الشعبوية في أوروبا تراجعت نسبياً بسبب «بريكست»

    طريقة معالجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تهدد مستقبل المملكة المتحدة ووحـــــدتها

    صورة

    النجاح الواضح الذي حققه البرلمان البريطاني في عرقلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر، فضلاً عن النكسات التي لحقت بالأحزاب ذات السيادة في أماكن أخرى من أوروبا، دفع بعض المراقبين إلى القول بأن «الشعوبية» في أوروبا قد تجاوزت ذروتها. فقد تفرق المناهضون لأوروبا بين ثلاث مجموعات سياسية، وفشلوا في التأثير على التعيينات في المناصب العليا في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعزز الرأي القائل بأن مثل هذه الحركات السياسية قد تكون في تراجع.

    ومع ذلك، فإن إعادة تأكيد السلطة من قبل الأحزاب المحافظة والاجتماعية الديمقراطية والليبرالية في العديد من الدول الأوروبية والمعتدلين في البرلمان البريطاني قد تكون قصيرة الأجل. غالباً ما يتمسك الزعماء السائدون بالسلطة من خلال تبني سياسات الأحزاب الأكثر تطرفاً، خصوصاً في ما يتعلق بالهجرة. لقد اكتسب القوميون المتشككون في المشروع الأوروبي، في فرنسا، عدداً ضئيلاً من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي، وانتصاراً صريحاً في في المملكة المتحدة، في أعقاب تمديد الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى 31 أكتوبر. لقد تحسنت الانتخابات في جميع أنحاء أوروبا إلى درجة كبيرة.

    الوضع في المملكة المتحدة منذ 2016 يشكك في وصول أوروبا إلى «ذروة الشعبوية». فقد وصلت حركة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) إلى ذروتها بتعيين بوريس جونسون رئيساً للوزراء، في يوليو، وقراره بتعليق البرلمان لمدة خمسة أسابيع، لأنه لن يقبل بمغادرة بريطانيا في 31 أكتوبر دون اتفاق. وأدى تعليق المجلس التشريعي في بلد أطلق عليه منذ منتصف القرن الـ19 «أم البرلمانات»، إلى رفع الغوغائية إلى مستويات لم تصل إليها في الديمقراطيات الأخرى التي يحكمها السياسيون الجدد، الذين يدعون أنهم يتصرفون باسم الشعب، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل الدستور البريطاني غير المكتوب، الذي اتضح أنه بطبيعته قابل للتطبيق.

    مرونة الديمقراطية

    يمكن اعتبار تصميم البرلمان على مقاومة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة دليلاً على مرونة الديمقراطية البريطانية. ومع ذلك، فإن تعليق مجلس العموم، الذي شعرت فيه الملكة إليزابيث الثانية بأنها ليس لديها خيار سوى القبول، دون سماع آراء زعيم المعارضة، بدا وكأنه شكل من أشكال الاستبداد، وفقاً لكثير من المراقبين. شرعية هذا العمل هي الآن أمام المحاكم، ومع ذلك، فإن دعاة «بريكست» المتطرفين يصفون، مرة أخرى، الهيئتين التشريعية والقضائية في البلاد بأنهما «أعداء الشعب».

    إن استخدام هذه العبارة من قبل وسائل الإعلام، وبعض السياسيين البريطانيين، يدل على الجهل أو عدم الاكتراث بأصوله ودلالاته. يجب أن يحذر هؤلاء من اتهام أولئك الذين لديهم وجهات نظر مختلفة بأنهم «أعداء الشعب».

    في أغسطس وسبتمبر، دافع رئيس الوزراء الجديد عن خيار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة، من خلال الادعاء بأن استبعاد هذا الخيار، كما يطالب البرلمان، سيقوض مفاوضاته الجارية مع الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فقد اعترف أحد المستشارين السياسيين السابقين، بأن هذه المفاوضات كانت «زائفة»، وكان الهدف منها، فقط، كسب الوقت، حتى يصبح خروج بريطانيا حقيقة. فيما أكد كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي أن ممثلي الحكومة البريطانية لم يطرحوا أي أفكار جديدة على الطاولة، خلال محادثاتهم الوهمية في بروكسل. هذا، وعزز رئيس الوزراء الجديد من المفاهيم التي مفادها أن الكذب أصبح سمة متأصلة في القيادة البريطانية.

