وسط معارضة أوروبية ورفض أميركي

    الهجوم التركي شمال سورية يؤثر على دول الإقليم بشكل كبير

    صورة

    شنت القوات التركية هجوماً واسعاً في 9 أكتوبر الجاري على منطقة شمال شرق الفرات في سورية ضد ميليشيا «قوات سورية الديمقراطية» الكردية (قسد)، في إطار عملية أطلق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «نبع السلام»، بهدف فرض منطقة آمنة بحدود 30 كلم بعرض الحدود السورية – التركية المشتركة (نحو 13 ألف كلم من مساحة شرق الفرات). ووفقاً لتقارير مختلفة، فإن أردوغان أجرى اتصالات عدة مع واشنطن وموسكو كما أخبر الحكومة السورية بالعملية رسمياً. وتشير تلك التقارير إلى أن هناك معارضة دولية لسقوط ضحايا بين المدنيين، بينما عارضت العملية دول أوروبية في مقدمتها فرنسا وألمانيا، ورفضت «قسد» الموقف الأميركي تجاهها مطالبة بإقامة منطقة حظر جوي.

    الموقف الميداني

    بدأت عملية الهجوم بالضربة الأولى بقذائف جوية من طائرات «إف 16» من القاعدة الثامنة في منطقة ديار بكر التركية على منطقتي رأس العين وقامشلي (قرى مشرافا ورأس عيسى في الريف الشمالي للرقة، وقرية جرانك على أطراف قامشلي، وأحياء الزيتونة وقناة السويس). وأظهرت التقارير حشداً عسكرياً تركياً ضخماً يعكس نوايا أنقرة لاحتلال منطقة واسعة للغاية على الحدود ربما تصل إلى ما قد يتجاوز المساحة المعلنة بـ30 كلم، بزعم توطين ملايين اللاجئين السوريين فيها. كما تعكس التقارير أيضاً عدم قدرة قوات «قسد» على صد الضربة الأولى من الهجوم المدفعي والجوي، وانهيارها في المواقع المستهدفة في رأس العين، لكن فى أعقاب الضربة الأولى تمكنت من إطلاق قذائف على بعض المناطق التركية.

    تأثيرات محتملة

    وتفرض العملية العسكرية التركية تأثيرات عدة يمكن تناولها على النحو التالي:

    1- عملية نزوح واسعة

    يبدو أن عملية نزوح واسعة للمدنيين بدأت في المناطق التي شهدت الهجمات التركية، وربما يكون مسارها في اتجاه قامشلي وعين العرب ورأس عيسى.

    2- انهيار المسار السياسي

    أُطلِقت العملية العسكرية بينما تجرى الاستعدادات لاجتماعات خاصة باللجنة الدستورية، ومن المتصور أنها ستلقي بظلالها على العملية السياسية، وهو ما أشارت إليه موسكو على وجه التحديد باعتبارها الطرف الذي قاد حوارات آستانة.

    3- إعادة تموضع مزدوج

    اقترن التوغل التركي بمشاركة قوات ما يسمى بـ«الجيش الوطني الموحد»، المكون من قوات المعارضة السورية المسلحة وقوامها تقريباً 14 ألف عنصر، ويعتقد أن تمارس دوراً في إطار العملية العسكرية.

    4- عودة ثانية لـ«داعش»

    قد يكون إطلاق الآلاف من عناصر «داعش» أحد انعكاسات تلك العملية، فحسب تقارير لـ«قسد»، هناك 10 آلاف «داعشي» محتجزون لديها في مراكز اعتقال مختلفة، ولا توجد ضمانات بإمكانية السيطرة على انتشار هذا العدد من عناصر «داعش» في ظل هذه العملية. وقد حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره التركي رجب طيب أردوغان مسؤولية مكافحة «داعش»، وهو ما يشير إلى أن واشنطن لا تستبعد عودة التنظيم إلى الظهور في شرق الفرات. وقد أشارت تقارير عدة إلى أن القوات الأميركية تمكنت من القبض على عنصرين «داعشيين» خطيرين، بما يدعم احتمالات أن تكون تلك المعتقلات المشار إليها قد تم فتحها.

