اهتزازات تل أبيب لن تتوقف قريباً

الوقت حان لمراجعة أُسس النظام السياسي الإسرائيلي

صورة

اعتادت إسرائيل الترويج لوجودها في بيئة إقليمية مضطربة، مملوءة بالتهديدات التي تفرض عليها إعلاء قيمة الأمن؛ الأمر الذي دفع كثيراً من الأدبيات إلى وصفها بدولة تعاني «العُصاب الأمني»، وكانت هذه التهديدات مبرراً كافياً لسياساتها الخارجية على المستوى الإقليمي في أغلب الحالات. لكن المرحلة الحالية تشهد اختلافاً في هذا النهج الإسرائيلي، فقد تسبب المحيط الإقليمي ببعديه العربي والشرق أوسطي، في تحقيق حالة من استقرار البيئة الأمنية الخارجية المحيطة بإسرائيل نسبيّاً؛ نتيجة العديد من الصراعات والأزمات والتحديات الداخلية التي ينخرط فيها أغلب القوى الفاعلة إقليميّاً. وفي أوساط إسرائيلية عدة اعتُبرت هذه الحالة من الاستقرار نجاحاً سياسياً وأمنياً لحكومة بنيامين نتنياهو المستمر في رئاسة الحكومة الإسرائيلية منذ 2009.

وفي المقابل، شهدت الأوضاع الداخلية في إسرائيل اضطرابات سياسية متصاعدة، نتيجة لحالة التهميش والاستبعاد لبعض المكونات المجتمعية، وتصاعد الاستقطاب السياسي والانقسامات الحزبية، وهو ما أدى إلى إخفاق نتنياهو في تشكيل حكومته الخامسة، بعد تشدد الأحزاب اليمينية في فرض شروطها، ما أدى إلى الدعوة لانتخابات مبكرة في سبتمبر 2019، بالإضافة إلى تصاعد الاتهامات بالفساد ضد نتنياهو والدوائر المحيطة به.

احتجاجات يهود الفلاشا

شهدت إسرائيل بعض الاحتجاجات على خلفية قتل شرطي إسرائيلي شاباً من الطائفة في بداية شهر يوليو الجاري، وصاحبت هذه الاحتجاجات أعمال عنف تخريبية، واجهتها الشرطة الإسرائيلية بقوة أثارت انتقادات لأدائها. وتجددت الاحتجاجات مرة أخرى أمام الكنيست الإسرائيلي بعد الإفراج عن الضابط المتهم بقتل الشاب الإثيوبي، وتخفيف الاتهام الموجه ضده. وهذه الاحتجاجات رغم التركيز الإعلامي عليها والتضخيم لها في كثيرٍ من الأحيان، ليست الأولى أو الأكثر حدّة، التي يقوم بها الإسرائيليون ذوو الأصول الإثيوبية، ففي مايو 2015، اندلعت تظاهرات احتجاج عنيفة من جانب أبناء الطائفة، بعد أن تسرب شريط فيديو للإعلام الإسرائيلي يصور اعتداء رجال الشرطة على مجند من طائفة الفلاشا؛ وقد تركزت وقتها في مدينتي القدس وتل أبيب.

وواقع الأمر أن لجوء طائفة الفلاشا للعنف، سواء عام 2015 أو حاليّاً، يُعد رد فعل على التمييز الاجتماعي العنصري ضدهم منذ الهجرات الأولى لهم إلى إسرائيل، وليس مستحدثاً، الأمر الذي يجعلهم يعانون أزمة عدم الاندماج الاجتماعي، ويبرزون طبيعة المجتمع الإسرائيلي كمجتمع متشرذم قائم على الهجرات، رغم السياسات الحكومية لاستيعاب هذا التشرذم.

ويشير عنف الفلاشا الحالي إلى ارتفاع حالة الاحتقان لديهم، وارتفاع فرص تكرار مثل هذه المصادمات بين أجهزة الدولة وبعض فئات المجتمع، خصوصاً مع اعتماد الشرطة على القوة في تفريق هذه التظاهرات والاحتجاجات. ففي تصريح للمفوض العام للشرطة بالوكالة، موطي كوهين، صرح: «خلال الاحتجاجات الأخيرة، خصوصاً في الأسبوع الماضي، شهدنا استغلالاً لرغبتنا كقوة شرطة في السماح لاحتجاج مشروع، وبعض الناس تصرفوا بعنف ضد المدنيين والشرطة في اضطرابات خطيرة، وهذا لن يسمح به».

