استغلته أطراف أخرى لتحقيق مصالحها

    الهجوم التركي على سورية يوقف الحرب ضد «داعش»

    معتقلو «داعش» لدى قوات سورية الديمقراطية يمكن أن يهربوا نتيجة الهجوم التركي. أرشيفية

    توقفت العمليات المقررة لحرب تنظيم «داعش» في سورية، بعد أن شنت تركيا هجوماً عسكرياً عبر الحدود، حسبما ذكره مسؤولون أميركيون وسوريون لصحيفة فورين بوليسي. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية: «جميعنا توقفنا الآن»، مشيراً إلى أن جميع مهمات الاستخبارات والمراقبة، التي كانت موجهة ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، أصبحت «تركز الآن على حماية قواتنا».

    وأكد مبعوث مجلس سورية الديمقراطي إلى الولايات المتحدة، بسام صقر، أن عمليات مكافحة الإرهاب توقفت الآن، نظراً إلى أن المقاتلين الأكراد يتحركون شمالاً بأعداد كبيرة لمواجهة التقدم التركي. وهذا المجلس هو الأداة السياسية لقوات سورية الديمقراطية، ومعظمها من الأكراد، وكانت قد لعبت الدور الرئيس في القتال على الأرض ضد «داعش» في سورية، وتوج ذلك التحرك بهزيمة التنظيم بداية العام الجاري. وقال متحدث من المجلس: «سنبذل ما بوسعنا، لمحاربة أعدائنا».

    وجاء التوقف عن الحرب ضد «داعش»، بعد أن عبرت القوات البرية التركية الحدود إلى سورية، في حين بدأت الطائرات الحربية التركية، والمدافع، بقصف المواقع الكردية، بما فيها البلدات الحدودية، والمواقع التي تقع على 25 كيلومتراً داخل شمال سورية. وتعرضت بلدة عين عيسى، حيث مقار قوات سورية الديمقراطية، ومجلس سورية الديمقراطي للقصف، وفق تأكيدات المسؤولين.

    ويأتى التقدم التركي في سورية، بعد مكالمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتركي رجب طيب أردوغان، أعلن بعدها ترامب انسحاب قواته من سورية، مانحاً تركيا الضوء الأخضر لشن هجومها على شمال سورية. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية إن قرار ترامب بسحب القوات الأميركية من شمال سورية «يعتبر أسوأ قرار سياسي، منذ الحرب على العراق».

    وكان المسؤولون الكبار في وزارة الدفاع الأميركية «يبذلون ما بوسعهم»، لمنع ترامب من اتخاذ قرار انسحاب جميع القوات الأميركية من سورية، وفق المسؤول، وهي خطة كان الرئيس قد كررها الأسبوع الماضي. وفي الوقت ذاته، استفاد تنظيم «داعش» من الغزو التركي والهجوم على مواقع قوات سورية الديمقراطية، وكان قد نفذ هجمات انتحارية عدة ضد قوات سورية الديمقراطية بمدينة الرقة، وفق ما ذكرته هذه القوات.

    وفي الواقع، إن تنظيم «داعش» ليس الوحيد الذي استفاد من الغزو التركي لشمال سورية، إذ إن جيش الحكومة السورية تحرك نحو مدينة منبج في شمال سورية، ونحو منطقة إدلب في الشمال الغربي، حسبما ذكره مسؤولون. وتشعر وزارة الدفاع الأميركية - بصورة خاصة - بالقلق من مغبة مواجهة تهديد جديد من الشمال، إذ إن قوات سورية الديمقراطية ستترك السجون التي تعج بأعداد كبيرة من مقاتلي تنظيم «داعش». وقال مسؤول كبير في الوزارة: «نشعر بقلق شديد على السجون، التي يوجد بها معتقلو التنظيم، إذ إن المعتقلين سيفرون من هذه السجون عندما يتوغل الجيش التركي في شمال سورية».

    وقال البيت الأبيض إن تركيا ستسيطر على السجون، التي تحوي مقاتلين من جميع أنحاء الكرة الأرضية، والذين جاؤوا إلى سورية للانضمام إلى المجموعات المسلحة. لكن الخبراء أعربوا عن شكوكهم إزاء إنجاز تركيا هذه المهمة بصورة سليمة.

