إرثه ليس الحروب في الخارج وإنما سوء عمله في واشنطن

    جون بولتون حطم مجلس الأمن القومي الأميركي

    بولتون حاول تجاهل مجلس الأمن القومي. إي.بي.إيه

    السخرية التي ميزت فترة وجود جون بولتون كمستشار للأمن القومي الأميركي، والتي انتهت ليلة الإثنين الماضي بتغريدة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمثلت في أنه عند صدور أخبار تعيينه في المنصب شعر معظم خبراء السياسة الخارجية في واشنطن بالقلق من الخراب الذي يمكن أن يرتكبه بولتون خارج الدولة، فقد كان معروفاً بوجهات نظره المتطرفة حول كوريا الشمالية وإيران والقضايا الأخرى. والعديد منهم كانوا يشعرون بالقلق إزاء الحروب التي قد يقنع بها هذا الرجل الغاضب والغامض الرئيس ترامب الذي يفتقر إلى الخبرة.

    وفي الواقع فإن إرث بولتون ليس الحروب والدمار في الخارج، وإنما سوء عمله في واشنطن، ففي 17 شهراً هي مدة وجوده في عمله قام بتدمير نظام مجلس الأمن القومي، وهو الهيكلية المعقدة التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأشهر مآثر بولتون ستظل تتمثل في تفكيكه للهيكلية التي حافظت على السياسة الخارجية الأميركية ومنعتها من الانهيار إلى الفوضى.

    والرئيس ترامب ليس أول رئيس أميركي يعتقد أنه يمكنه إدارة السياسة الخارجية للدولة بنفسه، فخلال الحرب العالمية الثانية قام الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت بإدارة جهود الحرب من المكتب البيضاوي مع حفنة من المساعدين. وكان روزفلت، الذي أطلق على نفسه اسم «المشعوذ»، «مستعداً تماماً للتضليل والإخبار بالأكاذيب إذا كان ذلك يساعده في الفوز في الحرب»، وكان يحب أن يبقي خياراته مفتوحة مع الجميع بمن فيهم القادة العسكريون والدبلوماسيون والكونغرس وحتى نائب الرئيس هاري ترومان.

    وبعد موته، قام عدد من أعضاء الكونغرس، والضباط العسكريين وبعض مستشاري روزفلت بتشكيل مجلس الأمن القومي، ومنصب مستشار الأمن القومي، لجعل جميع الطبقة السياسية في واشنطن تشارك في القضايا الصعبة. ولم تكن النتيجة مثالية، ولكن على الأقل كان هناك هيكلية منظمة وموثوقة للسياسة الخارجية الأميركية من إدارة أخرى.

    وبعد انتخابات عام 2016، قام الرئيس دونالد ترامب بجولة في البيت الأبيض، وذُكر عنه شعوره بالدهشة من حجم القضايا التي وضعت على مكتبه والنظام الذي نقلت عبره هذه القضايا، ولكن الأمر ليس بهذه الصعوبة، فالرئيس ترامب لم يخدم في الجيش كما أنه لم يعمل في الحكومة، وتعقدت الأمور أكثر عندما استقال أول مستشار للأمن القومي مايكل فلين بفضيحة.

    وعلى الرغم من أنه رفض تسلم مناصب عليا في إدارة ترامب، فإن بولتون الذي حل مكان الجنرال إتش.آر.ماكماستر في أبريل 2018، كان من الممكن أن يقوم بعمل جيد تحت إدارة رئيس تعوزه الخبرة. ولكن بولتون قرر أن يحطم النظام الذي كان القلب بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية لأكثر من سبعة عقود. ونتيجة تسلحه بقناعاته بأفكاره حول كيفية عمل الحكومة وكيف يجب إدارتها، فقد كان لديه في ذهنه شيء قريب إلى شعوذة روزفلت، وعادة يكون الرئيس في مكتبه مع مستشار الأمن القومي وبضعة مساعدين يتخذون قرارات حول قضايا مهمة في العالم، ولكن بولتون فضل مشاركة عدد أقل من المساعدين والمسارعة للجلوس إلى جانب الرئيس كي يسيطر عليه، وبالتالي فإن الرئيس لم يكن مع مجلس الأمن القومي وإنما مع مستشار الأمن القومي فقط.

    وقام بولتون بتحطيم الحكومة وهي بدورها حطمته. وباعتباره مستشاراً للأمن القومي فقد كان يدفع باتجاه التشدد إزاء كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وأفغانستان، ولكن بدون هيكلية خلفه، وبدأ بولتون يبدو وحيداً بصورة متسارعة، وهو يحاول جاهداً بيع الرئيس ترامب مواقف يصعب على الرئيس تقبلها. وفي نهاية المطاف انفصل الرئيس ترامب عن بولتون وبدأ يستشير آخرين من خارج الإدارة أمثال تاكر كارلسون من محطة «فوكس نيوز». وعندما اصطدم بولتون مع الرئيس، انهار النظام المخصص له، كما توضح التقارير التي تحدثت عن الفوضى في اتخاذ القرار حول السلام في أفغانستان والمحادثات المتعلقة بها.

    وكان الإنجاز الوحيد الذي قام به بولتون هو تفكيك هيكلية صنع السياسة الخارجية التي كانت تريح الرئيس من إدارة السياسة الخارجية. وأقنع بولتون الرئيس ترامب بأنه ليس بحاجة لجعل مجلس الأمن القومي يتخذ القرارات، ولهذا بات الرئيس واثقاً بنفسه بأنه لا يحتاج إلى مجلس الأمن القومي أيضاً. وسواء كان الرئيس ترامب قد رشح بديلاً عن بولتون فإن ذلك ليس بالأمر المهم، إذ انه من المستحيل أن يتمكن أحد الآن من إقناع الرئيس بأنه بحاجة إلى النظام نفسه، ناهيك بالنظام المعمول به في الإدارة منذ سبعة عقود.

    ويبدو أنه عادت الشعوذة الرئاسية مرة أخرى، ولا يحتاج المرء إلى مقارنة ترامب بروزفلت. واليوم، تعتمد واشنطن أكثر على الرئاسة، والعالم يعتمد أكثر على قرارات واشنطن أكثر مما كانت عليه الحال خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وفي لحظة الانقسام في الداخل والفوضى في الخارج، يكون تفكك الحكومة الفيدرالية هو الأزمة الأكثر توقعاً كنتيجة لذلك.

    جون غانس مدير الاتصال والأبحاث في جامعة بنسلفانيا


    الإنجاز الوحيد الذي قام به بولتون هو تفكيك هيكلية صنع السياسة الخارجية التي كانت تريح الرئيس الأميركي من إدارة السياسة الخارجية.

    طباعة