خطوة هدفها تكريس «سلطته المطلقة» وترويع بقية الولايات

    ضم كشمير جزء من خطة مودي لإعادة تشكيل الهند

    مودي مع غريلز في حديقة كوربيت الوطنية. من المصدر

    خلال شهر فبراير الماضي خرج رئيس الحكومة الهندية، ناريندرا مودي، مع المغامر ورجل الأعمال البريطاني ومقدم البرامج التلفزيونية، بير غريلز، في رحلة أطلق عليها «مغامرة العمر». وعندما أصبح الرجلان في حديقة كوربيت الوطنية، التي تبعد 500 ميل إلى الشمال من وادي كشمير، قاد أحد الأشخاص في عملية انتحارية شاحنة معبأة بالمتفجرات نحو عبّارة فيها عربات محملة بقوات شبه رسمية هندية في كشمير. وقتل إثر الحادث 40 جندياً في الانفجار. وكان أكثر الانفجارات الدموية فتكاً الذي تعرضت له قوات الأمن الهندية خلال التاريخ الوحشي للصراع في كشمير.

    فيلم مثير للجدل

    وفي عرض مختصر لبرنامج غريلز، واسمه «الإنسان والحياة البرية» الذي نشرته الأسبوع الماضي محطة ديسكفري العلمية، ظهر الرجلان وهما يمشيان معاً في المناطق البرية ويشمان قاذورات الحيوانات البرية، ويتعلمان أساليب البقاء في الحياة البرية. واستغل قادة المعارضة السياسية هذا الفيلم لتوجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء الهندي، لأنه لم يقطع رحلته مع غريلز فوراً لدى سماعه أخبار الانفجار وما نجم عنه من قتل، وهو الاتهام الذي رفضته حكومة مودي.

    وفي كل الأحوال فإن مودي، وهو ممثل بارع، كان يلعب دور «المهتم بالحفاظ على الحياة البرية»، وأضاف هذا الدور إلى مخزونه الضخم من الأدوار الأخرى مثل، الشاعر، والرجل الحكيم، ورجل الدولة، والرجل القوي، والخبير في اليوغا، لدرجة أنه نشر وببراعة فكرة عبادة الشخصية، لا يضاهيه في ذلك أحد في العالم الديمقراطي، على الرغم من أنه تعرض للانتقاد سابقاً لأنه كان يروج لتفوق الشخصية الهندوسية. وبعد مرور أسبوعين على ظهور صوره في الحياة البرية مع بريلز، بدأ مودي حملته لإعادة انتخابه، حيث أمر الطائرات العسكرية الهندية بالتحليق فوق باكستان، وانتهاك مجالها الجوي وقصف أهداف في أعماق «أراضي العدو». وكادت هذه العملية أن تؤدي الى نشوب حرب شاملة بين الجارتين العدوتين النوويتين، وأدى ذلك إلى انتصار مودي حتى قبل أن يتم إحصاء الأصوات. وبعد مرور شهرين على فوزه في الانتخابات، تحرك مودي بحزم نحو إحكام قبضته وترسيخ نفسه باعتباره الأب المؤسس لما يدعوه أنصاره بـ«الهند الجديدة».

    «عقيدة مودي»

    واقترن ترسيخ عقيدة مودي بتآكل المؤسسات الدستورية والقانونية التي استندت اليها الجمهورية الهندية. وفي الأسبوع الماضي انتحلت الحكومة لنفسها صفة وسلطات توجيه تهمة الإرهاب لأي شخص تريده. وتم فرض قيود شديدة على كل ما يميز النظام الديمقراطي المتحضر عن النظام الشمولي، وهو افتراض البراءة لأي شخص حتى تثبت إدانته، والحق في الاستئناف. وسيكون المسلمون والأقليات الأخرى هم الأهداف الرئيسة لمثل هذه القيود الجديدة.

    وأوضح الوزير المسؤول عن تطبيق القانون والنظام ورجل مودي الرهيب، أميت شاه، في خطاب له في البرلمان الهندي، أنه يجب أن لا يكون لدى أحد أية شكوك من السياسيين اليساريين أو أصحاب الرؤية العالمية المتشككين في حكومة مودي، أن الحكومة يمكن أن تتهاون معهم.

    وتعرضت المعارضة السياسية المنظمة لمودي والحزب الحاكم المعروف باسم «بهاراتيا جاناتا»، للانهيار تماماً، ومع نهاية شهر يوليو الماضي انهارت حكومة ولاية كارناتاكا الائتلافية، وهي واحدة من ولايات قليلة لم يصل فيها حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة، بعد أن قام أحد أعضاء البرلمان في الولاية من المعارضين للحكومة فيها، بتبديل ولائه السياسي وانضم إلى حزب مودي.

    ترتيبات سرية

    ومع بدء شهر أغسطس، صدر مرسوم رئاسي يقضي بضم ولاية جامو وكشمير إلى الهند، وأصبحت تحت سيطرة الحكومة الاتحادية، في حين أن قادة الولاية المنتخبين ألقي بهم في غياهب السجون. وتم قطع الاتصالات، بما فيها خطوط الهاتف الأرضية. وأصبح الكشميريون العاديون عاجزين عن الاتصال مع بقية الهند. وهكذا تمت أكبر الترتيبات الدستورية المتعلقة بالمنطقة الهندية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة بسرية تامة، ودون أي نقاش حول الموضوع في البرلمان. وبالطبع إن استعداد مودي للمخاطرة بالقيام بهذه الخطوة كانت تمليها عليه المكافأة التي سيحصل عليها، فقد تمكن بضربة واحدة من إذلال الكشميريين وجعلهم مثالاً للولايات الهندية الأخرى، ليثبت للجميع أنه ليس هناك من هو حصين أمام سلطته المطلقة. ويعتبر إنهاء حالة الوضع الخاص لكشمير في الوقت ذاته تتويجاً لشوق هندوسي قديم لتدجين الغالبية المسلمة المعارضة في المنطقة، وحالة اختبار ناجح لمشروع إعادة تشكيل الهند بصورة شاملة وفق أيديولوجية مودي. وما حدث هنا يمكن أن يتكرر في أماكن أخرى. إن تزايد التشدد او حتى اندلاع الأعمال العدوانية مع باكستان يمكن أن يعزز حظوظ قائد يتربع على اقتصاد متباطئ، وليس لديه الكثير ليقدمه إلى جانب التضليل وخداع الشعب بالكلام الرنان.

    بهجة

    ويصرخ أتباع مودي ببهجة قائلين: «دولة واحدة ونظام واحد»، بعد فرض حظر التجول على الكشميريين وقطع صلتهم بالعالم أجمع. وفي الأسبوع المقبل سيصادف الذكرى السنوية الـ72 لاستقلال الهند من الحكم البريطاني. ويرى العديد من الهنود، الذين أجبروا على حين غرة، على إعلان الولاء لدولة الحزب الواحد، والذي فرض نفسه كأمر واقع، بقيادة القائد الأعظم، أن ما سيأتي لاحقاً سيكون بداية محاكم التفتيش وليس مناسبة للاحتفال.


    اقترن ترسيخ عقيدة مودي بتآكل المؤسسات الدستورية والقانونية التي استندت إليها الجمهورية الهندية. وفي الأسبوع الماضي انتحلت الحكومة لنفسها صفة وسلطات توجيه تهمة الإرهاب لأي شخص تريده.

    طباعة