التركيز على الوقاية وتكييف بيئتنا وسلوكياتنا أدوات فعالة

    محاربة الأمراض الناجمة عن الفقر والثراء قضية ممكنة

    صورة

    تحدث «أمراض العوز» نتيجة الفقر، في حين أن «أمراض الوفرة» هي من الثراء، والغنى. وفي الحقيقة يمكن تجنب العديد من الأمراض التي تندرج تحت التصنيفين، ولكن العلاج منها يتطلب تغييراً جذرياً في أسلوب تعاطينا مع الطب والأدوية.

    ويمكن تجنب أمراض العوز، لأن الفقر يمكن تجنبه. ولدينا التجربة العملية للتخلص من الفقر المدقع ببساطة عن طريق المشاركة بالمعلومات، وإيجاد المهارات المناسبة، وإعادة توزيع جزء من المصادر الاقتصادية. وفي الحقيقة، فإن فشلنا في التغلب على أمراض العوز لا ينبع من افتقارنا للمعرفة، بقدر ما هو افتقار للإرادة، ولهذا يجب معالجة عدم الاستعداد، وليس الأمراض بحد ذاتها.

    نقص الإرادة

    وبالمقارنة، فإن أمراض الوفرة، مثل البدانة، والأمراض الناجمة عن تدخين السجائر، والكآبة، ومرض السكر، والعديد من أنواع مرض السرطان، تظهر نتيجة أسلوب الحياة الثرية. ويمكن تجنب مثل هذا النوع من الأمراض، ولكن مرة أخرى، نكرر أننا نفتقر إلى الإرادة لقهرها. وتظهر مثل هذه الأمراض لأن أسلوبنا في التعاطي مع الأدوية خاطئ أساساً، وحالما نتفهم ذلك، سنكون قادرين أكثر على معالجة أمراض العوز أيضاً.

    والمشكلة أن الأدوية الحديثة تركز بصورة رئيسة على المعاجلة، وليس على الوقاية. ومن المفترض أن يكون للناس الحق في العيش كما يريدون، ولكن إذا أصيبوا بمرض خطر، فمن المفترض أن تؤمن لهم أنظمة الرعاية الصحية المخصصة لهم، مثل الأطباء، ومديري المشافي، والباحثين الطبيين، والعلاج المناسب.

    وإذا تعاملنا بهذا الأسلوب مع سلامة الطيران، فإننا سنسمح لأي شخص بقيادة الطائرات، برخصة أو حتى من دونها، ولن نقوم بمراقبة سلامة المعدات في الطائرات. وإذا تعرضت إحدى الطائرات لحادث تحطم، سيبذل المسؤولون عن سلامة الطيران كل جهدهم لإنقاذ الجرحى، وهو الأمر الذي سيكون مكلفاً بالنظر إلى خطورة جراحهم.

    ولكن من الناحية العملية، فإن جهود سلامة الطيران تنصب بصورة كلية تقريباً على منع وقوع الحوادث في المقام الأول، ولهذا، فإن المطلوب أن تتم صيانة الطائرات بصورة منتظمة. ويجب أن تكون المعلومات المتعلقة بالطقس متوافرة دائماً. ويتلقى الطيارون والموظفون الآخرون العاملون في هذا المجال تدريبات رسمية صارمة، ويطلب منهم تنفيذ الأنظمة بصرامة، لضمان عدم تأثر أداء الطيارين جراء التعب، أو المشروبات الكحوليةـ وهناك العديد من إجراءات السلامة في هذا المجال، التي يتم تنفيذ معظمها بصورة أوتوماتيكية.

    وإضافة إلى ذلك، تجري التحقيقات الدقيقة في معظم حوادث الطائرات الكبيرة من قبل هيئة وطنية، ويتم نشر تقاريرها على العلن، وغالباً ما يمنح الطيارون حصانة من الملاحقة القضائية. وتعتبر صناعة الطيران سلامة كل راكب مهمة بشكل مطلق، بغض النظر عن التذكرة التي يحملها، وما إذا كانت درجة أولى أو غير ذلك، إذ إن الاختلاف في نوع التذكرة وسعرها يعكس الاختلاف في درجة الراحة والمتعة، وليس السلامة.

    تطبيق سلامة الطائرات على الطب

    والآن لو افترضنا، أننا نطبق أسلوب سلامة الطيران على الطب، فكل شخص سيحصل على فحص صحي، وإلزامي، بانتظام، ويكون مضموناً له الاطلاع على المعلومات المتعلقة بحياته الصحية، وإضافة إلى ذلك، فإن كل شخص يمكن أن يتلقى تدريبات صارمة في كيفية الحفاظ على صحته، سواء في المدرسة أو في العمل، ويتم فرض أنظمة الحماية الصحية لكل شخص بصرامة، من خلال فحوص سلامة الصحة بصورة أوتوماتيكية.

    وفي الوقت ذاته، توجد هيئة وطنية تقوم بفحص جميع الأمراض الرئيسة، وتنشر تقاريرها على الملأ. والأطباء هم مثل الطيارين، يتمتعون بالحصانة من الملاحقة القضائية. وفي النهاية، فإن النظام الصحي سيبدي اهتمامات متساوية للأمور الصحية الأساسية، بغض النظر عن المبلغ الذي يدفعه الأفراد من أجل رعايتهم الصحية، وبالطبع فإن المستويات المختلفة من المبالغ التي يدفعها الأشخاص على صحتهم، تعكس الاختلاف في درجة الراحة وليس في نوعية المعالجة.

