شهدت ما بين 283 و292 عملية إطلاق نار منذ بداية العام

    أميركا.. خطابات الكراهية وانتشار السلاح يعززان حوادث القتل العشوائي يومياً

    صورة

    شهدت الولايات المتحدة تزايداً في معدلات جرائم القتل الجماعي، الذي وصلت ذروته، خلال شهر أغسطس الماضي، حيث وقع في مدينة إل باسو بولاية تكساس هجوم، ثم لم يمضِ على الحادث سوى بضع ساعات حتى شهدت مدينة دايتون بولاية أوهايو هجوماً آخر، ومنذ بداية العام يثور نقاش حول المحفِّزات التي دفعت إلى تصاعد هذه الجرائم، حتى إن بعض وسائل الإعلام الأميركية طرحت تساؤلاً مهماً عقب حادثَي إطلاق النار في تكساس وأوهايو، هو: لماذا تشهد الولايات المتحدة حوادث قتل عشوائي يومياً وهي الدولة الأغنى في العالم؟

    مؤشرات متصاعدة

    يتبين لمتابع حوادث القتل الجماعي، التي شهدتها الولايات المتحدة منذ مطلع العام الجاري، أنّه كان عاماً دموياً، بالنظر إلى الإحصاءات المتداولة حول أعداد تلك الحوادث، ومتوسط وقوعها يومياً، فضلاً عن ضحاياها من القتلى والمصابين. وفي هذا السياق، تمكن الإشارة إلى أنّ حادثَي إطلاق نار بشكل عشوائي، أوقعا قرابة 20 شخصاً بمدينة إل باسو في تكساس، ونحو 10 أشخاص بمدينة دايتون في ولاية أوهايو، لم يفصل بينهما أكثر من 24 ساعة، وذلك مطلع أغسطس 2019، ليعقبهما مباشرةً حادثان مماثلان لإطلاق النار في مدينة شيكاغو، أسفرا عن مقتل نحو ثلاثة أشخاص وإصابة 37 شخصاً، الأمر الذي جعل شهر أغسطس الأكثر دموية وعنفاً في عام 2019، إذ أسفرت حوادث القتل الجماعي عن وقوع قرابة 53 قتيلاً خلال هذا الشهر وحده.

    وبالنظر إلى الإحصاءات الصادرة عن منظمة (GVA) Gun Violence Archive في سبتمبر 2019، وهي منظمة غير حكومية معنية برصد حوادث إطلاق النار التي تشهدها المدن والولايات الأميركية على مدار العام؛ نجد أنّ الولايات المتحدة قد شهدت حوادث قتل جماعي تراوح بين 283 و292 حادث إطلاق نار منذ بداية العام، بمتوسط بلغ حادثة أو أكثر يومياً. وقد أفضت هذه الحوادث إلى وقوع نحو 1300 قتيل.

    وما تجدر الإشارة إليه، في هذا السياق، أنّ تعريف مفهوم القتل الجماعي، وفقاً لمنظمة «GVA»، يشير إلى حادث إطلاق النار الذي يُسفر عن مقتل أربعة أشخاص أو أكثر، بخلاف المنفِّذ للحادث، في التوقيت والمكان نفسيهما.

    وبمقارنة الإحصاءات الواردة عن حوادث القتل الجماعي هذا العام، بالعامين السابقين، يمكن القول إنّ هذا العام قد حقّق معدلات مرتفعة في حوادث القتل الجماعي، تكاد تقترب من المعدلات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال عامي 2017 و2018، التي بلغت نحو 346 و340 حادثاً على الترتيب، بيْدَ أنّ عام 2016 لايزال هو الأكثر دموية خلال العقد الماضي، حتى اللحظة الراهنة، إذ شهد ما يقارب 382 حادث إطلاق نار عشوائي.

    محفزات متعددة

    جاء وقوع حادثَي إطلاق النار في ولايتَي تكساس وأوهايو، خلال الشهر قبل الماضي، اللذين لم يفصل بينهما سوى بضع ساعات، ليسلّط الضوء على ظاهرة القتل الجماعي في الولايات المتحدة، ومعدلاتها المتفاقمة خلال السنوات الـ10 الأخيرة، وهو ما يُثير جملة من التساؤلات حول العوامل المحفِّزة لتلك الظاهرة، خصوصاً أنّ «الإسلاموفوبيا» لم يعد هو المفسر الوحيد لمعدلات القتل الجماعي الآخذة في التصاعد، بل يُعتقد أنّ حوادث القتل الجماعي، أو «جرائم الكراهية» كما يُطلق عليها في وسائل الإعلام الأميركية، أضحت تُعْزَى بشكل رئيس إلى جملة من العوامل التي شكّلت متغيرات جديدة منذ تولِّي دونالد ترامب مقاليد الحكم، الذي كان إيذاناً بتصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين في الولايات المتحدة، على اختلاف أصولهم ودياناتهم، أضِف إلى ذلك الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية العنيفة، ووسائل التواصل الاجتماعي وما يرتبط بها من خدمات بث مباشر اسْتُخدمت أكثر من مرة لتصوير عمليات انتحار وحوادث قتل جماعي، ومن ثم بروز عامل «المحاكاة» أو «التقليد»، ضمن العوامل والأسباب المؤدية للانتشار الواسع لحوادث القتل الجماعي، ومن ثم يمكن الإِشارة إلى عدد من الأسباب، وذلك في ما يلي:

