ترامب يحتفي بالعملية لتحقيق مكاسب داخلية

    توظيفات إقليمية ودولية لمقــتل البغدادي

    صورة

    ثمة تساؤلات عدة يطرحها الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم «داعش»، أبوبكر البغدادي، تبدأ بماهية الدلالات المرتبطة بالعملية، وتنتهي بمستقبل التنظيم الإرهابي. فالعملية التي نفذتها القوات الأميركية الخاصة داخل الأراضي السورية تداخلت مع سياقات إقليمية ودولية متشابكة، ربما تدفع العديد من الأطراف إلى توظيف عملية استهداف البغدادي لخدمة مصالح بعينها، ناهيك عما أنتجته هذه العملية من إشكاليات متعلقة باستشراف مستقبل «داعش»، وقدرته على الاستمرار.

    الإعلان الأميركي

    خرج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في خطاب تلفزيوني، يوم الأحد 27 أكتوبر 2019، ليؤكد نجاح عملية استهداف البغدادي، وقال: «الليلة الماضية اقتصّت الولايات المتحدة من زعيم الإرهاب الأول في العالم»، في إشارة إلى العملية التي نفذتها القوات الأميركية الخاصة داخل الأراضي السورية ضد الموقع الذي كان يختبئ فيه أبوبكر البغدادي. وأضاف ترامب أن «البغدادي وصل إلى نهاية النفق بينما كانت كلابنا تلاحقه. فجّر سترته، فقتل نفسه وأطفاله الثلاثة. شوهت الانفجارات جثته، وانهار النفق فوقه».

    ووفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد تم الحصول على المعلومات حول موقع وجود واختباء البغدادي بعد اعتقال واستجواب إحدى زوجاته، وحاملة رسائله في الصيف الماضي. وأضافت الصحيفة أنه استناداً إلى هذه المعلومات، عملت وكالة الاستخبارات المركزية مع مسؤولي المخابرات العراقية والكردية في العراق وسورية لتحديد مكان البغدادي بصورة أكثر دقة.

    وتذكر الصحيفة أيضاً أن أولى الخطط لتنفيذ العملية بدأت في الصيف الماضي، عندما شرعت وحدة «كوماندوز» تابعة لقوة دلتا الخاصة في وضع خطط للتدريب على القيام بمهمة سرية لقتل زعيم «داعش» أو القبض عليه.

    ويشير العديد من التقارير إلى أن عملية استهداف البغدادي تمت على مرحلتين، حيث بدأت في حدود الساعة الـ12 بمنتصف الليل، حينما استهدفت ثماني مروحيات أميركية وطائرتان مسيرتان نقطة قريبة من قرية باريشا بمحافظة إدلب السورية، على مدى 90 دقيقة تقريباً، وبعد نحو نصف ساعة عادت وبدأت بالقصف مجدداً. وفي هذه الأثناء، أجرت المروحيات إنزالًا لعناصر يُعتقد أنهم من القوات الخاصة، وبعد ذلك كانت هناك مرحلة ثانية من الاشتباكات دامت ساعتين ونصف الساعة تقريباً.

    دلالات رئيسة

    تُشير المعلومات المتاحة عن عملية استهداف البغدادي والسياقات المصاحبة لها إلى عدد من الدلالات الرئيسة، المتمثلة فيما يلي:

    الاحتفاء والوصم

    فقد احتفى الرئيس الأميركي بعملية استهداف البغدادي، وحتى قبل أن يخرج في الخطاب التلفزيوني كتب تغريدة على «تويتر» يقول فيها: «حدث للتو أمر هائل»، وطرح «ترامب» خلال الخطاب التلفزيوني تفاصيل عملية استهداف البغدادي، باعتبارها جزءاً من سياسة الترويج لإنجاز الإدارة الأميركية. وبموازاة هذا الطابع الاحتفائي لخطاب الإدارة الأميركية، انطوى خطاب ترامب على وصم للبغدادي، وتوصيفه بصفات سلبية، وهو ما يعكس سعي ترامب لتقويض صورة البغدادي لدى أتباعه.

