لغة خطاب ترامب أوجدت «متطرفين جدداً»

حوادث الكراهية في الولايات المتحدة تنذر بموجة «إرهاب أبيض»

صورة

شهدت الولايات المتحدة على مدار الأسبوع المنصرم حوادث إطلاق نار عشوائية عدة أسفرت عن وقوع عدد كبير من الضحايا، حيث جاء الحادث الأول يوم الأحد 28 يوليو الماضي، فقد قتل مسلح ثلاثة أشخاص في مهرجان للطعام شمال كاليفورنيا قبل أن ينتحر، فيما شهد يوم السبت الثالث من أغسطس الجاري مذبحة في مدينة تكساس، حيث قُتل 20 شخصاً وأُصيب 26 آخرون، إثر إطلاق نار داخل متجر «وول مارت» بمدينة إل باسو بولاية تكساس، وبعدها بساعات، أي في فجر الأحد الرابع من أغسطس، سقط تسعة قتلى على الأقل، وأصيب 16 شخصاً، إثر إطلاق نار في وسط مدينة دايتون بولاية أوهايو. وتعد تلك إحدى أخطر الموجات متعددة الحلقات لأحداث إطلاق النار العشوائي، لاسيما في ظل العدد الكبير من الضحايا، وقِصَر الفواصل الزمنية بين حلقاتها.

لماذا «إل باسو»؟

تقع مدينة إل باسو التابعة لولاية تكساس على الحدود مع المكسيك، قبالة مدينة سيوداد خواريز مباشرة، ومن الملامح الطبيعية للمدينة عبور العديد من المكسيكيين للحدود كل يوم، إما للعمل أو للتسوق في الولايات المتحدة، كما يعيش كثير من المكسيكيين أيضاً في هذه المدينة؛ لذا لم يكن من المستغرب أن تكون هذه المدينة هدفاً لجريمة كراهية عمد الجاني من خلالها إلى إطلاق النار في أحد الفروع المكتظة من متاجر «وولمارت» بالمدينة وقت ذروة شراء احتياجات المدارس، وذلك يوم السبت الثالث من أغسطس الجاري، ما أدى إلى مقتل 20 شخصاً وإصابة 26، وقد ألقت الشرطة القبض على المتهم بتنفيذ المذبحة، وهو رجل أبيض يبلغ الحادية والعشرين من العمر.

وهناك العديد من المؤشرات على أن مذبحة تكساس هي «جريمة كراهية» موجهة بشكل خاص ضد المهاجرين في مدينة إل باسو، فمن ناحية قام المتهم بتسليم نفسه للشرطة فخوراً بارتكابه الجريمة، ومن ناحية أخرى اختار المتهم مدينة إل باسو، التي تبعد عن بلدته 500 ميل، لأنها تعج بالمهاجرين من أصول لاتينية خصوصاً من المكسيك، لتلاصقها مع الحدود المكسيكية. ومن ناحية ثالثة، هناك بيان يُعتقد أن المتهم كتبه ونشره على الإنترنت، يتضمن فقرات تندد بـ«غزو ذوي الأصول الإسبانية» لتكساس، ويتضمن عبارات «كراهية وعنصرية» تجاه المهاجرين واللاتينيين، وترويجاً لسيادة العرق الأبيض، ويشير الكاتب بوضوح إلى أنه يتوقع أن يُقتل خلال هجومه.

دلالات عدة

تؤكد الحوادث التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية على مدار الأسبوع الماضي، تصدر أميركا دول العالم من حيث عدد حوادث إطلاق النار الجماعي، وما ينتج عنها من ضحايا (باستثناء مناطق الحروب والنزاعات)، وهو ما يرجع إلى عدد من الأسباب، منها: انتشار السلاح، وصعود الأفكار العنصرية، والطبيعة العنيفة لثقافة القوة التي تسود المجتمع الأميركي في رأي البعض. بيد أن حادث تكساس - على وجه الخصوص - ربما يحمل دلالات مهمة في ما يخص عدداً من القضايا لعل من أهمها:

