برلين تعتبر قرار لندن بالمغادرة بمثابة خطأ للشعب البريطاني

    فرنسا وألمانيا تضغطان لصالح خروج ملائم لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي

    ميركل تتوسط ماكرون وجونسون. أرشيفية

    أقر البرلمان البريطاني قانوناً يمنع المملكة المتحدة من مغادرة الاتحاد الأوروبي دون اتفاق في 31 أكتوبر. لكن هذا لا يستبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون صفقة: بغض النظر عما يقوله القانون الجديد، فإن جميع الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد يجب أن توافق على التمديد. لكن ماذا لو لم يوافق الزعماء الأوروبيون على تأخير آخر؟

    أحدثت التقلبات والمنعطفات، في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تعميق العزلة بين الطبقات السياسية في ألمانيا وبريطانيا. فالجهات الفاعلة السياسية الألمانية لديها ما يكفي من المناورات التكتيكية في لندن. وانطلاقاً من الاحترام العميق لديمقراطية «وستمنستر»، إن لم يكن الإعجاب بها، فقد عززت الأحداث الأخيرة الرأي القائل بأن قواعدها وإجراءاتها قد عفا عليها الزمن وتعطلت وظيفتها، وبات الإجماع السياسي والاستقرار في بريطانيا من الماضي. وأن وحدة البلاد التي يبلغ عمرها 300 عام يمكن أن تنتهي.

    والنتيجة التي يود الساسة الألمان رؤيتها هي مغادرة بريطانيا للاتحاد بطريقة منظمة. في الوقت نفسه، يدرك هؤلاء أن احتمال الخروج دون صفقة قد نما بشكل كبير، في حين أن الناخبين البريطانيين لايزالون منقسمين حول ما إذا كانوا سيغادرون أم لا. وبالنسبة لبرلين، يظل قرار المملكة المتحدة بالمغادرة بمثابة خطأ بأبعاد تاريخية للشعب البريطاني. لهذا السبب، ستكون الحكومة الألمانية على استعداد للسماح بمزيد من الوقت، إذا كان هذا يفسح المجال لتصحيح هذا الخطأ.

    وستكون برلين على استعداد لقبول تمديد آخر لموعد الخروج، وآخر بعد ذلك إذا أصبح ضرورياً.

    وفي الأغلب، تشعر الحكومة الألمانية بالقلق إزاء ما يمكن أن يحدث في حالة عدم وجود صفقة. وسيخلق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شرخاً سياسياً جدياً بين برلين ولندن، ما يسمم الخطاب والشراكة التقليدية بين الدول الأوروبية. وسيعني ذلك تكاليف إضافية على الميزانية الألمانية، لتعويض رفض بريطانيا الوفاء بالتزاماتها المالية، ووسائل إضافية لدعم إيرلندا. وفي حين أنه من المستبعد أن تنتقل العدوى إلى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي على الفور، فإن مثل هذه النتيجة يمكن أن تضعف، أيضاً، مفهوم التكامل في وقت تظهر فيه بالفعل علامات على التآكل.

    وعلى مدار الأعوام المقبلة، يمكن أن تصبح بريطانيا منتقداً بارزاً لشؤون الاتحاد الأوروبي، إذ بدأت تتفاعل مباشرة مع الدول الأعضاء، وتقول إن هذا هو «النظام الطبيعي» للشؤون الدولية: دولة ذات سيادة تتعاطى مع دولة ذات سيادة. وستكون لندن غير ملزمة بعدم الوفاء بالأهداف والقرارات الأوروبية المشتركة. في السعي لتحقيق مصالحها الخاصة، وقد يسعى مثل هذا النهج إلى تعزيز المشاعر المعادية لألمانيا في القارة، ما يزيد تعقيد الأمور بالنسبة للسياسات الألمانية في الاتحاد الأوروبي.

    ونتيجة لذلك، ودون حماسة، ستكون برلين مستعدة لقبول تمديد آخر لموعد الخروج، وآخر بعد ذلك إذا أصبح ضرورياً. ومع ذلك، لن تقبل ألمانيا أي اتفاق لا يلبي الشروط الأساسية المتفق عليها في اتفاقية الانسحاب: الالتزامات المالية للمملكة المتحدة، ووضع مواطني الاتحاد الأوروبي وحقوقهم في المملكة المتحدة، والحدود المفتوحة في جزيرة إيرلندا. وإذا توصلت لندن في نهاية المطاف إلى مقترحات أفضل لتأمين هذه الضرورات، فقد تتحقق صفقة جديدة بدعم برلين.

    وعلى الرغم من الانقسامات السياسية التي حدثت الشهر الماضي في بريطانيا، فإن موقف فرنسا لم يتزحزح. في الواقع، إن الدولة العضو المهم في الاتحاد هي الأقل رغبة في منح تمديد آخر، إذا لم يكن هناك بديل واضح وقابل للتطبيق والدعم. وعندما جاء رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، إلى باريس نهاية أغسطس بعد زيارته للمستشارة الألمانية، تعهد بأنه سيعود بخطة. ولا توجد أي علامة على هذه الخطة حتى الآن.

    ولم يتزحزح موقف فرنسا؛ فهي الدولة العضو الأقل رغبة في منح تمديد آخر. وفي هذا السياق، أشار وزير الموازنة الفرنسي، غيرالد دارمانين، مرة أخرى، خلال الأسبوع الماضي، إلى أن «فرنسا مستعدة لعدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». لكنه كشف عن مدى قلقه بشأن عدم استعداد الجانب البريطاني، خصوصاً عندما تكون النتيجة الفورية هي إعادة إنشاء حدود لم تكن موجودة منذ سنوات.

    وتستعد باريس، منذ أشهر عدة حتى الآن، من خلال سلسلة من التدريبات التي تتضمن نقل الأشخاص والبضائع عند نقاط العبور الرئيسة، مثل «دانكيرك» و«كاليه» وساحل «بريتاني». بالإضافة إلى ذلك، كلف رئيس الوزراء، إدوارد فيليب، جميع الوزراء برفع مستوى العمل، استعداداً لخروج بريطاني من الاتحاد الأوروبي، سواء ما تعلق بمؤسسات الاقتصاد الكبرى أو الأفراد. وقامت وسائل الإعلام الفرنسية بنشر سيناريو عملية خروج صعب، على نطاق واسع، إذ حددت الحكومة البريطانية أكثر العواقب وحشية لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي؛ أهمها النقص في الغذاء والمياه والأدوية، وتعطيل النقل، وخلل في إدارة الحدود. وستتعرض حركة الملاحة عبر القنال الإنجليزي إلى تقطع شديد، وربما تهبط بنسبة تراوح بين 40 و60%. وتنص خطة الخروج البريطانية، أيضاً، على إمكانية عودة الحدود المشددة مع إيرلندا.

    وبالنسبة لفرنسا، في ظل عدم وجود اقتراح مضاد مقبول من الجانب البريطاني، فإن السيناريو الأقل سوءاً بالنسبة لأوروبا، هو وضع حد لهذا الوضع، بما في ذلك عدم الموافقة على التمديد؛ إذا كان لبدء الحديث بجدية عما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد: شراكة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.


    بريطانيا يمكن أن تصبح منتقداً للاتحاد الأوروبي، وتتفاعل مع دوله الأعضاء، وتقول هذا هو «النظام الطبيعي» للشؤون الدولية: دولة ذات سيادة تتعاطى مع دولة ذات سيادة.

    طباعة