    وفي هذا السياق، قال ترامب: «السفاح الذي حاول كثيراً ترويع الآخرين، قضى لحظاته الأخيرة في قلق وخوف وذعر مطبق، خشية أن تنقض عليه القوات الأميركية». وكرر ترامب كلمة الجبن ومترادفاتها لتوصيف اللحظات الأخيرة في حياة البغدادي، وذكر أنه «قُتل وهو يبكي ويصرخ مثل الكلب الجبان».

    موقع العملية

    إذ تم استهداف البغدادي في مكان اختباء داخل قرية باريشا بمحافظة إدلب السورية، وهو أمر يثير عدداً من التساؤلات حول كيفية وصول البغدادي إلى هذه المنطقة، لاسيما أنها تشهد وجوداً لعدد من الفصائل غير المتوافقة مع تنظيم «داعش»، ومعادية له.

    ثمة تفسيرات عدة لوجود البغدادي في المنطقة، ومنها افتراض البغدادي أن الوجود في تلك المنطقة سيكون مستبعداً من قبل القوى المناوئة له، خصوصاً أن العديدين اعتقدوا، خلال الأشهر الماضية، أن البغدادي كان يختبئ مع عدد صغير من الكوادر، سواء في محافظة الأنبار غرب العراق، أو في صحراء البادية الشاسعة في حمص بوسط سورية. وربما لجأ البغدادي أيضاً إلى هذه المنطقة المستبعدة، لأنها منطقة غير واضحة النفوذ، ومن ثم يمكن التحرك فيها بقدر من السهولة، لغياب السيطرة الكاملة والمطلقة لأي طرف من الأطراف. علاوة على الاعتقاد بأن المنطقة بعيدة عن مناطق سورية انتشرت فيها قوات أميركية دعماً للقوات الكردية، في سياق الحرب على تنظيم «داعش».

    الشراكة الاستخباراتية

    تشير المعلومات والتقارير المتاحة عن شراكة عملياتية في استهداف البغدادي، وعبّر عن هذه الشراكة الرئيس الأميركي ترامب، حينما أشاد بتعاون تركيا وروسيا والأكراد وسورية والعراق في تنفيذ العملية، وأشار ترامب إلى أن روسيا سمحت للمقاتلات الأميركية بالتحليق في مناطق سيطرتها، كما ذكر أن سورية سمحت له بالتحليق فوق أراضيها. وأكد أيضاً أن المقاتلين الأكراد زودوا قواته بمعلومات «حيوية»، في حين سمحت تركيا لواشنطن بالتحليق فوق أراضيها.

    وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع التركية عن دورها في العملية، حيث ذكرت في بيان «قمنا، اعتماداً على مبادئ التعاون وتجنب التدخلات المتبادلة مع العناصر الأميركيين، بتوجيه تحذيرات لقواتنا، واتخذنا إجراءات في الوقت اللازم لضمان أمن العمليات والكوادر». وأعلن العراق أيضاً عن دوره في عملية استهداف البغدادي، حيث نشر الجيش العراقي بياناً، مفاده «بعد متابعة مستمرة، وتشكيل فريق عمل مختص، وعلى مدار سنة كاملة، تمكن جهاز المخابرات الوطني العراقي من تحديد الوكر الذي يختبئ فيه رأس (داعش) الإرهابي، المجرم أبوبكر البغدادي ومن معه في محافظة إدلب السورية».

    التشكيك الروسي

    على الرغم من إشادة الرئيس الأميركي بالدور الروسي في العملية، والتيسيرات التي قدمتها موسكو للقوات الأميركية، إلا أن روسيا شككت في العملية، إذ قال وزير الدفاع الروسي، إيغور كوناشينكوف، في بيان أصدره بعد وقت وجيز من كلمة الرئيس الأميركي، إن الجيش الروسي لم يمتلك «معلومات موثوقة» حول قيام القوات الخاصة الأميركية في إدلب بذلك. وأضاف كوناشينكوف أن «الأعداد المتزايدة للدول والجهات التي يُزعم مشاركتها في هذه العملية بشكل مباشر، وكل منها يعطي تفاصيل متناقضة، يُثير أسئلة وشكوكاً مشروعة حول حدوثها حقاً ومستوى نجاحها على وجه الخصوص».