    1- ثقافة «حمل السلاح»:

    فمن خلال استطلاعات الرأي، التي أجراها Pew Research Centre، خلال عام 2017، أظهرت النتائج أنّ قرابة 40% من المبحوثين أجابوا بأنهم يمتلكون سلاحاً، أو يمتلك أحد أفراد أسرتهم سلاحاً، ووفقاً للاستطلاعات التي يجريها المركز تُعَد الفئة العمرية 18 - 29 سنة هي الأكثر تأييداً لحق الفرد في امتلاك السلاح. وقد أظهرت النتائج أيضاً أن نحو ثُلث المبحوثين، الذين تتجاوز أعمارهم الـ50 لديهم سلاح، بينما تتضاءل معدلات امتلاك السلاح في فئة المراهقين (28% فقط يمتلكون السلاح)، وأنّ الرجال ذوي البشرة البيضاء هم الأكثر امتلاكاً للأسلحة. وثمة إحصاءات تشير إلى أنّه على الرغم من أنّ الأميركيين يمثلون أقل من 5% من إجمالي تعداد سكان العالم، إلا أنّهم يمتلكون نحو 45% من إجمالي الأسلحة النارية المنتشرة عبر العالم.

    2- صعود خطاب الكراهية:

    إذ أظهرت نتائج استطلاع رأي أجراه مركز Pew، في عام 2015، حول مدى استجابة المبحوثين من دول عدة، لنشر خطاب يُظهر كراهية أو عداءً تجاه الأقليات القاطنة بالمجتمع على مواقع التواصل الاجتماعي، أنّ نحو 67% من المبحوثين الأميركيين أظهروا تأييداً لحق الفرد في أنْ ينشر علانية منشورات تتضمن هجوماً أو إساءة إلى الأقليات والجنسيات الأخرى بالمجتمع الأميركي. ولا يقتصر انتشار خطاب الكراهية بين الأوساط غير الرسمية فحسب، بل تجاوزها إلى الأوساط الرسمية منذ تولي ترامب الحكم؛ فالمتأمل لكثير من تصريحات وتغريدات الرئيس الأميركي، يلاحظ استخدام كثير من الألفاظ العنصرية والإساءة والتمييز ضد المهاجرين، وربما وصل الأمر إلى التحريض ضدهم. ولعل واحداً من هذه التصريحات الفجة لترامب، في مطلع عام 2018، تمحور حول وصف الدول الإفريقية، وبالتبعية المهاجرين الأفارقة إلى الولايات المتحدة، بالحثالة، على حد تعبيره.

    وأسهمت النبرة العنصرية، التي تكتنف حديث ترامب حول أوضاع المهاجرين بالولايات المتحدة، في تغذية خطاب الكراهية لدى المواطن الأميركي، ليس فقط ضد المهاجرين من أصول عربية ومسلمة، وإنما ضد المهاجرين بشكل عام.

    ويمكن، في هذا السياق، الإشارة إلى البيان الذي نشره مرتكب حادث إطلاق النار بولاية تكساس، في أغسطس الماضي، والذي كشف فيه عن نيته الاضطلاع بالهجوم كرد على الغزو الإسباني لتكساس. بالإضافة إلى تنامي النزعة العدائية ضد الجالية اليهودية بالولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، أعلنت السلطات الأميركية، في 19 أغسطس المنصرم، إلقاء القبض على رجل هدّد بإطلاق النار على مركز يهودي في ولاية أوهايو؛ إذ نشر جيمس ريردون البالغ 20 عاماً، مقطع فيديو على الإنترنت لرجل يطلق النار، وكتب تحته تعليقاً يُشير إلى مركز يانجستاون الواقع شمال مدينة بيتسبرا.

    غير أنّ ترامب قد أبدى تراجعاً، أو بالأحرى تخفيفاً من حدة نبرته العنصرية، عقب حادثَي تكساس وأوهايو، حيث اتّجه في تصريحاته لانتقاد أيديولوجيا تفوّق العرق الأبيض، وطالب بتنفيذ عقوبة الإعدام لمن يرتكب جرائم كراهية.

