سياساته تجاه أزمات دولية عدة تبدو «غير متوقعة»

تزايد احتمالات تكرار جونسون نهج ترامب في بريطانيا

جونسون ورث من ماي علاقة متوترة مع ترامب. أرشيفية

شهد شهر يوليو المنقضي تولي بوريس جونسون رسميّاً منصب رئيس وزراء بريطانيا خلفاً لتيريزا ماي، بعد قبوله دعوة الملكة إليزابيث لتشكيل حكومة جديدة، وذلك على خلفية نجاح جونسون في حصد أصوات مؤيدة بلغت 92.153 ألف صوت من أعضاء حزب المحافظين، مقابل 46.656 ألف صوت حصل عليها منافسه جيرمي هانت. وبمجرد تسلمه مهام منصبه أصبح على جونسون أن يتولى قيادة بريطانيا في مواجهة العديد من التحديات والقضايا الإشكالية، التي من المتوقع أن ترسم جانباً كبيراً من ملامح مستقبل بريطانيا على الصعيدين الداخلي والخارجي.

إدارة ملف «البريكست»

كانت مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) الصخرة التي تحطمت عليها رئاسة تيريزا ماي لمجلس وزراء بلادها، حيث اضطرت للاستقالة بعدما فشلت في التوصل إلى اتفاق جيد يُرضي جميع الأطراف في بلادها، وفي بروكسل. ومن ثم فمن الطبيعي أن تطغى هذه القضية على اهتمام معظم القوى السياسية البريطانية، وأن تكون عاملاً حاسماً في اختياراتهم السياسية. ومن ثمّ كان موقف جونسون من قضية البريكست من العوامل الحاسمة في نجاحه للوصول إلى منصبه، ومن ثم كان جونسون حريصاً بعد دقائق من إعلانه رئيساً لوزراء بريطانيا على تأكيد أن البريكست سيُنفذ في موعده المحدد، أي يوم 31 أكتوبر المقبل.

وفي هذا السياق، يواجه جونسون مأزقاً نظراً لأن الاتحاد الأوروبي يقبل الاتفاق الذي قدمته تيريزا ماي في السابق، والذي يُتيح للمملكة المتحدة الخروج شرط الحفاظ على مصالح الرعايا الأوروبيين في البلاد، فضلاً عن الالتزام ببعض بنود التكتل الأوروبي السابقة، ما سيحرم بريطانيا من تجارة حرة مع الولايات المتحدة، في حين يرفضها مجلس العموم البريطاني، معتبراً أنها تضر ببريطانيا.

ويتبنى جونسون نهجاً متشدداً في ما يتعلق بمسألة البريكست، حيث يعتبر أن خطة تيريزا ماي «غير مقبولة»، مطالباً الاتحاد الأوروبي بإجراء مفاوضات جديدة، لاسيما في ما يتعلق بإلغاء بند «شبكة الأمان» المتعلق بالحدود الأيرلندية، وهو إجراء مؤقت يُبقي بريطانيا ضمن الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، لحين التوصل إلى حل نهائي لأزمة الحدود بين أيرلندا ومقاطعة أيرلندا الشمالية. وفي حال الخروج دون اتفاق، هدد جونسون بعدم دفع فاتورة الخروج وقدرها 39 مليار جنيه إسترليني، مشيراً إلى أنه سيُنفق الأموال بدلاً من ذلك على التحضيرات للخروج دون اتفاق. ويرى جونسون أن تهديد الخروج دون اتفاق من الاتحاد الأوروبي سيجبر بروكسل على الإذعان ومنح لندن شروطاً أفضل ستتيح لها إبرام اتفاقيات تجارية مع قوى عالمية، مثل الصين والولايات المتحدة. وبطبيعة الحال، يتضمن فريق جونسون عدداً من المتشددين الذين يؤيدون خطته لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في موعده المحدد، بل ويشككون في الوحدة الأوروبية، مثل دومينيك راب الذي تولى حقيبة الخارجية، وجاكوب ريس موج المكلف بتولي العلاقات مع البرلمان.

وعلى صعيد متصل، تأتي الانعكاسات الاقتصادية لقضية البريكست لتشكل تحدياً صعباً أمام جونسون، إذ تعاني العملة البريطانية حالة من عدم الاستقرار، ما أدى لانخفاض الجنيه الإسترليني بنحو 2.5% منذ بداية العام الجاري، كما هبطت أسعار المنازل في لندن بأكبر وتيرة في 10 سنوات في مايو الماضي، وذلك بنحو 4.4%.

