المملكة المتحدة انخرطت لسنوات في معارك سياسية داخلية حول انسحابها من الاتحاد

    «بريكست» وضع بريطانيا في موقف مثير للقلق والشفقة

    ماكرون وجونسون.. ومحاولات فرنسية لكبح جماح الأخير. أرشيفية

    ماذا حدث لبريطانيا؟ هذا هو في الواقع السؤال الذي يُطرح باللغات المختلفة، إذ تراقب القارة الأوروبية الأحداث الجارية في لندن في ظل توتر شديد. ماذا يفعل رئيس الوزراء بوريس جونسون؟ ما هي حالة الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست»؟ لأكثر من ثلاث سنوات انخرطت بريطانيا في معارك سياسية داخلية حول انسحابها من الاتحاد. وطوال هذا الوقت تعجب المشاهدون في باريس وروما وبرلين وأماكن أخرى في جميع أنحاء أوروبا كيف أن هذا البلد الذي بدا فيما مضى في قمة التنافس، وذا قيمة كبيرة، وإجماع سياسي لا مثيل له؛ بات في طريق مسدود ولم يجد طريقة مناسبة ليخلع نفسه عن أوروبا.

    «ربما كانت صفقة أنجزت بالفعل».. يكتب برنارد غيتا، وهو عضو منتخب حديثاً في البرلمان الأوروبي، «لا شك أن الوقت قد حان لأقول لكم هذا، لكن لأنني ببساطة لا أريد أن أصدق ذلك، فإنني أريد أن أقول: لا تتروكنا». وتابع النائب «في الحرب والسلام، تقاسمنا مصيراً واحداً منذ ألفي عام، واليوم تريدون أن تقطعوا جذوركم، وأن تبتعدوا عنا وعن هويتكم الأوروبية، في المرحلة التي وصلت فيها وحدتنا ومؤسساتنا المشتركة، أخيراً، إلى نقطة تسمح لنا جميعاً كأوروبيين - نحن وأنتم - بالعيش دون قتل بعضنا بعضاً».

    في مقال افتتاحي على صفحتها الأولى، هذا الأسبوع، بعنوان «بوريس التهديد»، شنت صحيفة «لوفيغارو» اليومية المحافظة هجوماً على رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وكتبت الصحيفة تقول «في هذه الديمقراطية البرلمانية الجليلة التي حُبك دستورها غير المكتوب من نسيج معقد من الاتفاقيات واللعب النظيف»، متابعة «الأخلاق السيئة لرئيس الوزراء تخلق سابقة خطيرة، وتكشف عن نقاط ضعف النظام». ومن خلال فرض خروج بريطاني من الاتحاد الأوروبي، توضح الصحيفة، والذي ستقطع بموجبه المملكة المتحدة معظم روابطها مع الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، كان جونسون يضع الأساس لحملة انتخابية مستقبلية ضد النُخب والنظام القائم. «ألم نر شيئاً مثل هذا من قبل؟» تتساءل «لوفيغارو».

    خوف كبير

    عندما أجري استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، أصيبت أوروبا بالصدمة، وخشيت من أن يقضي «بريكست» على أوروبا. إذا كان بإمكان أي بلد المغادرة، فما الذي كان يمنع الآخرين الذين كانوا محبطين من قواعد ولوائح الاتحاد الأوروبي من مجرد الابتعاد، أيضاً؟ بعد ذلك، في السنوات التالية، خاصة بعد إخفاقات رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، تحول موقف الاتحاد حيال خروج بريطانيا من الخوف على نفسه إلى القلق على بريطانيا. ويقول معلق الشؤون الخارجية في إذاعة «فرانس إنتر»، بيير هاسكي، إن التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «تسبب في خوف كبير لأوروبا»، موضحاً «تحولنا من ذلك إلى الشفقة على البريطانيين».

    عندما ظهرت حركة «السترات الصفراء» في فرنسا، الخريف الماضي، كشفت عن فجوة بين الريف والحضر، وتزايد الاستياء. تمكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حتى الآن على الأقل، من التعامل مع ذلك بإطلاق نقاش وطني بدلاً من استفتاء محفوف بالمخاطر في مثل هذه القضايا. وفي أماكن أخرى، مثل إيطاليا، خففت الأحزاب اليمينية المتطرفة التي دعت ذات مرة إلى ترك «اليورو»، من خطابها وشعاراتها لتهدئة الاتحاد الأوروبي من الداخل، خشية رد فعل عنيف من جانب جمهور شاهد الفوضى في بريطانيا من بعيد. وفي اليونان، التي واجهت تهديداً فعلياً بالخروج من«اليورو»، شعرت الطبقة السياسية بالضيق من وهم دعاة الخروج في المملكة المتحدة بأن مغادرة الاتحاد الأوروبي ستكون سهلة.

