ثمة خطر من تشكل غزة جديدة في المنطقة

    إدلب تواجه مستقبلاً رهيباً بين حكم التنظيمات المتطرفة أو الإبادة الجماعية

    صورة

    خلال الأشهر الماضية أظهرت «هيئة تحرير الشام»، وهي المجموعة المتطرفة التي تسيطر على منطقة إدلب حالياً، وآخر معقل للمعارضة السورية المسلحة، استعداداً متزايداً لتقديم التنازلات. وكانت هذه المجموعة تتسم بالتطرف، نظراً لارتباط جذورها بتنظيم «القاعدة».

    ولكن بعد أن حقق الرئيس السوري بشار الأسد، بمساعدة القوات الروسية، انتصاراً كبيراً، واندحار تنظيم «داعش» في سورية، أصبح قادة «هيئة تحرير الشام» أكثر واقعية وقابلية لتقديم التنازلات، كما أن هيكلية الحركة تغيرت أيضاً. وبعد القتال مع العديد من المجموعات الأكثر اعتدالاً منها، استوعبت هذه الحركة الكثير من المقاتلين القادمين من الحركات المهزومة، والذين وصل بعضهم إلى قيادات المجموعة. وإضافة إلى ذلك، فقد رحبت «هيئة تحرير الشام» بمزيد من المقاتلين الذين تم طردهم من جنوب سورية.

    وقال أحد مقاتلي «هيئة تحرير الشام»، يدعى مازن، الذي يدخن السجائر ويقصر شعر لحيته، في دمشق كنت واثقاً بأن «هيئة تحرير الشام» شبيهة بتنظيم «داعش»، وإنه من غير المسموح التدخين لأحد، وهم يرتدون الملابس المحتشمة، ولكن لم أجد شيئاً من ذلك»، وكان مازن مثل كثيرين معارضين للحكومة السورية، غادر بيته في ضواحي دمشق، وانتقل إلى إدلب عام 2018، ومن ثم انضم إلى «هيئة تحرير الشام»، لأنه وفق ما يقول كانت «أكبر جسم يسيطر على المنطقة».

    ولكن بالنسبة لسكان إدلب في شمال غرب سورية، فإن تزايد استعداد «هيئة تحرير الشام» للتواصل مع أشخاص من خارج إدلب من أجل المصلحة، قضية غير مريحة لهم، لأنه على الرغم من الأيديولوجية الواقعية للمجموعة، إلا أنه ثمة أمر لم يتغير وهو سلوكها الديكتاتوري. ويواصل الجهاز الأمني الداخلي للمنظمة اختطاف المعارضين، وأحياناً إعدامهم. والتعذيب منتشر في كل السجون.

    وقال الصحافي سليمان، المقيم في إدلب، في مقابلة مع «فورين بوليسي»: «أفراد الأمن الداخلي في (هيئة تنظيم الشام) هم الأكثر تطرفاً»، (جميع الأسماء هنا غير حقيقية لأسباب تتعلق بسلامة أصحابها)، وأضاف سليمان «إنهم يقومون باعتقال الناس بصورة روتينية، استناداً إلى تهم زائفة من غير أي أدلة»، على الرغم من أن أحد مقاتلي «هيئة تحرير الشام» واسمه عبدالله، اعترف بأن «سكان المنطقة يكرهون رجال الأمن الداخلي لـ(هيئة تحرير الشام)».

    وبناء على ما سبق يواجه سكان إدلب، البالغ تعدادهم ثلاثة ملايين نسمة، خيارين اثنين غير مرغوبين بالنسبة للسكان: إما الاستيلاء التدريجي للحكومة السورية على المنطقة، أو اتفاق وقف إطلاق النار طويل الأمد، يضمن حماية المنطقة تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام». ويمكن أن يعتبر الخيار الأول بمثابة الموت أو السجن بالنسبة لبعض المطلوبين للحكومة السورية. وأما الثاني فإنه يعني العيش في ظل نوع جديد من القمع.

    وفي الوقت ذاته، تتساوم القوى الكبرى في المنطقة على مستقبل سكان إدلب، ففي وقت سابق من الأسبوع الماضي، وافق كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، والإيراني حسن روحاني، على المحاولة «لتخفيف التصعيد» في منطقة إدلب، على الرغم من أن كلاً منهم يدعم طرفاً مختلفاً في الصراع، حيث تحاول قوات الحكومة السورية المدعومة من موسكو الدخول إلى إدلب، منتهكة اتفاقاً جزئياً لوقف إطلاق النار الذي أعلن في الربيع الماضي في مدينة سوتشي الروسية.

