نظراً إلى إصرار جميع الأطراف على تحقيق مصالحها

    اتفاق أردوغان وبوتين لن يضع حــــداً للقتال في سورية

    الرئيسان بوتين وأردوغان توصّلا إلى اتفاقية حول شمال سورية في مدينة سوتشي الروسية. أرشيفية

    خلال الأسبوعين الماضيين، كان هناك عمل مضنٍ من أجل التوصل إلى اتفاقية بين تركيا وروسيا حول سورية، تُوجت بانتصار حققه الرئيسان: الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، في مدينة سوتشي الروسية، أخيراً. ويبقى السؤال المهم الذي يطرح بقوة، هل ستستمر هذه الاتفاقية إلى فترة معقولة؟ بعد ثماني سنوات من الصراع الدموي في سورية، تحتفل موسكو وأنقرة باتفاقيتهما، المشكّلة من 10 نقاط، باعتبارها بداية النهاية. لكن الاتفاقية لا يمكن أن تستقيم إلا إذا قررت الأطراف الأخرى، المشاركة في الحرب الأهلية، أن تتفق على العمل وفق خطة بوتين وأردوغان.

    وبناء عليه، ما الذي اتفقت عليه روسيا وتركيا؟ من خلال النقاط الـ10 التي تشكل الاتفاقية الرسمية، يمكن إيجاد العديد من الاستنتاجات.

    أولاً، وافقت تركيا على وقف غزوها للأراضي السورية، وستعمل على احتلال مساحة من الأرض أقل ما كانت قد خططت له، أي 20 ميلاً في عمق سورية، وأطلق عليها «المنطقة الآمنة»، التي أعلنت تركيا أنها ستنشئها في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد.

    وثانياً، ستعمل روسيا، مع قوات الرئيس بشار الأسد، على طرد وحدات حماية الشعب الكردي من منطقة الحدود السورية - التركية، وبالتالي يكون قد عالج بعضاً من مخاوف تركيا الأمنية.

    وثالثاً، ستقوم تركيا وروسيا بتنفيذ دوريات عسكرية مشتركة ضمن الحدود السورية على طول معظم منطقة الحدود. وإذا تم تنفيذ هذه الاتفاقية وفق ما هو مخطط لها، فإنها ستعزز سيطرة الحكومة السورية، وتقلل من سلطة وحدات حماية الشعب الكردي، وهي المصدر الرئيس لقلق تركيا.

    ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه الاتفاقية ستستمر، وربما تكون روسيا وتركيا ملتزمتين بها، لكن من غير المرجح أن تمتثل لها المجموعات المتحاربة الأخرى. ولنبدأ بالأكراد.. لقد كان الجانب الأساسي للمفاوضات بين أردوغان وبوتين أنه «تجب إزالة جميع عناصر قوات حماية الشعب الكردي و أسلحتهم» من مناطق معينة، وأن «كلا الجانبان سيتخذان الإجراءات الأساسية لمنع تسرب العناصر الإرهابية إلى المنطقة الآمنة»، وبالتأكيد فإن قوات «حماية الشعب الكردي»، التي تشكل معظم قوات سورية الديمقراطية، ليس لديها خيار سوى الامتثال للاتفاقية على المدى القصير. وكان قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب القوات الأميركية من سورية، قد سحب البساط من تحت قادة وحدات حماية الشعب التركي، ولذلك انسحبوا بدورهم من أجزاء من المنطقة الحدودية.

    تفكيك القوات

    وإذا تم تفكيك هذه القوات فلابد من وجود طرف يقوم بهذا التفكيك. لكن روسيا، حتى بعد أن نشرت جنودها من أجل «الدوريات المشتركة» الموعودة، لن تكون لديها القوات اللازمة من أجل حملة متواصلة ضد وحدات حماية الشعب الكردي، كما أن روسيا ليس لها أي مصلحة في إضعاف قوة الأكراد القتالية. وربما ليس لدى الرئيس الأسد القوة لإجبار وحدات حماية الشعب الكردي على تسليم أسلحتها، لكن من غير المرجح أن يكون مستعداً لذلك. لأنه سيكون من غير المنطقي أن يستخدم موارده القليلة من أجل القضاء على عدو أنقرة اللدود، في وقت أصبحت تركيا وسورية متنافرتين حول العديد من القضايا.