وأعادت هذه الواقعة إلى المجتمع الإسرائيلي مشكلة أساسية متجذرة فيه، وهي استمرار التمييز «المجتمعي» في إسرائيل ضد أصحاب البشرة السمراء، ممن ينتمون إلى طائفة «الفلاشا» التي يحتل فيها الإثيوبيون مكان الأغلبية، أو من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، كما يُبرز عدم قدرة إسرائيل على معالجة مشكلة التمييز ضد هذه الطائفة على المستوى الرسمي، إلى جانب إفراط الشرطة في العنف، سواء مع الفلاشا، أو مع العرب في إسرائيل.

ومن المتوقّع أن تهدأ الاحتجاجات التي أثارتها طائفة الفلاشا، وأن تتم السيطرة الأمنية على أعمال العنف والاحتجاج التي قد يقومون بها، لاعتبارات عدة، منها: عدم تمثيلهم من خلال قوة سياسية ذات تأثير في الداخل الإسرائيلي، وغياب الدعم الدولي للجالية الإثيوبية في إسرائيل، واقتصار الانتقادات على المبالغة في حماية رجال الشرطة الذين يميلون لاستخدام العنف المفرط، وليس لعنف الدولة وقمعها للاحتجاجات والتظاهرات.

مشكلات النظام الديمقراطي

اعتادت إسرائيل الترويج لمقولة إنها «واحة الديمقراطية» في المنطقة، بيد أنه مع طول الفترة التي يحكم بها اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه تكتل الليكود بزعامة نتنياهو (صاحب أطول فترة في رئاسة الوزراء لإسرائيل)، فإن هذا دفع الحكومات اليمينية لتبني بعض السياسات التي قد تهدد هذا النموذج من وجهة نظر الإسرائيليين أنفسهم، ومنها: قانون القومية، واستمرار حالة الطوارئ، والتدخل في عمل السلطة القضائية.

وفي هذا السياق أكد المؤرخ الفرنسي المهتم بالتاريخ الحديث للشرق الأوسط، جان بيير فيليو، بمناسبة صدور كتابه «إحكام القبضة على إسرائيل.. نتنياهو ونهاية الحلم الصهيوني»، أن نتنياهو قد أضر بإسرائيل بتركيزه على الجناح الصهيوني - وليس كل اليهود - داخل الولايات المتحدة، أو بارتباطه الشديد باليمين المتشدد على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فإذا كان إعلان عام 1948 قد أقر «المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع المواطنين»، يهوداً أو عرباً؛ فإن نتنياهو يأتي بعد 70 سنة، متجاهلاً الديمقراطية، ليقر «قانوناً أساسياً» له قوة الدستور يعطي للشعب اليهودي وحده حق تقرير المصير على أرض فلسطين، ويشطب اللغة العربية الرسمية حتى هذا التاريخ، رغم أنه يتحدث بها 20% من السكان، وذلك على حد تأكيد الكتاب.

يضاف إلى هذا الاستمرار في إعلان حالة الطوارئ، وهو ما يراه كثيرٌ من المحللين رغبة من السلطة التنفيذية في أن تتخذ لنفسها صلاحيات إضافية باسم «الطوارئ». وأهمية هذه الحالة أنها تسمح للحكومة بتنفيذ جملة من القوانين التي يُشترط سريان مفعولها بوجود الإعلان، مثل قانون الاعتقالات الإدارية الذي يمنح وزير الدفاع صلاحيات كبرى لحبس من يعتبرهم خطرين على أمن الدولة بلا محاكمة.

ومن جهة ثانية، وجّه رؤساء مؤسسة القضاء في إسرائيل انتقادات شديدة لنتنياهو، اتهموه فيها بمحاولة ضرب الجهاز القضائي لأغراض ومصالح ذاتية. وقالت رئيسة المحكمة العليا، إستر حيوت: «إن نتنياهو وكثيراً من وزرائه وأعضاء الكنيست، يحاولون الحد من صلاحيات المحكمة العليا والجهاز القضائي، وتكبيل يديه، لكيلا يقوم بواجبه في فرض العدالة وسلطة القانون». وانضمت إلى حيوت رئيسة المحكمة العليا الإسرائيلية السابقة دوريت بينيش، التي وصفت مبادرة نتنياهو لإجراء إصلاحات في جهاز القضاء بهدف منع المحكمة العليا من التدخل في قرارات الكنيست، بأنها نابعة من دوافع شخصية مرفوضة، وأن نتنياهو مستعد لإحراق المؤسسة القضائية، لأنه يشعر بأنه ملاحق قضائياً، على خلفية شبهات بارتكابه مخالفات فساد خطيرة، وذلك على حد تعبيرها.