    وحاول وزير الدفاع الروسي تقويض الخطاب الأميركي في هذا الصدد، من خلال تأكيده أن القوات الروسية لم تسجل غارات جوية أميركية أو من قبل ما يُسمى بالتحالف الدولي في منطقة خفض التصعيد بإدلب، يوم السبت 26 أكتوبر 2019 أو خلال الأيام السابقة لذلك.

    ولا يمكن إغفال أن هذا السعي الروسي لتقويض السردية الأميركية قد يكون مرتبطاً بمحاولة موسكو التقليل من شأن العملية، وتجنب احتسابها إنجازاً غربياً في خضم الصراع القائم بينها وبين القوى الغربية. وربما يعكس هذا الموقف الروسي امتعاض موسكو من مسارعة تنفيذ واشنطن لعملية استهداف البغدادي.

    دعم ترامب

    من المرجّح أن يكون توقيت عملية استهداف البغدادي مرتهناً بسعي ترامب لتحقيق إنجاز سياسي يساعده في تخفيف الضغوط الداخلية المفروضة عليه، والمساعي التي يبذلها الحزب الديمقراطي لعزله من منصبه، ناهيك عن الانتقادات التي تعرض لها ترامب عقب قراره بسحب القوات الأميركية من سورية، وهو القرار الذي اعتبره العديدون تمهيداً لإحياء «داعش» مجدداً، والتهديدات التي يمثلها. ومن ثمّ، قد يعوّل ترامب على مقتل البغدادي ليدعم قراره بالانسحاب من سورية.

    لقد كانت التوترات السياسية الداخلية بين ترامب والحزب الديمقراطي حاضرة في خلفية عملية استهداف البغدادي، حيث ذكر الرئيس الأميركي أنه تعمد حجب المعلومات عن عملية استهداف البغدادي عن بعض أعضاء «الكونغرس».

    في المقابل، انتقدت رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، ترامب، لأنه أبلغ روسيا بالعملية، وفقاً لتصريحات الرئيس الأميركي، قبل إبلاغ «الكونغرس» بالأمر. ولم تكتفِ بيلوسي بذلك، بل اتهمت ترامب ضمنياً بعدم الكفاءة، حينما قالت: «تستحق قواتنا المسلحة والحلفاء قيادة قوية وحكيمة واستراتيجية من جانب واشنطن».

    التوظيف التركي المحتمل

    ربما توظف أنقرة عملية استهداف البغدادي لخدمة مصالحها، ومواجهة الانتقادات التي تعرضت لها على خلفية تدخلها العسكري في سورية من خلال عملية «نبع السلام». فقد سارعت وزارة الدفاع التركية، بعد الإعلان عن مقتل البغدادي، لتؤكد أنه جرى تبادل معلومات بين السلطات التركية والأميركية، قبل العملية.

    وصرّح الرئيس التركي، رجب أردوغان، أيضاً بأن مقتل البغدادي «يمثل نقطة تحول في حربنا المشتركة ضد الإرهاب»، وهذا الأمر ربما يدلل على احتمالات استخدام تركيا في الأيام المقبلة للعملية لتحسين صورتها السلبية.

    وقد أثار هذا التوظيف التركي المحتمل للعملية هواجس قوات سورية الديمقراطية، ذات الغالبية والقيادة الكردية، التي سارعت هي الأخرى لتؤكد أن عملية «نبع السلام» التركية أخرت عملية قتل البغدادي. ولم تكتفِ قوات سورية الديمقراطية بذلك، ولكنها أشارت إلى أن عملية استهداف البغدادي تمت بمشاركة «مؤثرة» من جانب مخابراتها، وكانت العملية نتاج خمسة أشهر من العمل المشترك والتنسيق مع الاستخبارات الأميركية، لكنها أُجلت بسبب «العدوان التركي».

