الإدارة الأميركية تخشى أن يكون «رفسنجاني جديد»

دلالات فرض واشنطن عقوبات على جواد ظريف

صورة

على الرغم من أن معظم ردود الفعل التي أثارها قرار الولايات المتحدة الأميركية بفرض عقوبات على وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في 31 يوليو 2019، ركزت على أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تقويض احتمالات التفاوض بين واشنطن وطهران، وتدفع باتجاه اتخاذ الطرفين مزيداً من الإجراءات التصعيدية خلال المرحلة المقبلة، إلا أن ذلك قد لا يمثل نهاية المطاف، إذ ستبقى احتمالات التفاوض قائمة في كل الأحوال رغم العقبات العديدة التي تواجهها في الوقت الحالي، لاسيما أن ظريف نفسه قد لا يكون المسؤول الرئيس عن هذا التفاوض، ليس فقط بسبب ضعف موقفه مع الرئيس روحاني، وتيار المعتدلين بشكل عام، على ضوء تراجع الرهان على الاتفاق النووي، وإنما أيضاً بسبب وجود أطراف أخرى، تشكل ما يمكن تسميته بـ«ظل الوزير»، تحظى بنفوذ أوسع، وتمتلك قدرة أكبر على اتخاذ القرار في هذا الشأن.

رسائل عدة

يمكن القول إن واشنطن سعت، عبر القرار الذي اتخذته، إلى توجيه رسائل ثلاث رئيسة إلى إيران والقوى المعنية بالاتفاق النووي، تتمثل في:

1- نشاط تخريبي

تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب، من خلال تلك الخطوة، إلقاء الضوء على الأدوار السلبية التي تقوم بها وزارة الخارجية الإيرانية، إذ تشارك الوزارة في الأنشطة التي يقوم بها النظام الإيراني على مستوى العالم وأدت في بعض الأحيان إلى تهديد أمن واستقرار العديد من الدول، على نحو فرض في النهاية تداعيات سلبية على العلاقات بين الطرفين وصلت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية في بعض الأحيان.

وبمعنى آخر، فإن إيران سعت بصفة دائمة، خلال المرحلة الماضية، إلى استغلال بعثاتها الدبلوماسية في الخارج من أجل استهداف رموز قوى المعارضة الإيرانية التي توجد في بعض الدول الغربية، على غرار فرنسا.

وقد مثل اعتقال السلطات الألمانية الدبلوماسي الإيراني الذي كان يعمل في سفارة بلاده لدى فيينا، أسدالله أسدي، في بداية يوليو 2018، إحدى تلك القضايا التي تسببت في تصاعد حدة التوتر بين إيران وثلاث دول أوروبية، حيث اتهمته ألمانيا بـ«العمل كجاسوس والتآمر لارتكاب جريمة قتل»، وهو الاتهام المرتبط بتسليمه متفجرات لبلجيكيين من أصل إيراني بهدف تفجير مؤتمر عقدته قوى المعارضة الإيرانية في باريس في 30 يونيو من العام نفسه.

وإلى جانب محاولات استهداف بعض رموز قوى المعارضة الإيرانية، كانت هناك قضايا أخرى مرتبطة بعمليات تجسس ودعم تنظيمات إرهابية واستهداف مصالح بعض القوى المناوئة لسياسات إيران.

كما أن السلطات الإيرانية نفسها لم تتوانَ عن التغاضي عن بعض الهجمات التي تعرضت لها بعثات دبلوماسية أجنبية على أراضيها، خصوصاً التابعة لدول تتباين سياستها معها في التعامل مع بعض الملفات. وعلى سبيل المثال، اقتحم متظاهرون مبنى السفارة البريطانية في طهران، في 29 نوفمبر 2011، للاحتجاج على عقوبات فرضتها لندن على طهران قبل ذلك بأيام قليلة. وكان لافتاً أن السفير البريطاني لدى طهران آنذاك، دومينيك تشيلكوت، كان قد اتهم السلطات الإيرانية بالوقوف وراء الحادث.

2- رفسنجاني جديد

ترى إدارة الرئيس ترامب أن موقع وزير الخارجية الإيراني لا يؤهله للدخول في مفاوضات جادة معها، في حالة ما إذا تم التوافق على تبني هذا الخيار. ففي رؤيتها، فإن دور ظريف ينحصر في كونه مسؤولاً تنفيذياً للتوجيهات والقرارات التي يصنعها مسؤولون آخرون في النظام الإيراني، وفي مقدمتهم المرشد الإيراني علي خامنئي.