    ولذلك، فإن أنقرة مخطئة في اعتقادها أن قضية الأكراد السوريين قد انتهت، صحيح أن الدوريات المشتركة المنبثقة عن اتفاق بوتين - أردوغان يمكن أن تمنع وحدات حماية الشعب الكردي من الاقتراب من الحدود، لكن تركيا تدرك جيداً أن الاحتفاظ بهذه المنطقة بوساطة جيش منظم، ليس الطريقة الوحيدة التي تمكّن ميليشيات الأكراد من شن الحرب. وكان صراع أنقرة، الذي استمر لعقود عدة من الزمن، مع حزب العمال الكردستاني، الذي انبثقت عنه وحدات «حماية الشعب الكردي»، صراع حرب عصابات وهجمات إرهابية. وكان حزب العمال عادة يشن هجمات بالقنابل اليدوية في تركيا وترد أنقرة بغارات جوية على مخابئ حزب العمال الكردستاني، في الجبال الواقعة شمال العراق. وحتى لو نجحت تركيا وروسيا وسورية في قمع الوحدات الكردية في سورية، فإن المجموعات الكردية من غير المرجح أن تستسلم، وإنما ستتبنى أسلوب حرب العصابات الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني. وإذا استمرت الميليشيات الكردية في القتال، فإن تركيا ستعود إلى التهديد بالقوة لحماية مصالحها.

    وبالطبع فإن وحدات «حماية الشعب الكردية» ليست الطرف الوحيد الذي تأثر باتفاقية بوتين - أردوغان. وموافقة الرئيس الأسد مهمة جداً من أجل استمرارية هذه الاتفاقية. وتبدو أنقرة متفائلة بأن روسيا ستجبر الحكومة السورية على الموافقة على شروط الاتفاقية، باعتبار أن الأسد حليف روسيا. لكن موسكو تقول إن الحكومة السورية شريك يصعب العمل معه، وتلقى الأسد أكبر مكافأة روسية، وهي الحفاظ على نظامه.

    لكن دمشق ليست بحاجة إلى مساعدة روسيا، مثلما كانت عليه الحال في بداية الحرب، نظراً إلى أن المعارضة أصبحت مقسمة وضعيفة، ولا تشكل أي خطر على الأسد. ومن المؤكد أن الرئيس الأسد ليس له أي أمل في مواصلة سيطرته على كامل الأراضي السورية من دون دعم من الكرملين.

    تناقض

    ثمة تنقاض واضح في اتفاقية للحفاظ على سلامة الأراضي السورية، تم التفاوض عليها من قبل قوتين خارجيتين، من دون مشاركة من الحكومة السورية. وعندما تقول أنقرة إنها تدعم سلامة الأراضي السورية، فإنها تقصد أنها تريد أن تكون سورية موحدة بحكم القانون والواقع، لكن على أن يكون لدى تركيا النفوذ الفعلي على طول الحدود السورية، والحق لضمان أن المقاتلين الأكراد لا يستخدمون هذه المنطقة قاعدة من أجل هجماتهم على تركيا. وكانت اتفاقية أردوغان - بوتين تحوي إشارة إلى اتفاقية أضنة بين تركيا وسورية عام 1998، التي وعدت الحكومة السورية فيها بعدم إيواء مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وكانت تركيا قد ضمنت بقاء اتفاقية عام 1998 عن طريق التهديد بغزو سورية.

    وفي الوقت الحاضر، سيرحب الرئيس الأسد باتفاقية بوتين - أردوغان لمنع قيام أنقرة بغزو واسع لشمال سورية، لكن من المرجح ألا تتخلى الحكومة السورية عن الدفع نحو استعادة منطقة إدلب في شمال غرب سورية، التي أصبحت الآن تحت حكم خليط من الميليشيات. وتنظر تركيا إلى إدلب باعتبارها جزءاً من منطقة نفوذها، وهي تشعر بالقلق من أن أي هجوم سوري على المنطقة من شأنه أن يؤدي إلى حدوث موجة من اللاجئين الهاربين من الحرب إلى تركيا.

    وبالطبع فإن من الممكن أن يشجع مزيج من الدبلوماسية الروسية الماهرة وحالة الإنهاك التي تعيشها الأطراف الأخرى، على التنازلات من قبل جميع الأطراف. لكن السنوات الثماني الماضية من عمر الصراع تشير إلى أن العكس هو الصحيح، إذ يعتقد الرئيس الأسد أنه الفائز، وتعتقد تركيا أن تهديداتها قد أجبرت الأطراف الأخرى على تقديم التنازلات.

    كريس ميللر: أستاذ جامعي ومدير معهد فورين بوليسي للأبحاث


    - روسيا ليس لها أي مصلحة في إضعاف قوة الأكراد

    القتالية، وربما ليس لدى الرئيس الأسد القوة لإجبار

    وحدات حماية الشعب الكردي على تسليم

    أسلحتها.

    طباعة