    ويدرك سكان إدلب أن سيطرة الحكومة السورية على المنطقة ليس بالأمر الجيد بالنسبة إلى بعضهم. وخلال هجمات سابقة قامت بها قوات الجيش السوري على المناطق المعارضة، لم يكن لدى الرافضين للاستسلام سوى المغادرة إلى إدلب، إلى درجة أن سكان المدينة نفسها لم يعد لديهم مكان يتحركون فيه، وتَعتبر قوات الجيش السوري الذين رفضوا الاستسلام لها، إرهابيين وخونة. وتحدث سكان المناطق التي تمكنت قوات الجيش من استردادها عن عدوانية الأجهزة الأمنية في هذه المناطق، حيث تجري عمليات الاعتقال بكثرة. وعاد السكان إلى عادة سابقة، حيث التبليغ الكيدي عن بعضهم بعضاً لكسب الحظوة عند أجهزة الدولة السورية. وتعتبر الحكومة السورية كثيراً من المقاتلين الموجودين في إدلب أعداء لها وإرهابيين يجب اعتقالهم.

    وفي نهاية أبريل، شنت القوات الجوية الروسية والجيش السوري هجوماً جديداً ضد إدلب. ومنذ بداية شهر أغسطس كانت قوات الحكومة السورية تحقق تقدماً كبيراً وسريعاً، بفضل الغارات الجوية. ونجم عن ذلك هرب نحو 630 ألف شخص إلى الشمال نحو الحدود التركية المغلقة، ومقتل نحو 1031 مدنياً في الغارات.

    وقبل نهاية أبريل، ونتيجة المفاوضات الروسية التركية في نورسلطان عاصمة كازاخستان، وسوتشي في روسيا، شهدت المنطقة انخفاضاً في العنف. وبموجب اتفاق سوتشي تعين على المقاتلين مغادرة المناطق المنزوعة السلاح المحاذية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، والسماح بإعادة افتتاح الطريقين الدوليين اللذين يمران عبر المنطقة، والقادمين من الأراضي التي تقع تحت سيطرة الحكومة السورية باتجاه حلب واللاذقية. والتزم المقاتلون بوقف إطلاق النار، وكذلك الحكومة السورية، ولكن ليس لفترة طويلة.

    ويبدو أن روسيا وتركيا لهما مصلحة في تجميد القتال في المنطقة، ولهذا السبب عمدت الدولتان إلى إجراء جولة جديدة من المفاوضات حول خفض العنف. وترغب تركيا في تجنب هرب سكان إدلب عبر الحدود، وحتى إلى شمال حلب، وهي منطقة تقع تحت السيطرة التركية. وترفض المجالس المحلية في هذه المنطقة والمدعومة من تركيا تسجيل السكان الهاربين إليها والقادمين من إدلب، بحيث يصبحون سكاناً غير شرعيين، على الرغم من أنهم موجودون في بلدهم سورية. ويقوم عناصر حرس الحدود الأتراك بإطلاق النار بصورة متكررة على اللاجئين، وقتل الذين يحاولون عبور الحدود نحو تركيا. وروسيا أيضاً من ناحيتها لديها مصلحة في خفض الصراع. وهي ترغب في الحفاظ على علاقتها المزدهرة مع تركيا، لأن الهجوم على إدلب يعني تشريد آلاف المقاتلين عبر سورية، في حين أنهم متجمعون الآن تحت حكم إدلب.

    ونتيجة الضغط التركي على مجموعة «هيئة تحرير الشام»، قامت المجموعة في الأشهر الماضية باستقبال مجموعة من الصحافيين والباحثين الأجانب لزيارة إدلب تحت حمايتها، في حين أن سابقتها «جبهة النصرة» كانت تعمل على خطف الأجانب من أجل الحصول على الفديات. وسمحت المجموعة أيضاً لتركيا بتأسيس نقاط مراقبة في مناطق تحت سيطرتها، على الرغم من معارضة قادة في هذه المجموعة المتطرفة. وقال أبوإيمان، وهو أحد قادة الهيئة في حلب، لـ«فورين بوليسي»: «كنا نرفض دخول الأتراك، ولكن أُجبرنا على ذلك. وإذا لم يدخل الأتراك المنطقة فسيتم قصفها بالطائرات وتدميرها، ولذلك سمحنا بدخولهم من أجل سلامة السكان».

    ولكن العلاقة مع تركيا لاتزال تثير غضب قادة متطرفين في «هيئة تحرير الشام». وقال مقاتل يدعى مصطفى، وهو من «حزب التحرير»، الذي تم اغتيال أفراده أو اعتقالهم من قبل «هيئة تحرير الشام»، لمعارضتهم استعدادها للعمل مع اللاعبين الغرباء: «قادة (هيئة تحرير الشام) لا يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة. إنهم مقيدون. وإذا قالت قيادتهم إنه يجب عليهم الانسحاب فإنهم ينسحبون إرضاء للأتراك»، وقال مصطفى إنه ينوي القتال ضد «هيئة تحرير الشام»، لأنه يرى أن أعضاءها خونة، يتبعون الأوامر الأجنبية.