وتُسهم تصريحات جونسون في إثارة قلق المستثمرين، فأحياناً يُعلن تأييده للبريكست دون صفقة، ثم يتراجع عن هذه التصريحات، ليمنح المستثمرين إشارات متباينة حول مستقبل الخروج من الاتحاد الأوروبي. فمن ناحية أولى، يؤكد جونسون أن استراتيجيته للبريكست هي استخدام التهديد المتعلق بتنفيذه دون اتفاق لإقناع الاتحاد الأوروبي بحذف مسألة الحدود الأيرلندية الجدلية من اتفاق الانسحاب الذي تفاوضت بشأنه ماي.

ومن ناحية ثانية، يصرح جونسون بأن فرص مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي دون اتفاق هي «واحد إلى مليون». ويؤدي هذا الغموض إلى تقلب سعر الجنيه الإسترليني بشكل كبير وسط المخاوف الناتجة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما تبرز تحذيرات من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق سيدفع معدل البطالة إلى ما يزيد على 5%، ما يؤدي إلى انخفاض أسعار المنازل لنحو 10%، وفي النهاية ستغرق بريطانيا في حالة ركود، بحسب بعض المحللين.

تسوية أوضاع المهاجرين

تحتل مسألة الهجرة وقضايا اللاجئين مساحة كبيرة من الاهتمام في الدول الأوروبية بصفة عامة، ومن المتوقع أن تكون لجونسون بصمات واضحة في هذا السياق، لاسيما أن لديه مقترحاً لتنظيم أوضاع المهاجرين غير القانونيين، سبق أن قدمه عندما كان رئيساً لبلدية لندن. وينص المقترح على تنظيم أوضاع المهاجرين في وضع غير قانوني، رافضاً فكرة ترحيلهم خارج البلاد، وفي الوقت ذاته يدعو لتبني إجراءات للحد من دخول مهاجرين إضافيين بشكل غير قانوني إلى المملكة المتحدة لتفادي حصول «أثر عكسي». بعبارة أخرى، تقوم سياسة جونسون في هذا السياق على إظهار «المزيد من الحزم» تجاه المهاجرين الذين يحاولون الدخول بشكل غير قانوني إلى البلاد، لكن أن تكون «أكثر تعاطفاً مع الموجودين بها أصلاً».

ومن ثم يتوقع أن يسارع جونسون لوضع ضوابط على الهجرة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإدخال نظام هجرة قائم على النقاط، على غرار أستراليا. ويسمح هذا النوع من الأنظمة بشكل عام بدخول المهاجرين الذين يستوفون معايير معينة، مثل المؤهلات والمهنة واللغة.

العلاقات مع القوى الكبرى

على الرغم من التحالف الاستراتيجي بين لندن وواشنطن، أثيرت في الفترة الماضية العديد من علامات الاستفهام حول خلافات في المصالح والرؤى بين الدولتين حول بعض القضايا، ومنها التغير المناخي والملف الإيراني وغيرهما. ويرى مراقبون أن جونسون ربما يكون له تأثير واضح في تجسير الفجوة بين البلدين خلال عمله رئيساً لوزراء بريطانيا، لاسيما أن جونسون يتباهى بصداقته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدرجة تجعل المشككين يخشون من أن تصبح بريطانيا رهينة لسياسات ترامب الخارجية التي لا يمكن التكهن بها، وإن كانت هناك تحليلات أخرى تذهب إلى أن العلاقة المميزة بين ترامب وجونسون قد تُعزز فرص بريطانيا في إبرام اتفاق تجارة مع الولايات المتحدة بعد بريكست مثلما ألمح لذلك الرئيس الأميركي ترامب خلال زيارته الأخيرة للندن.

وفي السياق ذاته، يثمّن البعض أهمية تصريحات ترامب المتكررة بأن بوريس جونسون سيكون رئيس وزراء جيداً للغاية، وربما يلجأ جونسون لتوظيف إعجاب ترامب به وتقديم خطوات لاسترضاء ترامب بهدف تجاوز الأزمة الدبلوماسية التي نشبت بين الجانبين، خصوصاً بعد تسريبات سفير لندن في واشنطن كيم داروك، التي قال فيها: «إن إدارة ترامب تعاني خللاً جسيماً، وانقساماً تحت قيادة ترامب».