ويمكن القول إن هناك تخوفات في الداخل الإسرائيلي من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الحالية للبقاء في السلطة وربما حماية رئيس الحكومة من الاتهامات القضائية ضده بالفساد السياسي، ما دفع أنصاره في حزب الليكود إلى السعي للحصول على حصانة برلمانية له من المحاكمة أثناء وجوده في السلطة، ما أثار حالة من الغضب وخروج تظاهرات في تل أبيب احتجاجاً على خطوات تشريعية قد تمنح بنيامين نتنياهو حصانة من المحاكمة، وتحدّ من سلطة المحكمة العليا.

وتُعد هذه السياسات مناقضة لما تفرضه الطبيعة الديمقراطية للنظام من الشفافية والتداول السلمي للسلطة، ولا يعني هذا وجود شبهات في تزوير نتائج الانتخابات الإسرائيلية بأي شكل، وإن كانت هناك اتهامات بوجود اختراقات سيبرانية لقاعدة بيانات الناخبين، وهذا الاتجاه عبر عنه المحاور برايان بينيت، بعد حوار مع نتنياهو لصحيفة «التايمز»، بأن مستقبل الدولة اليهودية «لايزال رهناً لنهج نتنياهو في السلطة».

تحديات الانتخابات المقبلة

يمكن القول إن هناك حالة من الانقسام السياسي الواضح داخل إسرائيل بدأت من نتائج الانتخابات السابقة التي أُجريت في أبريل 2019، والتي فاز بها تكتل الليكود بصعوبة، وعجز رئيس الحكومة الفائز في الانتخابات نتنياهو عن تشكيل ائتلاف حكومي حينها، الأمر الذي اضطر الكنيست لحل نفسه بنفسه والدعوة لانتخابات جديدة في سبتمبر المقبل. أي أن هذه المرحلة تشهد سباقاً انتخابياً وتشكيل تحالفات وتكتلات، وربما حل البعض الآخر. وفي خضمّ هذه المرحلة من التنافس الانتخابي، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى عدد من التحديات التي من المتوقع أن تشهدها الانتخابات المقبلة:

1- غلبة «الشخصنة»

يعد نتنياهو أحد الأسباب الرئيسة لرفض تكتل «كاحول لافان» (أبيض أزرق) المشاركة في الائتلاف الحكومي مع الليكود، رغم عرض نتنياهو تداول رئاسة الوزراء مع جانتس رئيس التكتل المذكور. كذلك فإن الاختلافات الشخصية عميقة بين ليبرمان رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» ونتنياهو، لرفض الأخير شرط ليبرمان بضرورة تمرير التجنيد الإجباري دون استثناءات للمتدينين. وتظهر أيضاً هذه «الشخصنة» في الحملات الانتخابية الحالية كمعيار للحصول على الأصوات الانتخابية وليس اختلاف البرامج الحزبية، فمع عودة إيهود باراك (رئيس الوزراء السابق) للعمل السياسي بعد تأسيسه لحزب جديد باسم «إسرائيل الديمقراطية» لا يختلف كثيراً عن حزب العمل اليساري، أي إنه يقدم نفسه كشخص له رصيد سياسي بغض النظر عن كفاءة حزبه وبرنامجه الانتخابي، كما أنه يؤكد الشخصنة أيضاً بقبوله التحالف مع حزب «ميرتس»، والعمل دون أن يكون على رأس القائمة اليسارية في الانتخابات المقبلة؛ لأن الهدف هو إزاحة نتنياهو، وترتبط هذه الشخصنة بوجود اتهامات بالفساد السياسي والأخلاقي للعديد من الرموز السياسية، كاتهامات الفساد الموجهة لنتنياهو. وفي الوقت نفسه، وجّه نتنياهو انتقادات متعددة لإيهود باراك نتيجة شراكته مع رجل الأعمال الإسرائيلي جيفري إبستين المتهم بقضايا أخلاقية عدة في الولايات المتحدة.

2- صعود القومية

حيث يعتمد حزب «إسرائيل بيتنا»، على سبيل المثال، على الإثنية الروسية، فهو يسعى للفوز بأصوات اليهود الروس في كل انتخابات تشريعية. كذلك فإن الأحزاب العربية يصعب انضمامها لأي من التكتلات الحزبية، رغم فرص حصولها على عدد مقاعد يصل إلى 12 مقعداً وفقاً لاستطلاعات الرأي، بل لقد تصاعدت الانتقادات لتصريحات بعض قيادات اليسار التي طالبت بالتحالف مع الأحزاب العربية للحد من هيمنة اليمين على المشهد السياسي الإسرائيلي.

