قوة المحتجين تصعِّب إمكانية الحل أمام بكين

سيناريوهات أزمة هونغ كونغ.. بين التدخل العسكري والتنازلات الصينية

صورة

تشهد هونغ كونغ احتجاجات مستمرة منذ شهر يونيو، وذلك بسبب رفض مشروع قانون مقترح يسمح بترحيل أشخاص لمحاكمتهم في البر الصيني (Mainland China)، وتطورت هذه الاحتجاجات إلى اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، ما أفضى إلى تصاعد التظاهرات ورفعها شعارات مناهضة للحكومة الحالية، مطالبين باستقالة زعيمة هونغ كونغ، كاري لام، المدعومة من بكين، والدعوة لتطبيق مزيد من الإجراءات الديمقراطية في البلاد، فضلاً عن الدعوة لإضراب شامل، وهو ما شل البلاد في الخامس من أغسطس الجاري.

دوافع الاحتجاجات

بدأت الاحتجاجات بسبب مشروع قانون لتسليم المجرمين من هونغ كونغ إلى الصين، لكنها انتشرت لتعكس مطالب أوسع للإصلاح الديمقراطي، ولا يمكن الحديث عن الأزمة الحالية دون الإِشارة إلى الطبيعة الخاصة لهونغ كونغ، حيث تختلف الأخيرة اختلافاً كبيراً عن المدن الصينية الأخرى، حيث كانت هونغ كونغ مستعمرة بريطانية لأكثر من 150 عاماً، وفي عام 1898 قامت الصين بتوقيع عقد إيجار مع المملكة المتحدة لبقية أجزاء هونغ كونغ لمدة 99 عاماً.

وبدأت الأمور تتغير بالنسبة لهونغ كونغ، فشهد اقتصادها انطلاقة كبيرة منذ الخمسينات وأصبحت مركزاً صناعياً عالمياً، ثم في أوائل الثمانينات ومع اقتراب الموعد النهائي لعقد الإيجار البالغ 99 عاماً، بدأت كل من بريطانيا والصين محادثات حول مستقبل هونغ كونغ، حيث طالبت الحكومة الشيوعية في الصين بإعادة هونغ كونغ بالكامل إلى الحكم الصيني. وفي نهاية المفاوضات توصل الجانبان إلى اتفاق عام 1984، الذي نص على مبدأ «دولة واحدة ونظامين»، الذي يعني أن تتمتع هونغ كونغ بدرجة عالية من الحكم الذاتي باستثناء ما يتعلق بالشؤون الخارجية، لذلك تمتعت هونغ كونغ بنظامها القانوني وحدودها، ويتم حماية الحقوق بما في ذلك حرية التجمع وحرية التعبير، فعلى عكس المدن الصينية الأخرى يمكن في هونغ كونغ أن يتم إحياء ذكرى الميدان السماوي.

وفي هذا السياق، تسعى هونغ كونغ للاستقلال تماماً عن بكين، ففي عام 2014 شهدت هونغ كونغ احتجاجات شديدة من حركة المظلة التي تطالب بقيام المواطنين بانتخاب زعيمهم بشكل مباشر وليس من خلال لجنة تقوم بانتخابه نيابة عنهم، ولكن تم إخماد هذه الحركة ولم تنفذ بكين مطالبهم.

كما أن معظم المواطنين في هونغ كونغ لا يرون أنفسهم صينيين، حيث أظهر استطلاع للرأي تابع لجامعة هونغ كونغ في عام 2018، أن 11% فقط من المواطنين يعرفون أنفسهم بأنهم «صينيون»، في حين أن 71% لا يشعرون بالفخر لأنهم مواطنون صينيون. وازدادت موجة الغضب تجاه الصين في هونغ كونغ، خاصة بين الشباب المتعلم الذي يرى أن الحكومة المركزية في بكين تسعى إلى تقويض أي مساعٍ ديمقراطية في هونغ كونغ.