    وأشار العضو السابق في البرلمان التركي، والذي يعمل الآن في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية»، أيقان أردمير، إلى أن العديد من منشآت الاعتقال تقع داخل الأراضي السورية، أي ما وراء المنطقة التي تخطط تركيا لاحتلالها في المراحل الأولى للعملية. وقال: «هل تستطيع تركيا، وحلفاؤها من المعارضين السوريين، تسلم هذه المراكز الأساسية لاعتقال مقاتلي (داعش) في سورية؟ إنها ستكون مهمة مستحيلة». وأضاف: «أنها وصفة لإنتاج كارثة، في الوقت الذي نواصل مشاهدة مزيد من مقاتلي (داعش) يفرون من هذه المعتقلات، ومن ثم يعيدون تجميع أنفسهم». وفي الوقت ذاته تعمل الأمم المتحدة على إقناع دول العالم بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي حول سورية، وذلك بطلب من بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبولونيا والمملكة المتحدة.

    وفي بيان جديد وصف الرئيس ترامب، مساء الأربعاء الماضي، الغزو التركي لشمال سورية بأنه «فكرة سيئة»، لكنه كرر سحبه بقية الجنود الأميركيين الموجودين بسورية، ما وصفه بأنه «حروب عبثية بلا نهاية» في الشرق الأوسط. وقال ترامب إن تركيا ملتزمة بحماية المدنيين والأقليات، وإن الولايات المتحدة «ستجبرها على هذا الالتزام»، وقال ترامب أيضاً: «تركيا الآن مسؤولة عن ضمان عدم هروب جميع مقاتلي (داعش) الموجودين بالمعتقل، وعدم السماح للتنظيم بإعادة تجميع نفسه، وتشكيل قوته من جديد»، وفي وقت لاحق من اليوم ذاته، أكد ترامب قراره سحب القوات الأميركية، وقال: إن الأكراد لم يدعموا الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وأضاف: «الآن الأكراد يقاتلون من أجل أراضيهم، لهذا يجب أن تفهموا أنهم لم يقدموا لنا المساعدة في الحرب العالمية الثانية، وهم لم يقدموا لنا المساعدة في إنزال (نورماندي)، على سبيل المثال». وقال رئيس القيادة المركزية السابق، الذي تقاعد في مارس الماضي، جوزيف فوتيل، خلال نقاش بين الخبراء في واشنطن: «بالنسبة لي، فإن جميع هذه المشاعر محبطة». وأضاف: «أمر محبط أن نتخلى عن شركائنا، وربما نساعد في حدوث كارثة إنسانية بهذه المنطقة، وأننا نتنازل عن ميزة استراتيجية تم تحقيقها بشق الأنفس، والمتمثلة في لعب دور مهم، فيما يمكن الاعتراف بأنه مشكلة طويلة الأمد، ويصعب جداً إيجاد حل سياسي في هذه المنطقة المضطربة من العالم».

    وأدى سحب ترامب للقوات الأميركية إلى ظهور ردة فعل شرسة من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، اللذين تعهدا بمعاقبة تركيا عن طريق فرض عقوبات عليها.

    وأعلن السيناتوران: الديمقراطي كريس فان هولين، والجمهوري لندسي غراهام، عن مشروع قانون صارم، يستهدف أموال كبار المسؤولين الأتراك في الولايات المتحدة، بمن فيهم أردوغان نفسه، إضافة إلى فرض عقوبات ضد قطاع الطاقة التركي، وفرض حظر على تلقي المساعدات العسكرية الأميركية، وعقوبات إضافية بموجب قانون عام 2017 الذي استهدف روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية. وقال فان هولين، في تغريدة له: «هذه العقوبات ستكون سريعة المفعول، وستنطوي على عواقب وخيمة لأردوغان وجيشه».

    لكن غراهام، وهو حليف قوي لترامب، لم يوجه إليه أية انتقادات مباشرة وقوية. وكتب في تغريدة يوم الأربعاء يقول: «لندعُ لحلفائنا الأكراد، الذين تخلت عنهم إدارة ترامب بصورة مخجلة. وستضمن هذه الخطوة إعادة ظهور تنظيم (داعش)».

    لارا سيلغمان، روبي غرامر كاتبان في «فورين بوليسي»


    البيت الأبيض قال إن تركيا ستسيطر على السجون، التي تحوي مقاتلين من جميع أنحاء الكرة الأرضية، والذين جاؤوا إلى سورية للانضمام إلى المجموعات المسلحة. لكن الخبراء أعربوا عن شكوكهم إزاء إنجاز تركيا هذه المهمة بصورة سليمة.

    طباعة