    وأدى قرار جونسون بطرد 21 من أعضاء البرلمان والوزراء السابقين من حزب المحافظين، بعد أن صوتوا مع المعارضة لاستبعاد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، إلى مزيد من الاستقالات، وحرمان الحكومة من أغلبيتها. أشار النقاد إلى أن رئيس الوزراء وأقرب مؤيديه قد تجاهلوا تعليمات الحزب، وصوتوا ضد اتفاقية الانسحاب التي تفاوض عليها رئيسة الوزراء السابقة، تيريزا ماي. وكان كثيرون ممن تم إقصاؤهم موثوقاً بهم، وبرلمانيين خدموا فترة طويلة. بدا أن الحزب يتخلى عن نداء «الأمة الواحدة»، ويصبح حركة ذات قضية خاصة دون تسامح مع المعارضة.

    مجتمع مستقطب

    أصبح الرأي العام في أقدم ديمقراطية أوروبية مستقطباً حول قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ثم، كما هو الحال الآن، السبب الظاهري للانقسام هو الذي أدى إلى انقسامات أعمق في المجتمع. الانقسامات في المملكة المتحدة اليوم تتعلق بالشباب مقابل الأكبر سناً، والحضر مقابل الريف، والمزدهر مقابل المحروم، وتعدد الثقافات مقابل القومية (القومية الإنجليزية، على وجه الخصوص).

    لخص الكاتب البريطاني، ديفيد غودهارت، هذه الظاهرة بالقول إن التقسيم الأساسي هو بين أناس «في مكان ما» وأناس «في أي مكان»، وهو تمييز يتزامن إلى حد كبير مع الأصوات في استفتاء عام 2016 للمغادرة أو البقاء في الاتحاد الأوروبي. وترتبط هوية الأشخاص «في مكان ما» بموقع محلي معين، في حين أن الأشخاص «في أي مكان» مرتاحون للحركية والتغيير والتنوع. وخاضت تيريزا ماي، هذه القضية المحفوفة بالمطالبة في مؤتمر حزب المحافظين لعام 2016: «إذا كنت تعتقد أنك مواطن في هذا العالم، فأنت مواطن في أي مكان».

    جهود خليفتها لتأمين انتخابات مبكرة للاستفادة من هذا الاستقطاب، والمضي قدماً في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد تم إحباطها حتى الآن. قبل تعليقه، طالب البرلمان بموجب القانون بأن تسعى الحكومة لتمديد الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد، وأشار رئيس الوزراء ومستشاروه إلى أنهم سيبحثون عن ثغرة للتحايل على هذا القانون. تولى رئيس مجلس العموم زمام المبادرة في انتقاد الرغبة الواضحة لرئيس الوزراء في تحدي القانون. إن الطريقة التي تتم بها معالجة خروج بريطانيا من الاتحاد تهدد حتى مستقبل المملكة المتحدة نفسها.

    مستقبل باهت

    إن الطريقة التي يتم بها التعامل مع القضية تهدد مستقبل المملكة المتحدة نفسها. فقد صوتت أسكتلندا وإيرلندا الشمالية، في استفتاء عام 2016، على البقاء في الاتحاد الأوروبي، في حين صوتت إنجلترا وويلز على الرحيل. هناك الآن دلائل على وجود تراجع في ويلز، حيث أصبحت تكاليف خروج بريطانيا غير واضحة. ويُسجل العديد من الإنجليز المحافظين عدم اهتمامهم إذا أدى خروج بلادهم، في نهاية المطاف، إلى تفكك المملكة المتحدة. وتشير استقالة زعيمة المحافظين الكاريزمية، في أسكتلندا، روث ديفيدسون، إلى أن للحزب مستقبلاً باهتاً شمالاً.

    سيكون التأثير الأخطر لـ«بريكست»، خارج المملكة المتحدة، على إيرلندا. فمن شأن الحدود الصارمة بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا أن تتسبب في صعوبات اقتصادية، وقد تعود التوترات بين الشطرين، التي هدأت بموجب اتفاقية بلفاست (الجمعة العظيمة) لعام 1998، كما يمكن أن يسرع الاتجاهات المواتية لإعادة توحيد الجزيرة الإيرلندية.

    وقد شعر جونسون بأنه ربما يكون قد ذهب بعيداً للغاية، ويبدو أنه يستعد ليخوض الجولة الـ11 في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني قبول عدم إقامة حدود صارمة عبر إيرلندا، وهو حل وافقت عليه سلفه في ديسمبر 2017.

