عقلية «عنفية» تحرّك المجتمع الإسرائيلي

جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين نتاج أيديولوجيـــــة تبرّر القتل

صورة

لقي الطفل الفلسطيني طارق زابانيا من مدينة الخليل مصرعه في الحال عندما دهسه مستوطن يهودي بسيارته في 15 يوليو الماضي. وانتشرت صورة الطفل طارق وهو ملقى في الشارع ووجهه باتجاه الأرض، على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان موته المبكر يحطم القلب.

إن دم طارق البريء يجب ألّا يذهب هدراً، ولذلك علينا أن نكون ملتزمين أخلاقياً بفهم طبيعة عنف المستوطنين اليهود، الذي لا يمكن رؤيته بمعزل عن العنصرية الموروثة في المجتمع الإسرائيلي ككل. ونحن جميعاً مذنبون بالترويج لفكرة أن المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يختلفون عن الإسرائيليين الذين يعيشون وراء ما يسمى بالخط الأخضر.

وبلا أدنى شك فإن العقلية «العنفية» التي تحرك المجتمع الإسرائيلي بغض النظر عن أماكن وجوده، غير محكومة بخطوط خيالية، ولكن بأيديولوجية عنصرية، ينتشر أتباعها في جميع أنحاء إسرائيل، وليس فقط في المستوطنات اليهودية غير الشرعية في الضفة الغربية. وإسرائيل مجتمع مريض، ومرضه غير مقتصر على القدس الشرقية، والضفة الغربية وغزة، التي احتلتها عام 1967. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين محبوسون وراء الأسوار، والأسيجة، والمناطق المغلقة، إلا أن الإسرائيليين يمثلون نوعاً مختلفاً من السجناء أيضاً. وكان رئيس جنوب إفريقيا السابق الذي قبع في السجن لفترة طويلة قد كتب عن نظام الفصل العنصري (ابارتهايد) «الرجل الذي يحرم رجلاً آخر من حريته هو سجين الكراهية، وهو محبوس خلف قضبان من التعصب والتفكير المنغلق».

عنصرية وتعصب

وهذه العنصرية والتعصب هي التي جعلت معظم الإسرائيليين لا يرون طارق. ويعتقد معظم الإسرائيليين أن أطفال الفلسطينيين غير موجودين ككائنات بشرية تستحق الحياة الكريمة والحرية. وهذه القساوة وانعدام الرحمة تمثل سمة مميزة وشائعة بين جميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي، سواء اليمين أو اليسار أو الوسط. ومثال ذلك، الهجوم الإرهابي الذي نفذه المستوطنون اليهود ضد عائلة الدوابشة الفلسطينية في قرية دوما في شمال الضفة الغربية في يوليو 2015، والذي أدى إلى مقتل الزوجين ريهام وسعيد وابنهما علي وعمره 18 شهراً. والفرد الوحيد الذي ظل على قيد الحياة إثر ذلك العمل الإجرامي البشع هو أحمد، (أربعة أعوام)، إلا أنه تعرض لحروق كبيرة.

وتم إبراز هذه القسوة والإجرام على نحو أكبر وأكثر وضوحاً في الأحداث التي تلت هذا العمل الإجرامي. ففي وقت لاحق من ذلك العام، ظهر تسجيل فيديو في عرس إسرائيلي وكان المشاركون فيه يرقصون وهم يحملون السكاكين ويغنون افتخاراً بموت الطفل علي. وبعد مرور ثلاث سنوات على هذه الجريمة، وبينما كانت عائلة الدوابشة تغادر محكمة إسرائيلية ويرافقها عدد من أعضاء الكنيست الفلسطينيين، وقف أمامهم عدد من الإسرائيليين وهم يغنون ويقولون «أين علي؟ علي ميت الآن. علي الآن يجري شيه»، وفي حقيقة الأمر فإن مرور الوقت لم يجعل هؤلاء الإسرائيليين ينسون كراهيتهم لطفل رضيع، الذي كانت جريمته الوحيدة أن هويته فلسطيني.

وأما الطفل الوحيد الذي بقي حياً من العائلة وهو أحمد، فقد تمت معاقبته ثلاث مرات، حيث كانت الأولى عندما فقد عائلته، والثانية عند حرقه، والثالثة عندما رفضوا منحه أي تعويضات. وتوصل وزير الدفاع في حينه، وهو المتطرف افيغدور ليبرمان، إلى قرار مفاده وببساطة أن الطفل لم يكن «ضحية إرهاب»، وانتهى الأمر وتم إغلاق القضية.

حماية القتلة

وعلى الرغم من أن عائلة الدوابشة قُتلت من قبل المستوطنين اليهود، إلا أن المحكمة الإسرائيلية والجيش والنظام السياسي في إسرائيل تآمروا جميعهم لضمان حماية القتلة من المحاسبة. وهذا الأمر لا يختلف عن قضية الجندي الإسرائيلي ايلور أزاريا، الذي قتل رجلاً فلسطينياً وهو مغمى عليه في الخليل في 24 مارس 2016. وأصر أزاريا في دفاعه على أنه كان يتبع تعليمات الجيش في التعامل مع المهاجمين، في حين جاء المسؤولون الإسرائيليون بالعشرات لدعمه.