    5- تغير خريطة التحالفات

    يبدو أن التنسيق الأميركي - الكردي قد انهار تماماً، وسيكون من الصعب إعادة تفعيله في ظل موقف الأكراد المعلن من القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة. وعلى الجانب الآخر، قد يتجه الأكراد عملياً إلى التحالف مع النظام السوري في شرق الفرات ضد قوات المعارضة السورية فى إطار تقارب المصالح. كذلك قد ينعكس الأمر على العلاقات الروسية – التركية، حيث قد ترى موسكو أن أنقرة تنسق بدرجة أكبر مع واشنطن في تلك المنطقة، بشكل قد يؤثر على استمرار التفاهمات التي تجرى في إطار مسار الآستانة.

    سيناريوهات مرتقبة

    يتوقع أن تكون هناك سيناريوهات عدة محتملة، سيتوقف كل منها على التطورات الميدانية وشكل ونمط التحرك التركي في شرق الفرات:

    السيناريو الأول أن تكون العملية العسكرية محدودة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل محددات عدة، منها أنه قد يحدث تراجع تركي إلى خط المنطقة الآمنة الافتراضية في إطار الضغوط الدولية، فعلى الرغم من أن مجلس الأمن لن يصل إلى موقف موحد تجاه تركيا، فإن الضغط الدولي سيكون في إطار مواقف منفصلة وسينصب على ردود فعل تلك الأطراف على تجاوز أنقرة للخطة العسكرية، التي أطلعت عليها تلك الدول من عدمه، لكن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين أو التموضع في مساحة أكبر مما يمكن القبول به، سوف يشكل عامل ضغط قوياً قد يضع حدوداً للعملية. كذلك قد تكون هناك ضغوط ميدانية منها أن التمدد التركي بعمق كبير قد لا تتوافر معه ضمانات السلامة، فانطلاق العملية كان من موقع رأس العين تحديداً، وهي ذات أغلبية عربية أكثر منها كردية، ومن المعتقد أنه سيكون من الصعوبة تأمين تجاوز القوات التركية لخط الطريق الدولية أربيل - حلب، القريبة من رأس العين (على بعد 25 كلم تقريباً). كذلك قد تكون هناك صعوبة في توغل الطيران التركي في مساحة تتجاوز المنطقة الآمنة، وسيتوقف الأمر على دور غرفة العمليات الجوية الأميركية هناك، وما اذا كانت ستسمح بتجاوز الحدود المتفق عليها أم لا. السيناريو الثاني أن يتطور التوغل إلى عملية واسعة، وهو سيناريو أقل ترجيحاً وأكثر كلفة، لكن قد لا يكون من المستبعد أن تحاول تركيا تحقيق أهدافها من العملية عبر الانتشار في شرق الفرات على عمق واسع، ربما يتجاوز حدود المنطقة الآمنة التي تريدها، والتي قد تتضاعف عما هو معلن، بالإضافة إلى أنها ستسعى لتدمير البنية التحتية العسكرية الكردية في تلك المناطق، على غرار ما جرى في مناطق غرب الفرات في جرابلس وعفرين وغيرهما، وتعميم النموذج ذاته، حيث تحولت تلك المناطق إلى ما يمكن تسميته بـ«مستعمرات» تُفرَض فيها كل أنماط الحياة التركية وليس السورية على النحو الذي تروج له أنقرة. السيناريو الثالث أن تتوسع العملية ثم تتراجع تدريجياً، وذلك في الحدود المقبولة من جانب القوى الدولية، بعد أن تستعرض تركيا قوتها ضد الأكراد وتؤكد من خلالها أنها قد تعود للتوسع مرة أخرى في حال تعرضها، حسب مزاعمها، لأي تهديد، وربما قد تلجأ إلى ذلك كمظهر للاهتمام باستيعاب المواقف الدولية. في المحصلة الأخيرة، يبدو أن الأزمة السورية تتجه نحو مزيد من التأزم، ومن المرجح أن تشكل تداعيات العملية العسكرية متغيراً مؤثراً على الأصعدة كافة الخاصة بالملف السوري، وطبيعة التفاعلات السياسية والميدانية خلال المرحلة المقبلة.

    العملية العسكرية التركية أُطلِقت بينما تجرى الاستعدادات لاجتماعات خاصة باللجنة الدستورية.

    التنسيق الأميركي - الكردي انهار تماماً، وسيكون من الصعب إعادة تفعيله، في ظل موقف الأكراد المعلن من القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة.

    طباعة