    يُمثل وصول جونسون إلى سدة الحكم نقطة تحول في كيفية رؤية أوروبا للمملكة المتحدة. لفترة من الوقت، تناغمت أوروبا مع جونسون، الذي كان وزيراً للخارجية في الفترة الأولى من حكم تيريزا ماي؛ أو تغاضت عن طموحه في وصوله للقمة. تجسد هذا الطموح في أواخر شهر أغسطس، عندما التقى جونسون، وهو رئيس للوزراء، مع ماكرون ووضع قدمه على طاولة القهوة أمامه، بطريقة غير مبالية لكنها مقصودة لتمرير رسالة للفرنسيين.

    نفاد الصبر

    لقد وضع جونسون قدمه على الطاولة بعد أن قام ماكرون، على الأقل رمزياً، بإنزالها، لتوضيح أن أوروبا قد نفد صبرها ولن تمنح بريطانيا المزيد من التنازلات، وأن المسؤولين الأوروبيين يعتقدون أن الأمر متروك لجونسون لتقديم مقترحات ملموسة حول كيفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويعتقد ماكرون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف يُضعف المملكة المتحدة، ما سيؤدي إلى «رضوخ تاريخي» مع وجود قوى منافسة أخرى - الولايات المتحدة، الصين وأوروبا.

    تم تلخيص النظرة العالمية المنقسمة بين أوروبا وبريطانيا التي تدعم «بريكست» بتغريدات من صحيفة «ديلي تلغراف» و«فايننشيال تايمز» حول اجتماع ماكرون وجونسون. صحيفة التليغراف، المؤيدة لـ«بريكست» والتي كانت تنشر عموداً أسبوعياً لجونسون، منذ فترة طويلة، قالت «تعزيز كبير لموقف بوريس جونسون إذ يقول إيمانويل ماكرون إنه يمكن تعديل اتفاقية الانسحاب»، بينما كتبت صحيفة «فايننشيال تايمز»، وهي أكثر الصحف ميلاً لأوروبا، في بريطانيا «ماكرون يُبدد أمل جونسون في صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».

    يستعد البراغماتيون في أوروبا لخروج بريطانيا منذ سنوات. وتضع المفوضية الأوروبية خططاً لخروج لندن من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة، بما في ذلك تخصيص أموال ربما للمناطق التي قد تتضرر جراءه. وتستعد الشركات في شمال فرنسا للانسحاب من بريطانيا وتعتقد أنها ستؤثر على قطاعات الصيد والسياحة والنقل. وقام ميناء كاليه على القناة الإنجليزية بإجراء تحسينات للسماح بتدفق حركة المرور.

    مهرج الدولة

    لكن عندما علق جونسون عمل البرلمان، أدركت أوروبا، التي عاشت القرن الماضي في ظل هيئات تشريعية معلقة، وأنظمة سلطوية ودموية؛ أنه حان وقت التوقف عن الضحك. هذا الأسبوع، في ألمانيا، أوضحت «دويتشه فيله» سبب استحالة تعليق البرلمان في ألمانيا، اليوم، وكان ذلك مستحيلاً منذ جمهورية «فايمار». في حين وصفت الأسبوعية الساخرة، «لوكانارد أونشينيه»، جونسون بـ«مهرج الدولة الدائم»، ولكن افتتاحية صفحتها الأولى كانت أكثر سخرية. وكتبت «هذا النهج المدوي.. يؤثر سلباً على الديمقراطية».

    اضطرابات سياسية في إيطاليا

    أصداء «بريكست» كانت أيضاً حاضرة في خلفية الاضطرابات السياسية الأخيرة في إيطاليا. النظام البرلماني الفوضوي في إيطاليا يفسح المجال أمام تشكيل حكومات ائتلافية ضعيفة، لكن الإيطاليين اعتقدوا أنهم لن يعيشوا أبداً لرؤية اليوم الذي ظهرت فيه أزمة سياسية غريبة، ليست أفضل مما يحدث في لندن. هذا الأسبوع، عندما كانت بريطانيا تتطلع إلى إجراء انتخابات جديدة، كانت إيطاليا تضع اللمسات الأخيرة على حكومة جديدة تعاون فيها منافسون سابقون لمنع صعود حزب الرابطة اليمينية المتطرفة، بقيادة ماتيو سالفيني. كان الأخير قد بدأ الأزمة الحكومية، الشهر الماضي، ولم يحصل على الانتخابات الجديدة التي يريدها. تم تشكيل التحالف الذي منعه بهدف واحد: إنقاذ البلاد.

    سخط في الأوساط السياسية

    جلب تعنت لندن حيال شروط خروجها الكثير من السخط في الأوساط السياسة. كتب هذا الأسبوع المحلل الفرنسي والمستشار في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن، فرانسوا هيسبورغ «بحلول هذا الوقت، أصبح الأمر أشبه بمحاولة تجميع التركيز لفهم ما يجري»، متابعاً «أيها الأصدقاء البريطانيون الذين لا يعرفون الجدل، لا أعلم بوجود أي دائرة انتخابية في الاتحاد الأوروبي تدعم فكرة التعايش مع هذا السيرك المؤسف لأكثر من دقيقة واحدة».

    • عندما أجري استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، أصيبت أوروبا بالصدمة، وخشيت من أن يقضي «بريكست» على أوروبا.

    طباعة