وعندما تم إطلاق سراح ازاريا بعد تسعة أشهر في السجن، تعامل معه الكثير من الإسرائيليين باعتباره بطلاً قومياً. وربما أنه سيكون له حياة ناجحة في السياسة إذا قرر دخول هذا المجال. وفي الواقع، فقد تودد منه الساسة الإسرائيليون كي يساعدهم في الحصول على مزيد من الأصوات في الانتخابات التي جرت في أبريل الماضي.

تبييض سياسي

ولابد من القول إن اتهام المستوطنين الإسرائيليين وتبرئة بقية المجتمع الإسرائيلي يعادل عملية التبييض السياسي، الذي يقدم إسرائيل كمجتمع صحي قبل احتلال الضفة وقطاع غزة. وتقدم وجهة النظر هذه المستوطنات اليهودية كمرض سرطاني خبيث بخلاف الإنجازات النبيلة التي تدعو للفخر التي قام بها الصهاينة الأوائل.

ومن الملائم تصنيف المستوطنين اليهود باعتبارهم يميناً متطرفاً وربطهم بالأحزاب السياسية الحاكمة في إسرائيل. ولكن التاريخ يقول غير ذلك. فقد كان حزب العمل الإسرائيلي هو الذي بدأ مشروعات الاستيطان في الأصل، بعد وقت قصير من احتلاله الضفة الغربية. ومن بين أكبر المشروعات الاستعمارية في القدس الشرقية: رامات اشكول، وجيلو، وارمون هاناتسيف، وجميعها تشكلت تحت حكم حزب العمل وليس الليكود.

وفي الواقع فإن المستوطنين ليسوا ظاهرة جديدة، فتاريخياً كان المستوطنون الأوائل الذين بدأوا إنشاء إسرائيل عام 1948 يحلمون مثلاً باعتبارهم صهاينة حقيقيين، والذين يجري الاحتفال بهم الآن باعتبارهم «أبطالاً ثقافيين»، لأنهم المنقذون والمخلصون، الذين قاموا بالتطهير العرقي لفلسطين التاريخية من سكانها الأصليين. وكتب اموتس إسرائيل في صحيفة جيروزالم بوست يقول: «لم تفكر حركة العمل الأصلية في أن الاستيطان وراء الخط الأخضر كان أمراً غير شرعي، أو غير أخلاقي»، وإذا كان هناك أي نقاش في إسرائيل في ما يتعلق بموضوع المستوطنات، فهو لم يكن متعلقاً حقاً بقضية الشرعية أو القانونية وإنما الناحية العملية فيها، أي ما إذا كانت هذه المشروعات الاستعمارية يمكن أن تستمر أو يمكن حمايتها.

وباتت الآن حماية المستوطنات هي الشغل الشاغل لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وتشرح منظمة بتسليم المهتمة بحقوق الإنسان، التي تراقب سلوك الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، طبيعة هذه العلاقة في تقرير نشر في نوفمبر 2017. وكتبت «بتسليم»: «قوات الأمن الإسرائيلي لا تسمح للمستوطنين بإيذاء الفلسطينيين وممتلكاتهم فقط باعتباره أمراً عادياً، وإنما هي تقدم غالباً الدعم والمواكبة لمن يفعل هذا الأذى والأضرار. وفي بعض الحالات انضموا إلى مرتكبي هذه الأفعال وشاركوهم في الهجوم على الفلسطينيين».

وثمة منظمة إسرائيلية أخرى هي «ييش دين» خلصت في تقرير لها نشر في وقت سابق إلى أن 85% من الحالات التي تتضمن تورط المستوطنين في أعمال العنف ضد الفلسطينيين لم تتم متابعتها قانونياً. وأما الحالات الأخرى فإن 1.9% منها أدى إلى ادانة مرتكب الجرم، الذي عادة ما تكون عقوبته بسيطة وغير مهمة.

وفي الحقيقة فإن عنف المستوطنين اليهود لا ينبغي تحليله بمعزل عن العنف الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي، وإنما من خلال سياق أكبر لعنف الأيديولوجية الصهيونية التي تحكم المجتمع الإسرائيلي برمته. ولن ينتهي هذا العنف إلا عند نهاية الأيديولوجية العنصرية التي تبرر القتل، ولهذا فان من قتل الطفل طارق هو ابن هذه الأيديولوجية.

• معظم الإسرائيليين يعتقدون أن أطفال الفلسطينيين ليسوا كائنات بشرية تستحق الحياة الكريمة والحرية، وهذه القساوة وانعدام الرحمة من سمات المجتمع الإسرائيلي.

• %85 من الحالات التي تتضمن تورّط المستوطنين في أعمال العنف ضد الفلسطينيين لم تتم متابعتها قانونياً، فيما 1.9% منها أدى إلى إدانة مرتكب الجرم بعقوبة بسيطة وغير مهمة.

رمزي بارود - كاتب فلسطيني

طباعة