    وبدأ القتال بين الفصائل المتطرفة في عام 2016، عندما غيرت «جبهة النصرة» اسمها وقطعت علاقتها مع تنظيم «القاعدة». وقال المقاتل عبدالله، الذي انضم إلى المجموعة عندما كانت تحت مسمى «جبهة النصرة»: «انسلخ أشخاص عن (هيئة تحرير الشام)، وشكلوا منظمة أطلقوا عليها تسمية (حراس الدين)، وهي فرع (القاعدة) في سورية».

    واعتقد بعض هؤلاء أن «(جبهة النصرة) انحرفت واتبعت الغرب»، وأضاف «وبدأ مسلسل تقديم التنازلات، وكل ذلك نتيجة الضغوط»، التي خضعت لها منظمة «هيئة تحرير الشام».

    وحدث مزيد من التآكل في قوة «هيئة تحرير الشام» الآن، بسبب النفوذ التركي، حيث تضغط أنقرة على هذه المنظمة من أجل الموافقة على شروط وقف إطلاق النار التي رفضتها المنظمة سابقاً، بما فيها إعادة فتح الطرق إلى حلب واللاذقية، ودور أكبر لتركيا والمجموعات المدعومة منها في المنطقة، وربما على شكل الاندماج مع فصائل سورية معارضة أخرى أكثر اعتدالاً. وسيتعين على «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى أن تضمن أن المجموعات المتطرفة لن تنتهك وقف إطلاق النار. وقال المقاتل حسام، وهو من «هيئة تحرير الشام»، لـ«فورين بوليسي»، إن أفضل حل لقضية إدلب هو التوصل إلى وقف إطلاق النار طويل الأمد. وهو يتوقع أن تكون منظمته قادرة على ردع الفصائل المتطرفة، لأن منظمته هي «من يصنع القرار الآن».

    وقال مصطفى من «حزب التحرير»: «سنرى جولة كبيرة من القتال قريباً، إذ إن تركيا ستعطي (هيئة تحرير الشام) والفصائل، الأمر بالقضاء على تنظيمات (حراس الدين)، و(أنصار الدين)، و(أنصار التوحيد)»، لأن الفصائل المتطرفة لا تلتزم بأوامر الضامن التركي».

    وثمة تزايد في ضعف قوة المعارضة السورية أمام قوات الحكومة السورية، وهو الأمر الذي يدركه أكثر الفصائل المعارضة تطرفاً، إلى حد أنهم باتوا مقتنعين الآن أن جل ما يمكنهم القيام به الآن هو حماية إدلب فقط، ونسيان «تحرير سورية» في الوقت الحاضر. وأسهم القتال الذي اندلع الشهر الماضي في تفاقم ضعف المعارضة، نتيجة مقتل وجرح الآلاف في صفوف المعارضة، خاصة بين الوحدات المدربة على الحرب تحت الغارات الجوية الكثيفة.

    وتغير أسلوب تدريب المجندين الجدد، وكذلك التعليمات التي يصدرها ما يسمى «علماء الدين»، التابعين لـ«هيئة تحرير الشام» باستمرار، وفق ما يقوله قادة ومقاتلو هذا التنظيم. وقال القائد أبوإيمان «(رجال الدين) دائماً يعطون النصائح بألا نكون متطرفين، وألا نختلف مع السكان، وأن نكون لطفاء معهم»، وقال معظم أفراد «هيئة تحرير الشام» الذي قابلتهم «فورين بوليسي»، إن القادة و«علماء الدين» في المنظمة يبلغونهم بأن الهدف هو «تحرير سورية»، ولكنهم لا يذكرون أي تفاصيل عن شكل الحكم الذي سيأتي في ما بعد.

    وفي نهاية المطاف، فإن استقرار إدلب تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام»، والدور التركي المتعاظم في المنطقة، يمكن أن يؤدي إلى تشكيل غزة جديدة في إدلب، أي منطقة محاصرة في ظل وقف إطلاق النار لأمد بعيد تسيطر عليها منظمة متطرفة مستبدة، وتعمل لمحاربة تنظيمات أخرى متطرفة. وبالطبع فإن مثل هذا الحل ليس هو ما يصبو إليه سكان المنطقة الذين عانوا بشدة الحروب والقتل. ولكن بالنظر إلى عمليات الإبادة الجماعية التي يمكن أن تحدث إذا اندلعت الحرب، يبدو أن هذا الوضع هو أفضل المتاح حالياً.

    إليزابيث تسوركوف  باحثة في ندوة التفكير الإقليمي لسورية والعراق


    روسيا وتركيا لهما مصلحة في تجميد القتال في المنطقة، ولهذا السبب عمدت الدولتان إلى إجراء جولة جديدة من المفاوضات حول خفض العنف.

     

    طباعة