معارضوها اعتبروا الدفاع عن القضايا العربية أولى.. ومؤيدوها قالوا إنها مناصرة للقضية الفلسطينية

    مسرحية عن «اضطهاد هتلر لليهود» تثير لغطاً سياسياً فـي مصر

    صورة

    تسببت مسرحية، عرضت في مصر ضمن مهرجان المسرح القومي، يتعلق موضوعها بأحداث وقعت لليهود في ألمانيا بالحقبة النازية، في أزمة سياسية بالشارع المصري، حيث اعتبرت أصوات أن عرض المسرحية غير ملائم في مجتمعاتنا العربية، حيث إن الأولى بالعرض أعمال فنية تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، أو الشعوب العربية الأخرى، التي لازالت تحتل أرضها إسرائيل، وأصدرت «اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع» بياناً تشجب فيه عرض المسرحية، وتدعو للتحقيق مع من سمحوا بدخولها المهرجان، بينما قال مؤيدون لعرض المسرحية إنها، واقعياً، تهاجم العنصرية وسياسات الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية، وتذكر الإسرائيليين بأنهم يفعلون بالفلسطينيين أشياء شبيهة بما تم معهم من قبل النازي، وأن الفصل الأخير من المسرحية استبدل «السجناء اليهود» موضوع المسرحية، بـ«سجناء فلسطينيين»، ليؤكد المعنى المشار إليه.

    فقد شهد المهرجان القومي للمسرح في مصر عرضاً لمسرحية «سوبيبور»، للمؤلف والمخرج محمد زكي، تتناول تمرد وقع في معسكر «سوبيبور» الذي شيده النازيون شرق بولندا على حدود روسيا وبيلاروسيا عام 1942، ليتم احتجاز آلاف اليهود وتعذيبهم فيه، وكيف تمكن 200 سجين من هؤلاء اليهود من الهرب تحت قيادة الضابط الروسي بيتشريسكي.

    وكانت المسرحية قد عرضت - في وقت سابق - على مسرح كلية التجارة بجامعة عين شمس، وفازت بالجائزة الأولى لمسابقة خاصة بالعروض المسرحية الجامعية في مصر، ما دفع الفرقة إلى التقدم بها إلى المهرجان القومي للمسرح، الذي يترأسه الفنان أحمد عبدالعزيز.

    وقد تسبب العرض في مشادات كلامية بين الجمهور وأفراد الفرقة المسرحية، وصلت إلى حد التشاجر والتشابك بالأيدي داخل المسرح، وكادت أن تصل إلى الاشتباك البدني.

    وقالت الكاتبة الصحافية بجريدة «الأخبار»، أمنية طلعت، وهي أول من أثار القضية على صفحات التواصل الاجتماعي، إنه «لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من فراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتبه، فنظرية الفن للفن لم تستطع أن تحيا كثيراً بين آلاف الرسائل الأيديولوجية التي يقدمها الفن بنعومته، حتى أفلام الكرتون التي تنتجها (ديزني) تحمل مضامين ورسائل خفية لتربية عقول أطفال العالم، والتأثير فيها بهدوء شديد».

    وأضافت طلعت: «هذا ما لم نكن مدركين له بحال من الأحوال، فنحن الآن نعاني أقوالاً تتردد بين الأجيال الشابة ببساطة، كأن الأمر مُسلَّم به، مثل: (لقد باع الفلسطينيون أرضهم للصهاينة)، (على الفلسطينيين أن يحرروا أرضهم بانفسهم)، وقليل من الشجب والاستنكار هنا وهناك، ونحن نرى واشنطن تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل!.. كل هذا لم يأتِ من فراغ، بل أتى من عقود طويلة حفرت في قلب الشخصية المصرية حفرة عميقة فرغتها من مسلماتها الوطنية، ومن قضاياها الأولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية».

    وتابعت طلعت: «لماذا اختار المؤلف والمخرج الشاب محمد زكي هذا الموضوع بالتحديد؟ لماذا يكتب مصري عربي عن عذابات اليهود في محارق الهولوكوست؟ حتى وإن حشر حرفياً بعض الجمل الإسقاطية على قضية فلسطين، فلماذا اختيار قصة التمرد الذي وقع في معسكر (سوبيبور)؟».