    وللحصول على ذهنية تركز على الصحة الجيدة في الطب، بدلاً من وجهة النظر السائدة، التي مفادها أن الطب وجد لمعالجة الأمراض، من المفيد أن نسترشد برأي العالم الألماني، ديتليف غانتين، في مجال الصحة، والذي وضعه في الصيغة التالية: «تعتمد صحتك على أعضاء جسمك، وبيئتك، وسلوكك».

    وكالعديد من الأفكار العميقة، فإن صيغة غانتين تبدو واضحة بمجرد التعبير عنها، وهي تفسر الصحة باعتبارها الحالة التي تتحقق عندما يكون سلوكنا ضمن بيئتنا متكيفاً مع حاجاتنا الجسدية. ولذلك، فإن أي سلوك يجعل أجسامنا غير متكيفة مع بيئتنا فهو غير صحي.

    وعندما نستوعب هذه الصيغة الصحية جيداً، فإننا سننظر إلى الطب بعيون جديدة. وعلى سبيل المثال، فإن أمراض السكر وضغط الدم، والتعصب الشرياني، والتهاب المفاصل، والنقرس، وحرقة المعدة، وحصى المرارة، إضافة إلى سرطان الثدي، والأمعاء الدقيقة، والبروستات، تظهر عادة نتيجة البدانة والإجهاد. وتحدث البدانة غالباً نتيجة العمل لفترات طويلة خلال النهار، والعادات الترفيهية، التي تنجم عن الطريقة التي نبني بها مكاتبنا ومدارسنا ومدننا، وبالتالي، فإن جزءاً مهماً من معالجة أمراض الوفرة والثراء يتم عن طريق تغيير الناس روتين حياتهم اليومي، كأن يمارسوا المشي مرات عدة، والرياضة بصورة منتظمة، وتجنب الأطعمة المليئة بالسكر والنشويات. ويحدث الإجهاد عادة نتيجة انعدام الأمن الوظيفي، وعدم التمكين من العمل، والبطالة، والتشرد، أو الافتقار إلى العلاقات الاجتماعية. وبالطبع فإن معالجة هذه المشكلة تنطوي على التغلب على آثار سياسة، واستراتيجيات الحكومات والشركات. وعلى سبيل المثال، إذا أتحنا للعمال السيطرة على جداول أعمالهم اليومية، فإن ذلك يشجع على ثقافة العمل التعاوني، ويمكن أن يقلل من الإجهاد، ويسهم في تحسين الصحة العامة.

    ولكن لاتزال الأدوية والأطباء وغرف العمليات تلعب دوراً في مثل هذا النظام الصحي، بالطبع، بعد اللجوء إلى جميع الفحوص الطبية، تماماً كما هي وظيفة سيارات الإسعاف بعد وقوع حادث تحطم طائرة. وبدلاً من ذلك، يجب علينا التركيز بصورة أساسية على الكيفية التي نعيش بها حياتنا، أي ماذا نعلم أطفالنا، والسياق الاجتماعي والمادي الذي نصنعه من أجل عملنا وأنشطتنا الترفيهية. وعلى الرغم من وجود اتجاه قوي نحو الرعاية الصحية العالمية، ودور مهم للحكومة، إلا أن هذا الدور يكمن وبصورة أساسية في الوقاية.

    الوقاية

    أسلوب الوقاية يمكن أن يساعد أفقر دول العالم على التغلب على الأمراض الناجمة عن الفقر. وينبغي أن تركز المساعدات الموجهة لهذه الدول على التخلص من الفقر المدقع، وإيجاد الوضع الاجتماعي، والعادات، والتوقعات، والقيم، والمعايير، والقوانين التي تشجع على الصحة الجيدة.

    وهذه رؤية جديدة لتوفير العلاج للدول الفقيرة والغنية على السواء، حيث تركز الأنظمة الصحية بصورة ساحقة على معالجة الأمراض، ولكن عن طريق التركيز على الوقاية، فإننا نستطيع تكييف بيئتنا، وسلوكياتنا، مع احتياجاتنا الجسدية، ونستطيع الشروع في عصر جديد من الطب، ويمكننا التغلب على الأمراض.

    يحدث الإجهاد عادة نتيجة انعدام الأمن الوظيفي، وعدم التمكين من العمل، والبطالة، والتشرد، أو الافتقار إلى العلاقات الاجتماعية.

    دينيس سناور : أستاذ الاقتصاد في جامعة برلين، ورئيس مبادرة الحلول العالمية


    - إن جزءاً مهماً من معالجة

    أمراض الوفرة والثراء يتم عن

    طريق تغيير الناس روتين حياتهم

    اليومي، كأن يمارسوا المشي مرات

    عدة، والرياضة بصورة منتظمة،

    والجلوس على مقاعد مصممة

    بصورة ملائمة، وتجنب الأطعمة

    المليئة بالسكر والنشويات.

    طباعة