ومن ناحية ثانية، يخشى كثيرون من أن تشهد علاقات بريطانيا مع روسيا تصاعداً في التوتر بسبب وجود جونسون على رأس صانعي قرار السياسة الخارجية البريطانية، لاسيما أن العلاقة بين الجانبين شهدت توترات واضحة خلال عمل جونسون وزيراً لخارجية بلاده، على خلفية مقتل عميل روسي معارض للرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يقيم في بريطانيا بغاز الأعصاب، حيث قالت الحكومة البريطانية وقتها إنه غاز تم تطويره في روسيا، ويحمل اسم «نوفيتشوك». وفي أعقاب ذلك طردت لندن 23 دبلوماسيّاً من السفارة الروسية، وفرضت ضوابط أكثر صرامة على الروس الذين يسافرون على متن طائرات خاصة، وكذلك إجراءات تفتيش أكثر تشدداً، كما كثفت أجهزة الاستخبارات الوطنية تحقيقاتها بشأن الأموال الروسية القادمة إلى البلاد.

واستمر توتر العلاقات بين الجانبين في أعقاب تلك الواقعة حتى إن جونسون شبّه بوتين بالزعيم النازي أدولف هتلر، معتبراً استضافة روسيا لكأس العالم لكرة القدم عام 2018 حدثاً مماثلاً لعقد دورة الألعاب الأولمبية عام 1936 في ألمانيا النازية. ومن ثم، فإن المحللين يتوقعون أن تستمر لندن في نهجها المتشدد إزاء موسكو في ظل حكومة جونسون الذي يرى في روسيا المصدر الرئيس للتهديد الخارجي للسلام والاستقرار في أوروبا.

الملف الإيراني

يعد التحدي الأكثر إلحاحاً على أجندة رئيس الحكومة البريطانية الجديد هو إدارة العلاقات المتوترة مع طهران التي بلغت حد التأزم مع احتجاز إيران ناقلة نفط ترفع علم بريطانيا في مضيق هرمز، ما دفع لندن للإعلان عن قرب تشكيل قوة للحماية في الخليج مع شركاء أوروبيين.

ويأتي ذلك إضافة إلى تفاقم التوتر بين الولايات المتحدة (الحليف الأهم لبريطانيا) وإيران منذ أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، العام الماضي، الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وافقت إيران بموجبه على تقييد برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية. وعلى الرغم من تأكيدات جونسون السابقة على أن الاتفاق النووي بين إيران والسداسية الدولية هو اتفاق قيّم؛ إلا أن سياسات لندن تجاه الملف الإيراني برمته ربما تختلف في المستقبل القريب، لاسيما بعد حادثة احتجاز طهران ناقلة النفط البريطانية، حيث اتجه جونسون لإعلان قيامه بالتنسيق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكداً حاجة البلدين للعمل معاً في هذه القضية، التي يتوقع أن تنال قدراً أكبر من التباحث والتوافق بين الجانبين إبان لقاء الزعيمين في قمة مجموعة الدول السبع المقرر عقدها في فرنسا في أغسطس المقبل.

ختاماً، يمكن القول إنه من غير الممكن توقع رد فعل رئيس الوزراء البريطاني الجديد في التعامل مع أزمة إيران، خصوصاً أنه لم يعلن خطة واضحة للتعامل مع طهران، بل إنه ليس من المستبعد أن تتجه لندن للتنسيق مع الاتحاد الأوروبي لإنشاء قوة للحماية في الخليج، وهو ما يبدو متناقضاً مع مساعي بريطانيا للخروج من المشروع الأوروبي.


جونسون يواجه مأزقاً نظراً إلى أن الاتحاد الأوروبي يقبل الاتفاق الذي قدمته تيريزا ماي في السابق، الذي يُتيح للمملكة المتحدة الخروج شرط الحفاظ على مصالح الرعايا الأوروبيين في البلاد، فضلاً عن الالتزام ببعض بنود التكتل الأوروبي السابقة.

كثيرون يخشون من أن تشهد علاقات بريطانيا مع روسيا تصاعداً في التوتر، بسبب وجود جونسون على رأس صانعي قرار السياسة الخارجية البريطانية، لاسيما أن العلاقة بين الجانبين شهدت توترات واضحة خلال عمل جونسون وزيراً لخارجية بلاده.

طباعة