    3- أزمة القوانين الأميركية:

    عقب وقوع حادث قتل جماعي، يثور جدل حول أزمة القوانين الأميركية، وتساهلها في منح رخصة حمل السلاح للمواطنين. فالبعض يشير إلى أنّ شراء سلاح بالولايات المتحدة يُعَد أمراً بسيطاً لا يتطلّب سوى إشهار بطاقة الهوية، لتسجيل بيانات المشتري، ورقم السلاح الذي يرغب في شرائه. فحق حمل السلاح يكفله الدستور الأميركي لأغراض الدفاع عن النفس. وهذا التساهُل أفضى في واحدة من تداعياته المباشرة إلى تزايد معدل وقوع الجرائم بوساطة الأسلحة النارية، التي وصلت إلى نحو 68% من إجمالي الجرائم المرتكبة في عام 2014 وحده.

    وأصبحت الولايات المتحدة، وفقاً لكثير من الإحصاءات، تتصدّر قائمة الدول التي تشهد معدلات مرتفعة لجرائم إطلاق النار؛ والتي تُقدّر بنحو ستة أضعاف معدل جرائم إطلاق النار في كندا، ونحو سبعة أضعاف معدل هذا النوع من الجرائم في السويد. وبالتالي تتصدّر الولايات المتحدة قائمة الدول المتقدمة التي تشهد معدلات جرائم مرتفعة، سواء ارتُكِبت بأسلحة نارية أو غيرها.

    وتجدُر الإشارة إلى أنّ ترامب وعد بمناقشة ومراجعة قوانين حمل الأسلحة عقب مجزرة لاس فيغاس، التي راح ضحيتها قرابة 59 شخصاً، في أكتوبر عام 2017، وقد جدّد ترامب هذه الوعود عقب حادث إطلاق نار بغرب تكساس، مطلع الشهر الماضي. بيْدَ أن الجدل والمناظرات التي تدور بشأن مراجعة قوانين الأسلحة تتصاعد وقت الأزمة، لكنها سرعان ما تخفت حدتها بعد مرور الوقت.

    4- التغطية الإعلامية للجرائم:

    يرى البعض أنّ الاهتمام الذي تحظى به الجريمة، سواء ارتُكِبت بسلاح ناري أو بأي سلاح آخر، من قِبل وسائل الإعلام، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي؛ يحفِّز على تقليد مثل تلك الجرائم، خصوصاً في حالة حوادث إطلاق النار على المدارس، التي يضطلع بتنفيذها المراهقون. وثمة إحصاءات تشير إلى أنّه عقب التغطية الإعلامية لحادث إطلاق طالب، يُدعى نيكولاس كروز، النار بشكل عشوائي أودى بحياة 17 شخصاً من الطلاب والموظفين في فبراير عام 2018، رُصِد نحو 638 محاولة لتقليد الحادث، استهدفت العديد من المدارس وانتشرت في شكل دعابات أو خدع على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم كونها لا تعدو مزحة، إلا أنها تبرز أثر المحاكاة والتقليد في رفع معدلات جرائم إطلاق النار، خصوصاً بين المراهقين في المدارس الأميركية، ناهيك عن تأثير انتشار ألعاب الفيديو العنيفة.

    ختاماً، يمكن القول إنّ الوتيرة المتسارعة لحوادث القتل الجماعي، التي تشهدها الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية، والمدى الزمني القصير للغاية الذي يفصل حادثة عن الأخرى؛ يؤكِّدان أنّ معدلات تلك الجرائم آخذة في التصاعد، خصوصاً في ظل وجود ثقافة راسخة تؤمن بحق الفرد في امتلاك السلاح للدفاع عن النفس، وقوانين تسهّل امتلاك السلاح، فضلاً عن حالة السيولة والتدفق الإعلامي والانتشار المكثَّف لوسائل التواصل الاجتماعي، والألعاب العنيفة التي تعزِّز الرغبة في محاكاة الجرائم، وتلعب على أوتار ثلاثة هي: كراهية الآخر (أي المهاجر)، وحب المغامرة، والسعي وراء الشهرة.


    45 %

    من إجمالي الأسلحة النارية المنتشرة عبر العالم، يمتلكها الأميركيون، رغم أنهم يمثلون أقل من 5%.

    638

    محاولة لتقليد حادث، استهدفت العديد من المدارس وانتشرت في شكل دعابات أو خدع على وسائل التواصل الاجتماعي.

    67 %

    من الأميركيين يؤيدون حق الفرد في نشر منشورات علانية تتضمن هجوماً أو إساءة إلى الأقليات والجنسيات الأخرى.

    68 %

    نسبة وقوع الجرائم بوساطة الأسلحة النارية، من إجمالي الجرائم المرتكبة في عام 2014 وحده.

    طباعة