3- تشدد الأحزاب الدينية

مثّلت الأحزاب الصغيرة، خصوصاً المتشددة منها دينياً، والمعروفة باسم الأحزاب الحديدية؛ عائقاً في تشكيل حكومة ائتلافية في الانتخابات السابقة لما مارسته من ابتزاز سياسي لليكود طمعاً في الحصول على حقائب وزارية سيادية لإدراكها احتياج الليكود لها للحفاظ على الائتلاف، ولا يستبعد تكرار هذا السلوك في الانتخابات المقبلة.

سيناريوهات محتملة

تؤدي السياقات المعقدة المشار إليها سابقاً إلى صعود مجموعة من السيناريوهات حول الانتخابات المقبلة، جميعها تنذر باستمرار حالة الاحتقان السياسي، وارتباك التعددية الحزبية التقليدية في إسرائيل. ووفقاً لاستطلاعات الرأي المختلفة، يظهر أنه من المرجح تقارب عدد المقاعد التي سيحصل عليها الليكود مع المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها «أبيض أزرق»، وعدم قدرة أي منهما على تشكيل الحكومة بمفرده، وذلك على الرغم من فرص تشكل تحالفات حزبية أخرى، سواء لليمين أو لليسار، ووفقاً لهذا الاحتمال فإن السيناريوهات المتوقعة، هي:

1- إقالة نتنياهو

أن يطيح حزب الليكود برئيسه نتنياهو، مع تزايد الإدراك بأن شخص نتنياهو هو العائق أمام فرص تشكيل الحكومة الائتلافية وحصول الحزب على الحقائب الوزارية الأهم فيها. وواقع الأمر، فإن بيني جانتس يُراهن على هذا الاحتمال وربما يروج له في محاولة لتفرقة أصوات الليكود، فهو يعلن عن تفاوضه مع ممثلين لليكود للتحالف معهم من دون نتنياهو لتشكيل حكومة ائتلافية قبل موعد الانتخابات المقبلة. لكن على الرغم من كل التحفظات على نتنياهو من جانب بعض أعضاء حزبه، فإن منافسيه لا ينكرون ما تمكن من تحقيقه من إنجازات خلال فترة رئاسته للحكومة، وأن له قاعدة واسعة من المؤيدين، سواء من اليمينيين أو شبكات المصالح التي استطاع تكوينها خلال فترة حكمه، كذلك فإن رئاسته الطويلة للحزب وللحكومة حدّت من ظهور قيادات بارزة داخل الليكود يمكن أن يُجمع عليها أعضاؤه. ورغم حياد المؤسسة العسكرية في هذا التنافس الانتخابي، إلا أن درجة ثقة قياداتها وتفاهمهم مع نتنياهو تبدو أكبر من منافسيه، خصوصاً مع موافقته المبدئية على الموازنة العسكرية، وعلى المستوى الدولي، فإن نتنياهو قد تمكن مع الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من الرئيس الأميركي ترامب، وفي الوقت نفسه نجح في إدارة العلاقة مع روسيا، فهذه الخبرة قد يرى المواطن الإسرائيلي صعوبة استبدالها سريعاً.

2- الصفقة بين «الليكود» و«كاحول لافان»

أن يُضطر التكتلان الكبيران (الليكود، وأبيض أزرق) إلى أن يتجها إلى «حل الضرورة» بتشكيل حكومة وطنية، حيث يشكلان معاً نحو 55% من إجمالي المقاعد البرلمانية، مع قبول التناوب في رئاسة الحكومة، لأنه إذا تكرر المشهد نفسه وتعثر تشكيل حكومة ائتلافية مع الانتخابات المقبلة سيضعف كلا التكتلين، ويفقدان أصواتاً، بالإضافة إلى تزعزع ثقة الناخب الإسرائيلي في النظام السياسي، وهذه مخاطرة يصعب قبولها في إسرائيل، وقد يزيد من فرص قبول حل الضرورة انتماء التكتلين لليمين الإسرائيلي في ظل تنافس يبدو يمينيّاً - يمينيّاً. ويرتبط بهذا السيناريو بعض الاحتمالات كأن يسعى نتنياهو للحصول على ضمانات قضائية، أو حصانة تحول دون مساءلته القانونية.


تحديات سياسية ضاغطة

تواجه إسرائيل حاليّاً تحديات سياسية ضاغطة تسعى حكومتها جاهدة لاستيعابها، وربما توظيفها، لكن الأمر المؤكد أنه حتى إذا نجح نتنياهو وحكومته في هذا فإن هناك العديد من القضايا السياسية التي مازالت تثير انتقادات المجتمع الإسرائيلي.

نتنياهو أضرّ بإسرائيل بتركيزه على الجناح الصهيوني - وليس كل اليهود - داخل الولايات المتحدة، أو بارتباطه الشديد باليمين المتشدد على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

طباعة