في غمرة سعيه لبعث النفوذ التركي الآفل

جهود أردوغان لتحقيق أهداف سياسية دولية وإقليمية ستضرّ باقتصاد بلاده

صورة

كشف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد قمة الاحتفال بالذكرى الـ70 لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، عن رسالة واضحة تنم عن تصميم أنقرة على فرض نفسها قوةً على الساحة العالمية تتمتع بالاستقلالية. وقال أمام أعضاء الجالية التركية في لندن، الشهر قبل الماضي: «اليوم، تستطيع تركيا أن تبدأ عملية لحماية أمنها القومي من دون طلب إذن من أي شخص»، ويمثل هذا البيان نموذجاً واضحاً للسياسة الخارجية التركية الصارمة، التي غالباً ما تكون أحادية الجانب، والتي تبناها أردوغان في السنوات الأخيرة. في أكتوبر تحدت تركيا الحلفاء الغربيين، لترسل قوات إلى شمال شرق سورية ضد رغبات «ناتو». وبعد شهرين تعهد الرئيس التركي بنشر قوات في ليبيا، على الرغم من دعوة الأمم المتحدة العالم إلى احترام حظر الأسلحة.

رغبة تركيا في التطلع إلى نفوذ أكبر في جوارها ليست جديدة. إلا أن سعيها الجريء المتزايد نحو تحقيق أهدافها، أثار غضب الزعماء الأوروبيين والعرب على حد سواء. ويقول دبلوماسي أوروبي: «يبدو أن تركيا تزداد عدوانية يوما بعد الآخر»، ويضيف «مطالبها تزداد حجماً».

بدأ النشاط التركي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يتزايد بعد الانتفاضات العربية التي هزت المنطقة عام 2011. فقد قدمت تركيا الدعم للجماعات التي تقاتل الرئيس السوري، بشار الأسد، في سورية، وآزرت الرئيس المصري المعزول، محمد مرسي. وكانت أنقرة تأمل، من خلال هذه التدخلات، استعادة نفوذها وأمجادها في أجزاء من الإمبراطورية العثمانية السابقة، إلا أن مقامرتها فشلت عندما هبت روسيا لإنقاذ الحكومة السورية، وبعد عزل مرسي في مصر.

ويقول محللون إن نهجاً جديداً لمصلحة العمل العسكري المباشر، ظهر بعد الانقلاب الفاشل الذي تعرض له أردوغان عام 2016، ما أدى بالتالي إلى إضعاف الاستقلال الذاتي للجيش، ومكّن الرئيس التركي من تعزيز سلطته. ومنذ ذلك الحين، شنت تركيا ثلاث عمليات توغل عسكرية منفصلة في شمال سورية، بما في ذلك هجوم أكتوبر المثير للجدل على الميليشيات الكردية التي حاربت تنظيم «داعش» نيابة عن الولايات المتحدة.

وفي أماكن أخرى عدة، أرسلت تركيا سفناً حربية لمنع شركات النفط الأوروبية من التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، وتحدت رغبات حلفاء «ناتو» عندما اشترت نظام دفاع جوي من موسكو. كما سعى أردوغان - الذي زار الجزائر وغامبيا والسنغال - إلى توسيع نطاق علاقة تركيا بالداخل الإفريقي.

كانت الخطوة الأكثر إثارة للدهشة من قبل المراقبين، هي قرار الرئيس التركي، الشهر الماضي، التعمق أكثر في النزاع الليبي، بعد قراره إرسال مستشارين عسكريين، ومرتزقة سوريين مدعومين من تركيا، لدعم حكومة طرابلس.

وتهدف تركيا من خلال هذا التدخل، إلى الحصول على مقعد لها على طاولة المحادثات حول مستقبل هذه الدولة التي مزقها الحرب، إلا أن هذا الدعم العسكري أثار انتقادات شديدة من واشنطن والعواصم الأوروبية.

ويقول الدبلوماسي التركي السابق، سنان أولجن، الذي يترأس الآن مركز دراسات «إيدام» ومقره إسطنبول، إنه «أمر لا مفر منه»، لأن أي زعيمٍ حكم تركيا في السنوات الأخيرة، كان لزاماً عليه أن يعيد تقييم مكانة بلاده في عالم متغير، ويضيف أن الدول الغربية هي المسؤولة جزئياً عن هذه الطبيعة الحادة لهذا التحول، فمع «انهيار» علاقة أنقرة بالولايات المتحدة «وانعدام الفاعلية التامة» للاتحاد الأوروبي شريكاً أمنياً بديلاً لأنقرة، كانت النتيجة الطبيعية لذلك شعور تركيا بأن عليها أن تكون أكثر نشاطًا لمعالجة مخاوفها الأمنية.

ويعتقد أولجن أن حدة التوتر التي سببها تعديل السياسة الخارجية لتركيا، قد تفاقمت بسبب تآكل الحريات الأساسية في البلاد، خلال العقد الماضي، ما أثار قلق المسؤولين في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ويقول إن هذه الخلفية المحلية جعلت من «الأصعب بكثير» على تركيا الانتقال بسلاسة بشأن تعديل علاقاتها الدولية. وأصبحت السياسة الخارجية متداخلة بشكل متزايد مع السياسة الداخلية، حيث سعى أردوغان غالباً إلى استعداء الدول الغربية لاستجداء الدعم الشعبي.

فبعد فشل الأتراك ذات مرة في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، صار ينظر الآن العديد من المسؤولين الأتراك إلى أوروبا بازدراء، ويشككون في جدية بروكسل في قبول تركيا في هذه الكتلة. وفي موازاة التصريحات الأوروبية بأن عمليات تنقيب تركيا عن الغاز في المياه القريبة من قبرص كانت غير قانونية، تساءل أحد كبار المسؤولين الأتراك: «لماذا يأخذون الحق بأيديهم ليقرروا ذلك؟».

لكن على الرغم من أن هذا الموقف كان له صدى واسع في تركيا، فإن أردوغان مقيد بسبب اعتماد بلاده المستمر على الغرب شريكاً تجارياً، ومصدراً للاستثمار الأجنبي. وبدا ذلك بوضوح في عام 2018 عندما دخلت البلاد في أزمة مالية، بعد أن فرض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عقوبات اقتصادية من أجل إيجاد حل للنزاع الدبلوماسي.

ويقول المحلل في معهد إلكانو رويال، اليك تيغور، وهو مركز أبحاث مقره مدريد، إن «تركيا تنوّع شركاءها في الأمن والدفاع، لكن ليس في الاقتصاد»، ويضيف «فإذا اضطربت علاقتها مع الغرب بسبب مصالحها الأمنية أو تحركاتها من جانب واحد، فإنها تخاطر أيضاً بأن تصبح ضعيفة اقتصادياً».


رغبة تركيا في التطلع إلى نفوذ أكبر في جوارها، ليست جديدة. إلا أن سعيها الجريء المتزايد نحو تحقيق أهدافها، أثار غضب الزعماء الأوروبيين والعرب على حد سواء.

طباعة