1- صعود الأفكار العنصرية

أدان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحادث أكثر من مرة، مؤكداً أن إطلاق النار في إل باسو مأساوي وجبان، وأنه لا يوجد أي سبب أو عذر يبرر مطلقاً قتل الأشخاص الأبرياء، وعلى الرغم من ذلك، لا يُمكن إنكار وجاهة التحليلات التي تؤكد أن تيار اليمين المتطرف في أميركا يلقى دعماً غير مسبوق بوجود ترامب ذي التوجه اليميني في البيت الأبيض، خصوصاً مع استخدامه شعارات مثل: «أميركا أولاً» أو «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، التي رفعها خلال حملته الانتخابية، والتي تتماشى تماماً مع أفكار اليمين المتطرف، وهو ما يرتبط بحالة الاستقطاب والتراشق المتكررة بين أنصاره المتطرفين من اليمين، وفئات أخرى من الشعب الأميركي على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يتأكد أيضاً مع نتائج بعض الدراسات التي تشير إلى تزايد الهجمات الإرهابية من قبل المتطرفين اليمينيين في الولايات المتحدة.

وفي السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي أعلن أنه يحقق حالياً في 850 قضية «إرهابية» محلية يستهدف معظمها نشطاء من اليمين المتطرف أو مناهضين للحكومة، وأن 40% من التحقيقات الأخرى تصب في خانة قضايا العنصرية، ويتعلق «قسم كبير» منها بمتطرفين يؤمنون بنظرية تفوّق العرق الأبيض. كما صرح مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كريستوفر راي بأن المكتب سجل قرابة 100 حالة اعتقال لمشتبه فيهم محليين في أعمال إرهابية على مدى الأشهر التسعة الماضية.

2- شبكات نقل التطرف

أشار البيان الذي نشره المتهم بجريمة تكساس قبيل ارتكاب جريمته إلى أنه يتعاطف مع منفذ هجوم كرايست تشيرش الذي وقع في نيوزيلندا وأدى إلى مقتل نحو 51 شخصاً، وهو ما يُعطي زخماً للتحليلات التي تؤكد التشابكات بين حركات القوميين البيض المتطرفين في مختلف دول العالم، ولاسيما الدول الغربية، حيث تمكن المنتسبون لتلك الحركات خلال أقل من عقد من ارتكاب عدد من الجرائم البشعة بحق المهاجرين عبر هجمات توزعت على قارات العالم الخمس، وتنوعت بين إطلاق النار، والطعن، والتفجيرات، والهجمات بالسيارات، مستهدفة المسلمين واليهود والمهاجرين واللاجئين والحركات النسائية والسياسيين اليساريين.

ومع الاعتراف بأن مرتكبي الإرهاب الأبيض لا ينتمون لمجموعة واحدة بيضاء؛ إلا أن ما يجمعهم هو تبني الخطاب العنصري المعادي. وعادةً ما يُشير مرتكبو هذه الهجمات إلى أسماء من سبقوهم في تنفيذ هجمات مماثلة، مثلما حدث في حالة منفذ هجوم تكساس.

ويُفسر كثيرون تعاظم تأثير تلك التشابكات في ظل عوامل عدة، لعل من أبرزها السهولة والسرعة اللذين يوفّرهما الإنترنت، حيث بإمكان هؤلاء الأشخاص العثور على محتوى يدعم أيديولوجيتهم دون الحاجة إلى السفر أو مقابلة أشخاص آخرين، ما يتيح لهم التطرّف والاستعداد للعنف بشكل سريع.

3- جدل «حمل السلاح»

ينص دستور الولايات المتحدة الأميركية على حق المواطنين الأميركيين في حمل السلاح، بيد أن هذه القضية تعد من المسائل الخلافية في الولايات المتحدة، حيث تتصاعد العديد من الآراء الداعية لتجريم الحق في حمل السلاح انطلاقاً من دراسات عدة تؤكد وجود تناسب طردي بين عدد مالكي الأسلحة في الولايات مع وقوع الجرائم بهذه الولايات، كما تُشير الدراسات إلى أن الولايات الأميركية التي لديها قوانين أكثر تحرراً في ما يتعلق بالأسلحة؛ تشهد المزيد من حالات الانتحار وجرائم القتل، مقارنة بالولايات ذات القوانين الأشد صرامة.