وهنا، فإن اتجاهات عدة في واشنطن ترى أن هذه الخطوة الأخيرة التي جاءت في سياق الأمر التنفيذي الذي سبق أن أصدره الرئيس ترامب، وفرض بموجبه عقوبات على خامنئي، في 24 يونيو 2019، لن تعرقل أية مفاوضات محتملة مع طهران، باعتبار أن واشنطن تسعى إلى التفاوض مع الشخص الذي لديه القدرة على أن يتفاوض بالفعل، ويمتلك من النفوذ ما يستطيع من خلاله تنفيذ ما يمكن أن تنتهي إليه من نتائج والتزامات.

ووفقاً لذلك، فإذا لم يكن هذا الشخص هو خامنئي، فعلى الأقل من يحظى بثقته ويمكنه، بما لديه من نفوذ وقدرة على التأثير، أن يدفعه إلى القبول بما يمكن أن يتم الاتفاق عليه، على غرار الدور الذي سبق أن مارسه الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني عندما نجح في إقناع الخميني بقبول قرار وقف إطلاق النار مع العراق رقم 598 الذي اتخذ في 20 يوليو 1987، وشبّهه الخميني بـ«تجرّع كأس السم».

3- غياب التمايزات

تحاول واشنطن عبر تلك الخطوة الإشارة إلى أن تعويل بعض الأطراف على وجود تيار معتدل داخل إيران يسعى باستمرار إلى مقاومة الخطوات التصعيدية التي يقوم بها التيار المتشدد، لا تتوافق مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تكشف أن هذه الاستقطابات السياسية لا تؤثر بشكل كبير في الاتجاهات الرئيسة للسياسة الخارجية الإيرانية، بدليل أن ظريف نفسه، ومن قبله الرئيس الإيراني حسن روحاني، سبق أن أعلنا تأييدهما للإجراءات التي يقوم بها الحرس الثوري في منطقة الخليج، ووجّها تهديدات متعددة بالخيارات التي يمكن أن تقدم عليها إيران في المرحلة المقبلة رداً على العقوبات الأميركية وعلى عدم نجاح آلية «انستكس» الأوروبية في تحقيق أهدافها، حيث أعلن ظريف، في 3 أغسطس الجاري، أن إيران ستتخذ الخطوة الثالثة في تخفيض التزاماتها النووية.


التصعيد المتبادل سيبقى عنواناً رئيساً لما يجري من تفاعلات بين واشنطن وطهران.

إيران سعت بصفة دائمة خلال المرحلة الماضية إلى استغلال بعثاتها الدبلوماسية في الخارج من أجل استهداف رموز قوى المعارضة الإيرانية التي توجد في بعض الدول الغربية، على غرار فرنسا.

تحركات مضادة

كان لافتاً أن إيران حاولت التقليل من أهمية هذه الخطوة الأميركية، على نحو بدا جلياً في التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الإيرانيون في هذا الشأن. ويبدو أن ذلك مرتبط بأن هذه الخطوة لا تضيف في الحقيقة معطيات «اقتصادية» جديدة على الأرض، باعتبار أن العقوبات التي سبق أن فرضت على مراحل متعددة منذ 7 أغسطس 2018، أنتجت التأثير الأكبر، خصوصاً في ما يتعلق بتقليص الصادرات النفطية الإيرانية إلى الخارج.

وبمعنى آخر، فإن التأثير الأهم للعقوبات الأميركية على ظريف «سياسي» في المقام الأول، باعتبار أن الهدف يكمن في فرض مستوى أعلى من العزلة الدولية والإقليمية على إيران، ومحاولة وضع عقبات أمام التحركات التي يقوم بها ظريف على المستويين الإقليمي والدولي، رغم أن واشنطن نفسها ألمحت إلى أنها لن تتجه إلى العمل على عرقلة هذه التحركات بشكل كامل.

ومن هنا، يتوقع أن تسعى إيران في المرحلة المقبلة إلى تحدي القرار الأميركي، عبر تنظيم زيارات ولقاءات خارجية لظريف، بهدف توجيه رسالة إلى واشنطن والقوى الدولية المعنية بأن هذه الإجراءات العقابية الأميركية لن تنجح في منع إيران من الاستمرار في التواصل مع دول العالم المختلفة.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن التصعيد المتبادل سيبقى عنواناً رئيساً لما يجري من تفاعلات بين واشنطن وطهران، خصوصاً مع استعداد الأخيرة لاتخاذ إجراءات جديدة خاصة بتخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق النووي خلال المرحلة المقبلة.

طباعة