    سيقدم رئيس الوزراء البريطاني الحل الوسط كتنازل من بروكسل، ثم يحاول إقناع البرلمان البريطاني بالموافقة على الاتفاق الناتج، وبالتالي تجنب الإذلال الشخصي، الذي من المرجح أن يأتي مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ربما يقبل جونسون أي حل وسط من شأنه أن يبقيه في منصبه.

    أسكتلندا ترى الخروج من الاتحاد خياراً سيئاً لكل مفاصل الحياة

    لا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لموقف أسكتلندا التي صوتت غالبية عظمى أيضاً من سكانها على البقاء في الاتحاد، وترى الخروج من الاتحاد خياراً سيئاً لكل مفاصل الحياة في الدولة، وتحديداً في وضعيتها الاقتصادية وبقية المشروعات المشتركة مع دول الاتحاد الأوروبي، وأهمها المتعلق بالتعليم العالي ومبادراته البحثية. الخروج من دون اتفاق سيحفز الأحزاب السياسية هناك، خصوصاً الحزب الوطني الأسكتلندي الحاكم، على المطالبة بإجراء استفتاء جديد للاستقلال عن بريطانيا، يضاف إلى ذلك أن أعضاء البرلمان البريطاني، بمن فيهم عدد من حزب المحافظين، يتوعدون بوقف أي مسعى للخروج من دون اتفاق، ولديهم طبعاً الأدوات الدستورية للقيام بذلك. أما في حالة إصرار جونسون على ذلك، فيمكن للبرلمان حجب الثقة عنه، ما سيؤدي إلى انتخابات مبكرة. وتُرجح آخر استطلاعات الرأي أن يكون فيها معرضا للخسارة أكثر من الفوز، ما يجعل هذا الخيار بمثابة انتحار سياسي وخسارة حلم حياته.

    تحركات على مستوى الاتحاد الأوروبي لتعزيز الديمقراطية

    من المؤكد أن الاستثناء البريطاني لم يثبت بعد أنه معدٍ. وأقنعت التكاليف والارتباك المرتبطان بخروج بريطانيا من الاتحاد، السياسيين في أماكن أخرى بعدم وجود أصوات داعمة للخروج من الاتحاد الأوروبي، أو حتى نظام عملة اليورو، لكن المدافعين عن «السيادة الوطنية»، خصوصاً في أوروبا الوسطى، يشعرون بالارتباط بالتعصب البريطاني. ويعكس قرار الحزب الحاكم البولندي في سبتمبر، بتعليق البرلمان، لمدة شهر في انتظار الانتخابات، لأسباب تكتيكية، الخطوة التي اتخذتها الحكومة البريطانية، قبل نحو أسبوعين.

    قد تكون الانتكاسات الأخيرة التي واجهها القوميون أو الأحزاب اليمينية المتطرفة، في القارة، مؤقتة. وتعتمد تطلعاتهم، جزئياً، على إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، العام المقبل، الذي يضفي، بشكل غير مباشر، المعقولية على الغوغائيين في أماكن أخرى. ولايزال يتعين إثبات متانة الحكومة الائتلافية في إيطاليا، التي تضم حركة «الخمس نجوم» المناهضة للمؤسسة القائمة، والحزب الديمقراطي الموالي للاتحاد الأوروبي. ويقدم التاريخ الأوروبي تذكيراً بعواقب الفشل في وقف النزعات الاستبدادية في الوقت المناسب.

    ويدعم بعض القادة، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التحركات على مستوى الاتحاد الأوروبي، التي يقولون إنها يمكن أن تعزز الديمقراطية الأوروبية. وتريد الرئيس المنتخب للمفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لين، تعزيز الديمقراطية عبر دول الاتحاد، وقد أسندت مسؤولية ذلك إلى مفوض جديد.

    وتقوم مجموعات المجتمع المدني بتطوير خطط تحفيزية للمبادرات المؤيدة للديمقراطية على مستوى البلدية. يجب أن تركز المناهج الدراسية بشكل أكبر على التاريخ، الذي يمكن للتلاميذ البريطانيين التوقف عن دراسته، في سن الرابعة عشرة، والتربية المدنية، وتدريب على الديمقراطية. يجب تعزيز الوعي في جميع أنحاء أوروبا بالمخاطر الكامنة في الاتجاهات الحالية، والحاجة إلى تعزيز الديمقراطية على جميع المستويات.

    مايكل ليه - خبير وباحث في كلية الدراسات الدولية المتقدمة، جامعة جون هوبكينز.

    طباعة