ويمكن القول إن الخلافات بين الطرفين عميقة، وهناك حالة احتقان تجاه الصين تصاعدت مع مشروع القانون الخاص بتسليم المتهمين للحكومة المركزية في بكين، والذي وصفه المتظاهرون بأنه يقوض النظام القضائي في هونغ كونغ، وسيجعلها خاضعة لسيطرة الصين، وسيحولها إلى مجرد مدينة صينية، وسيكون بداية لفقدان هونغ كونغ طابعها الخاص الذي يميزها عن سائر الصين، وهذا يفسر تطور الأزمة بسرعة بين المتظاهرين والشرطة.

تخوفات صينية

صرح المتحدث باسم مكتب شؤون هونغ كونغ بمجلس الدولة الصيني، يانج جوانج قائلاً: «إن الفوضى يجب ألا تستمر في هونغ كونغ»، محذراً من أن الاحتجاجات تدفع المنطقة إلى حافة وضع خطير للغاية. ودعا إلى بذل كل الجهود لإنهاء العنف وإعادة النظام في هونغ كونغ.

كما قامت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون يينغ، بحثّ واشنطن على التوقف عن التدخل في شؤون هونغ كونغ، مؤكدة أنه لا ينبغي لأحد الاستهانة بعزم الصين الثابت على تطبيق مبدأ «دولة واحدة ونظامين»، والحفاظ على الرخاء والاستقرار هناك؛ رداً على إصدار رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي بياناً لدعم المتظاهرين، حيث ذكر البيان أن «المتظاهرين يرسلون للعالم رسالة مفادها أن أحلام الحرية والعدالة والديمقراطية لا يمكن أن تنطفئ أبداً بالظلم والتخويف».

ومع استمرار الأزمة ودخولها أسبوعها التاسع، بدأت تصريحات المسؤولين الصينيين تزداد حدة، حيث قام المتحدث باسم مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو بمجلس الدولة الصيني يانغ جوانغ بالتصريح بأن «المتظاهرين يقومون باللعب بالنار، وفي النهاية ستحرقهم هذه النيران»، كما طالب المتظاهرين بألا يفسروا اتباع الحكومة المركزية لنهج ضبط النفس بأنه دليل على الضعف، وصرح بأنه لا ينبغي أن يتم التقليل من القوة الهائلة التي تتمتع بها الحكومة المركزية في بكين. وهذا ما رآه المحللون تهديداً وتصعيداً خطيراً من الجانب الصيني تجاه متظاهري هونغ كونغ.

وبشكل عام فإن تصريحات المسؤولين الصينيين تدور حول أنهم لم يتدخلوا بعد في الأزمة بشكل مباشر، لكنهم بالتأكيد قد يميلون للتدخل مستقبلاً لإقرار الأمن والاستقرار. ويمكن تفسير رد الفعل الصيني العنيف تجاه هذه الأزمة التي تمثل تحدياً واسع النطاق للحكومة المركزية في بكين في ضوء عاملين أساسيين: أولهما أن هونغ كونغ هي مركز مالي واقتصادي كبير، أما السبب الثاني فيتمثل في أن الصين ترى أن فشلها في معالجة هذه الأزمة، وتقديم أي تنازلات ولو رمزية، مثل إقالة الزعيمة الحالية كاري لام، سيكون له عواقب غير محمودة، حيث سيعمل ذلك على تقوية شوكة الانفصاليين في إقليم شينجيانغ، كما قد يثير مزيداً من التوترات مع تايوان، ما سيجعل الصين مستنزفة في صراعات داخلية وإقليمية عدة عليها التعامل معها كلها دفعة واحدة.