وكما حدث في حوادث إطلاق النار السابقة؛ انتهز الديمقراطيون فرصة حادث تكساس للدعوة مجدداً إلى ضبط الأسلحة النارية، كما احتشد المئات من متطوعي حركة Moms Demand Action (الأمهات يطالبن بتحرك) الداعية لتشديد قوانين حمل الأسلحة، إلى جانب عدد من المناصرين لهم أمام البيت الأبيض والكونغرس مرتدين قمصاناً حمراء، داعين مجلس الشيوخ لإعادة النظر في قانون حمل السلاح. بيد أن هذه الدعوات تصطدم بالرأي الثابت لترامب في هذا الصدد الذي لخّصه بأن مواطني بلاده لن يُحرموا من حق حمل السلاح ما دام رئيساً للولايات المتحدة، كما أكّد في حوادث سابقة لإطلاق النار بشكل جماعي أن الحق في حمل السلاح ليس سبباً في حدوث هذه الحوادث، ولا يمكن لمنع الأسلحة أن يُسهم في الحد منها.


ضغوط متصاعدة

تتباين التوقعات حول التداعيات المحتملة لحادثة تكساس على المشهد السياسي الأميركي، فالخطاب السياسي الرسمي يتعامل مع هذه القضية بشكل شديد الحذر والدبلوماسية، مثلما تجلى في رد فعل ترامب الساعي لامتصاص ردود الفعل بخصوص الحادث، ومحاولة إبرازه كحادث إجرامي وليس سياسياً.

ومن ناحية أخرى، يرجّح البعض أن تتجاوز تأثيرات حادث تكساس قدرة الإدارة الأميركية على امتصاص تأثيرها، ولاسيما بعدما شهدت مدينة دايتون بولاية أوهايو حادثاً مماثلاً بعد أقل من 24 ساعة على حادث تكساس.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، واشتداد التنافس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ وجه عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيوجيرسي السيناتور «كوري بوكر»، وهو مرشح ديمقراطي محتمل في سباق الانتخابات الرئاسية، انتقادات متعددة لإدارة ترامب، قائلًا: إنه يبدو أن الولايات المتحدة «تقبل فكرة استمرار حدوث عمليات إطلاق نار كهذه بصورة منتظمة».

فيما اتهم المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية بيتو أورورك الرئيس دونالد ترامب بالتحريض على الكراهية وتشجيع العنف، مشيرا إلى أن الرئيس ترامب أثبت أنه عنصري، وذلك يتضح من خلال هجماته الأخيرة على أربعة أعضاء في الكونغرس من خلفية أقلية عرقية، كما تتضح عنصريته من خلال وصفه المكسيكيين بأنهم اغتصبوا الأراضي الأميركية، داعياً إلى تغيير القوانين حتى يكون من الصعب حدوث شيء كهذا مرة أخرى.

مع الاعتراف بأن مرتكبي الإرهاب الأبيض لا ينتمون لمجموعة واحدة بيضاء، إلا أن ما يجمعهم هو تبني الخطاب العنصري المعادي، وعادةً يشير مرتكبو هذه الهجمات إلى أسماء من سبقوهم في تنفيذ هجمات مماثلة، مثلما حدث في حالة منفذ هجوم تكساس.

مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي أعلن أنه يحقق حالياً في 850 قضية «إرهابية» محلية يستهدف معظمها نشطاء من اليمين المتطرف أو مناهضين للحكومة، وأن 40% من التحقيقات الأخرى تصب في خانة قضايا العنصرية، ويتعلق قسم كبير منها بمتطرفين يؤمنون بنظرية تفوّق العرق الأبيض.

طباعة