كبيرة. لكن الأسلوب الحذر الذي تتعامل به الأحزاب اليمينية في شتى أنحاء العالم مع محاكمة ترامب و«بريكست»، يمكن أن يكون مؤشراً إلى أن هؤلاء اللاعبين السياسيين يتبنون الآن استراتيجيات طويلة الأمد للحصول على السلطة. ويبدو أن استراتيجيتهم الطويلة الأمد تسير ببطء نحو اختراق المؤسسات الديمقراطية على المستويين الوطني وما وراء الوطني.

    الوضع ضبابي

    الوضع في عام 2020 ليس جلياً تماماً، إذ إن الفضائح طغت على قادة أمثال نتنياهو وبولسونارو وحتى ترامب نفسه. ووصلت مشاركة اليمين المتطرف في الحكومة النمساوية إلى نهايتها نتيجة فضيحة فساد أخرى. وعلى الرغم من التغطية الإعلامية الكبيرة، فشلت جهود المستشار الأيديولوجي لترامب، ستيف بانون، لبناء «القومية الدولية» في أن تأتي أُكلها.

    وتعتمد أشياء كثيرة حالياً على عاملين: نتائج مفاوضات الـ«بريكست» ونتيجة انتخابات 2020، فإذا واجهت المملكة المتحدة صعوبات اقتصادية نتيجة انسحابها من الاتحاد الأوروبي، فإن ردة الفعل السلبية ضد جونسون والسياسيين الشعبويين ستكون كبيرة، وإذا خسر ترامب الانتخابات في نوفمبر، لدى المندوبين الانتخابيين إضافة إلى الانتخابات الشعبية، فإن ذلك سيكون بمثابة رسالة قوية مفادها أن شكل الشعبوية التي كان ينادي بها، والتي تستند إلى كره الأجانب، يفتقر إلى الكثير من الجاذبية.

    جون فيفر: مدير «فورين بوليس إن فوكس»


    - استراتيجية اليمين المتطرف الطويلة الأمد، تسير ببطء نحو اختراق المؤسسات الديمقراطية، على المستويين الوطني وما وراء الوطني.

    - الأسلوب الحذر، الذي تتعامل به الأحزاب اليمينية في شتى أنحاء العالم مع محاكمة ترامب وبريكست، يمكن أن يكون مؤشراً إلى أن هؤلاء اللاعبين السياسيين يتبنون الآن استراتيجيات طويلة الأمد للحصول على السلطة.

    - كانت سياسات ترامب الخاطئة، وتوجهه نحو فرض العقوبات التجارية على أقرب حلفائه، ومزاجه المتقلب، كلها تساعد على تفسير السبب الذي جعل زمرة القادة الشعبويين واليمينيين حول العالم يفضلون التريث إلى حين تحديد مستقبل ترامب السياسي.

     

    طباعة