    مستقبل «داعش»

    صحيح أن مقتل زعيم تنظيم «داعش» ستكون له تأثيرات عميقة في بنية التنظيم، إلا أن هذا لا يعني انتهاء التنظيم والتهديدات الأمنية التي يمثلها، على أقل تقدير على المدى القريب، ويستند هذا الافتراض إلى عدد من الاعتبارات، أولها حضور فكرة الخلافة المزعومة التي طرحها تنظيم «داعش»، خلال السنوات الماضية، ليتحول التنظيم إلى ماركة brand لها جاذبيتها بالنسبة لأتباعه، وهو ما سيدفع عناصر التنظيم إلى الحفاظ عليه بأقصى درجة ممكنة، ولو عبر اللجوء إلى الكمون المؤقت، وانتظار اللحظات المناسبة لتنفيذ عمليات إرهابية في مناطق متفرقة.

    ومن ناحية ثانية، تساعد سياسة اللامركزية التنظيمية التي تبناها «داعش» في السنوات الأخيرة في تعزيز احتمالية استمرار تهديده، إذ استدعت الضغوط العسكرية على «داعش» التوجه المتزايد نحو اللامركزية في العمليات القتالية، وتشكيل خلايا نائمة في كل من سورية والعراق، في إطار استراتيجية حرب العصابات، فضلاً عن التعويل على الحراك الجغرافي، والانتقال بعيداً عن مناطق الصراعات التقليدية، والبحث عن مواطئ قدم جديدة تمنح التنظيم حيزاً أكبر للحركة.

    ومن جهة ثالثة وأخيرة، يحتمل أن يقابل عناصر «داعش» خبر مقتل البغدادي، والإهانات اللفظية التي وجهها الرئيس الأميركي له، بتنفيذ عمليات إرهابية مؤثرة، للثأر لمقتل زعيم التنظيم. وفي هذا الإطار، ثمة إمكانية لأن تتزايد التعقيدات التي يمثلها التنظيم إذا تنامى تأثير التيار الأكثر تطرفاً وراديكالية داخل التنظيم، لاسيما ذلك المحسوب على ما يعرف بتيار «الحازمية»، خصوصاً أن الفترة التي سبقت مقتل البغدادي كشفت عن خلافات داخل التنظيم، وسعي تيار «الحازمية» إلى السيطرة على التنظيم وقراراته.

    مستقبل مفتوح

    يظل مستقبل «داعش»، على المديين المتوسط والبعيد، مفتوحاً أمام سيناريوهات عدة، تتأرجح من جهة بين استمرار التنظيم وتكوين هيكل قيادي جديد قادر على تدعيم التنظيم ورؤيته المتطرفة، والحصول على مبايعة وولاء التنظيمات والولايات الفرعية. ومن جهة أخرى، قد يتعرض التنظيم لأزمة حقيقية تقوض من تماسكه وبنيته الداخلية، ليتحول إلى مجرد تنظيمات صغيرة منفصلة، تعمل في سياقات محلية، وتتنازع حول إرث «داعش» وشرعية تمثيله.


    - تساعد سياسة

    اللامركزية التنظيمية

    التي تبناها «داعش»

    في السنوات الأخيرة

    في تعزيز احتمالية

    استمرار تهديده،

    إذ استدعت الضغوط

    العسكرية على

    «داعش» التوجه

    المتزايد نحو

    اللامركزية في

    العمليات القتالية،

    وتشكيل خلايا نائمة

    في كل من سورية

    والعراق في إطار

    استراتيجية حرب

    العصابات.

    - كانت التوترات السياسية الداخلية بين «ترامب» والحزب الديمقراطي

    حاضرة في خلفية عملية استهداف البغدادي، حيث ذكر الرئيس الأميركي

    أنه تعمّد حجب المعلومات عن عملية استهداف البغدادي عن بعض

    أعضاء «الكونغرس»، بمن في ذلك كبار الديمقراطيين في اللجان المشاركة

    في التحقيق في قضية عزله، خوفاً من تسريب المعلومات.

    طباعة