    وتساءلت طلعت: «ما الرسالة؟ هل يرغب العقل المدبر للعمل في أن يقول إن من تعرَّض للتعذيب والإبادة يُعذب ويبيد غيره اليوم؟ من الصعب أن نطبق عليهم نظرية: (من تعرض للظلم والإبادة، لا يمكن أن يفعل ذلك بغيره)».

    وخلصت طلعت إلى أن «الحقيقة الماثلة للعيان، هي أنه لطالما استخدمت الصهيونية العالمية، والمجسدة في الكيان الإسرائيلي، قصة محارق الهولوكوست للحصول على مكتسبات دولية ليست من حقها، وإثارة تعاطف العالم معها للتغطية على مجازرها ضد الشعوب العربية، بما فيها نحن المصريون».

    في الإطار ذاته، قال الكاتب الصحافي رئيس «كنوز» للتراث، أبوالعباس محمد، على صفحته على «فيس بوك»: «لمن لا يعلم، فإن مسرحية (سوبيبور)، التي يدعي أحد أفراد المسرحية، وهو محمد زكي، أنه مؤلفها، هو نص مسرحي مأخوذ عن قصة فيلم تلفزيوني أميركي، حقاً الذين قاموا بهذا العمل يستحقون الشكر من إسرائيل، ولعنات شهدائنا من فلسطين».

    من جهتها، أصدرت «اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع في مصر» بياناً، دانت فيه عرض المسرحية، وقالت فيه «إن محاولات اختراق العقل العربي بالمزاعم الإسرائيلية هدفها أن نتبنى فكر الصهاينة، وأن نغمض الأعين عن جرائمهم، وأن تصل تلك الرؤية لوعي قطاع عريض من شباب مصر لتدجينه لقبول العدو (الآخر)».

    على الطرف المقابل، قال مؤلف ومخرج العرض، محمد زكي، إن العرض المسرحي «سوبيبور» عن أحداث «الهولوكوست» أو الاضطهاد النازي ضد اليهود، محاكاة لما يفعله اليهود في إسرائيل، اليوم، بمجتمعنا، ليطرح تساؤلاً مهماً، هو: كيف لليهود الذين يعلنون دوماً أن آباءهم وأجدادهم ذاقوا العذاب على أيدي نظام هتلر في معسكرات الإبادة النازية، أن يفعلوا الشيء نفسه يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام مع الفلسطينيين».

    في الإطار ذاته، ردت الفرقة المسرحية صاحبة العرض على الانتقادات الموجهة إليها، عبر خطاب على لسان أحد ممثليها، وجهته إلى «اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع»، دافعت فيه عن نفسها، وقالت فيه: «إن المسرحية تهاجم العنف نفسه بشكل مطلق، وتقف ضد (استباحة الدم)، لمجرد أنه دم شخص لا أحبّه، وتستنكر أن نتعرّض (كعرب) للقتل على يد من (ذاقوا العذاب، ونحن نسأل، هل تقبل كإنسان ما حدث من محارق لبني آدم في عهد هتلر وفيهم الأطفال والعجائز؟). ثم إن المسرحية أدانت ما يحدث لنا كعرب وفلسطينيين».

    ودافعت صفحة «الناقدون في الأرض»، المعبرة عن مجموعة متميزة من النقاد المصريين عن المسرحية، فقالت الناقدة رانا أبوالعلا: «إننا بصدد دراما أفصحت عن مضمونها منذ بدايتها، كأن محمد زكي مؤلف ومخرج العرض، أراد أن يثير ذهن المتلقي، ويأخذه نحو الفكرة التي أراد أن يعبر عنها من خلال العرض بصورة ضمنية، حيث يبدأ العرض بذكر رقم 48، والذي يذكرنا في الحال بالعام الذي احتلت فيه إسرائيل أرضنا العربية فلسطين، ثم يستكمل بجملة مضمونها أنهم أخذوا الأرض، وهاجموا البيوت، وطردوا أهلها دون وجه حق.».


    «اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع» أصدرت بياناً شجبت فيه عرض المسرحية، ودعت للتحقيق مع من سمحوا بدخولها المهرجان، بينما قال مؤيدون لعرض المسرحية إنها واقعياً تهاجم العنصرية، وسياسات الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي.

    مؤلف ومخرج العرض، محمد زكي، قال إن العرض المسرحي «سوبيبور» عن أحداث «الهولوكوست»، أو الاضطهاد النازي ضد اليهود.. محاكاة لما يفعله اليهود في إسرائيل، اليوم، بمجتمعنا.

    طباعة