سيناريوهات متوقعة

يمكن القول إن هناك سيناريوهين متوقعين للأزمة الحالية يتمثلان في ما يلي:

1- تدخل عسكري صيني

يتمثل في تدخل مباشر لجيش التحرير الشعبي الصيني الذي لديه حامية في هونغ كونغ، وإطلاق حملة عسكرية قاسية تؤدي إلى تصاعد أعداد الضحايا من المدنيين وذلك نتيجة إخفاق الشرطة في احتواء الوضع وإنهاء التظاهرات، ونفاد صبر الصين وطول استمرار الأزمة، وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يعني انتصاراً سريعاً للحكومة المركزية في بكين وإحكام قبضتها بشكل أكبر على هونغ كونغ؛ فإن ذلك التدخل العسكري سيكون له أثر سلبي على علاقة الصين بالغرب، وسيرسخ صورتها كدولة معتدية، فمثل هذا التدخل سيقوض شعار الحزب الشيوعي «النهوض السلمي» للصين.

كما ستستغل الولايات المتحدة هذا الأمر لشرعنة حربها التجارية ضد الصين، بل وقد تنضم أطراف أخرى لصفوف الدول المعادية للصين، مثل بعض الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا، التي قد تتأثر علاقتها الاقتصادية بالصين سلباً نتيجة مثل هذه الحملة العسكرية.

إذن، التدخل العسكري المباشر سيفتح جبهة صراع خارجية جديدة تضاف للحرب التجارية والضغط على الصين بسبب علاقتها الوطيدة مع إيران، وبالتالي سيؤدي هذا السيناريو في النهاية إلى استنزاف قوة بكين، والضغط الشديد على مواردها الاقتصادية، وتقويض فكرة صعودها السلمي، وبالتالي فهو سيناريو يصعب ترجيح حدوثه.

2- تنازلات بكين

يتمثل هذا السيناريو في تقديم بكين تنازلات والتراجع عن هذا القانون المثير للجدل. وما يدعم هذا السيناريو هو ما حدث في عام 2003 عندما خرج ما يقرب من نصف مليون مواطن في هونغ كونغ للاعتراض على مشروع قانون أمني مثير للجدل، ما أدى إلى إلغاء القانون. ويُرجَّح حدوث هذا السيناريو بسبب نطاق المشاركة في هذه التظاهرات، والاستمرار في الإضراب الشامل، وإصرار المتظاهرين على مطالبهم، ما قد يجبر بكين في نهاية الأمر على تقديم بعض التنازلات، والبدء في التفاوض مع المتظاهرين.

ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من ترجيح هذا السيناريو، فإن بكين لم تقم بتنفيذه بشكل فوري، حيث سيقوي من وضع المتظاهرين في هونغ كونغ، ما سيعمل على التقويض التدريجي لسيطرتها على مقاليد الأمور هناك، بالإضافة إلى أن اعتماد الصين لهذا السيناريو قد يدفع إلى نشوب احتجاجات في مناطق عدة أخرى، وهو ما لا تريده الصين بالتأكيد.


مأزق صعب

الصين في مأزق صعب، خصوصاً مع اقتراب الذكرى السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر، وبالتأكيد لا تود بكين أن تقوم بالاحتفال بهذه الذكرى المميزة في ظل الاحتجاجات والاضطرابات في هونغ كونغ، لذا فقد يكون من المرجح أن تلجأ الحكومة المركزية إلى التنازل ولو بشكل مؤقت لتهدأ الأمور وتعود الحياة إلى طبيعتها في هونغ كونغ وتمر الذكرى السبعون بشكل طبيعي، ثم تبدأ الصين في البحث عن وسيلة غير مباشرة تُحكم بها قبضتها على هونغ كونغ، فالصراع بين بكين وهونغ كونغ هو بالتأكيد صراع طويل المدى لن تحسمه جولة واحدة.

معظم المواطنين في هونغ كونغ لا يرون أنفسهم صينيين، حيث أظهر استطلاع للرأي تابع لجامعة هونغ كونغ عام 2018؛ أن 11% فقط من المواطنين يعرفون أنفسهم بأنهم «صينيون»، في حين أن 71% لا يشعرون بالفخر لأنهم صينيون.

طباعة