مستنداً إلى افتراضات زائفة

جونسون يحلم بإعادة مجد بريطانيا العظمى وسيطرتها على العالم

صورة

*

بوريس جونسون، رئيس الحكومة البريطاني الجديد، يعتبر مثالاً قوياً للقائد المتيم بالحنين إلى الماضي. ومنذ الاستفتاء على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي «البريكست» لجعل مستقبل بلاده خارج الاتحاد الأوروبي جذاباً، لعب على ماضي المملكة المتحدة عن طريق تضخيم قوة ونفوذ دولته الحقيقيين. ولم يكترث كثيراً إلى أن بريطانيا لم تعد سيدة البحار، وأن مستعمرة سابقة لها هي الهند، تطمح لأن تكون قوة عظمى، وأن قارة أوروبا لم تعد ساحة حرب، وكان يعني من خلال ادعاءاته أن الشمس لن تغيب عن إمبراطورية بوريس.

وقبل بضعة أيام من التصويت على «البريكست» عام 2016، حث المواطنين البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي وقال: «علينا الخروج من أوروبا للتخلص من السلاسل التي تكبل بريطانيا العظيمة، التي لا يمكن تقييدها، وندع الأسد يزأر من جديد. ونكتسب معركة الديمقراطية البريطانية». وادعى أن رئيس الوزراء البريطاني السابق، وينستون تشرشل، الذي يعتبره بطله السياسي، لو كان موجوداً الآن لانضم إليه في حملته للخروج من الاتحاد الأوروبي.

الانتقال إلى الماضي

وإذا تم تنفيذ مشروع «البريكست»، فإنه سينقل بريطانيا إلى الماضي، على الأقل إلى عام 1973 عندما انضمت إلى المجتمع الاقتصادي الأوروبي، ولكن نهاية ستينات القرن الماضي وبداية السبعينات لا تمثل العصر الذهبي للمملكة المتحدة. لقد كان الاقتصاد في حالة من الركود، كما أن الإمبراطورية كانت في حالة انهيار، في حين أن أوروبا بدأت تتجمع مع بعضها بعضاً، وأخذت بريطانيا تنتقل وببطء نحو هامش النظام الدولي.

ويمثل العصر الفكتوري والإدواردي أوج الإمبراطورية البريطانية، وهو ما يفكر به جونسون. وكان واضحاً في ذلك، عندما ترك منصبه كوزير للخارجية في يوليو 2018 نتيجة رفضه لاتفاقية اعتبرها ضعيفة توصلت إليها رئيسة الحكومة السابقة تيريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي، حيث قال جونسون في حينه لقد خسرنا روح «البريكست». ويجب على بريطانيا اكتشاف ديناميكية مستكشفي العصر الفكتوري للعودة نحو عالم أوسع. وأضاف: «من أجل العثور على أصدقاء وفتح الأسواق، ونشر ثقافتنا وقيمنا».

وتزامن هيمان جونسون التاريخي مع مشروع سياسي حقيقي، وإن كان خيالياً، تمثل في إعادة بناء بريطانيا العظمى، وهي استراتيجية تتألف من إعادة تنشيط الصداقات القديمة في «الكومنويلث»، وإعادة اكتشاف العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، وتعزيز العلاقات مع الاقتصادات الآسيوية. وهي استراتيجية كبيرة وتعتبر جزءاً من أسطورة وطنية تركز على مكانة الدولة كجزيرة. ولفهم وجهة نظر جونسون بصورة أفضل للعالم من الأفضل البدء من هذه القصة.

وتلخص فكرة الدولة الجزيرة السمات التي تميز المملكة المتحدة مثل الوحدة، والأمن العسكري، والقوة العالمية، والانفصال عن القارة. فهي رمز لكل من الانفتاح والانعزال، والاستقلال، والمرونة. لقد كانت بريطانيا العظمى، ولاتزال، منغلقة بعناد، وفي الوقت ذاته متجهة نحو العالمية بلا هوادة.

مزايا الانغلاق

ولقد كان هذا الانغلاق هو الذي أدى إلى حالتها الاستثنائية، فالمملكة المتحدة ليست منعزلة من الناحية الجغرافية عن القارة المزدحمة بالسكان، وإنما متفردة أيضاً من الناحية التاريخية. ويفتخر البريطانيون بالتاريخ المتفرد لدولتهم حيث الحرية المتواصلة، واستمرارية حكمهم بأنفسهم، إضافة إلى حكم القانون. وانطلاقاً من هذا الافتخار بالذات، فإن التركيبة القانونية التي فرضتها عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لوثت النقاء المؤسساتي البريطاني. وبالنظر إلى أسطورة الدولة الجزيرة، فإن الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يكن يخيف جونسون، إذ إنها تتماشى مع الرؤية العالمية الواضحة والمميزة التي ترى أن المصالح البريطانية تكمن بعيداً عن أوروبا.

وتظل استراتيجية بريطانيا العالمية المتعلقة بالحنين الى الماضي مرتبطة بفكرة مفادها أن بريطانيا ستتحول من كونها عضواً عادياً في الاتحاد الأوروبي إلى نسخة حديثة من القوة الإمبراطورية القديمة. وبفضل إرث دبلوماسي يرجع الى فترتها الاستعمارية، ستجد المملكة المتحدة نفسها في مركز شبكة كثيفة من العلاقات مع أقربائها الحقيقيين، وتستمتع في الوقت ذاته بوضعية أكثر نفوذاً وتأثيراً مما كانت عليه وهي عضو في الاتحاد الأوروبي.

وتستطيع بريطانيا، وهي خارج أوروبا، العمل على بناء فضاء أنغلو ساكسوني مع دول ناطقة بالإنجليزية وملتزمة جميعها بحكم القانون والديمقراطية والأسواق المفتوحة، وستكون أستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، والولايات المتحدة هي الدول المرشحة بصورة طبيعية للتجارة الحرة، وتبادل زيارات السكان.

تنشيط العلاقات

ويمكن أن تقوم بريطانيا بتنشيط علاقاتها مع دول أخرى أيضاً مثل دول «الكومنويلث»، وهو إرث يعود إلى إمبراطوريتها، والتي تبلغ 53 دولة موزعة في خمس قارات، ويبلغ تعداد سكانها نحو 2.5 مليار نسمة، والذين أدارت بريطانيا ظهرها لهم عندما انضمت إلى المجتمع الاقتصادي الأوروبي عام 1973. ويصور جونسون والمتشددين من أنصار البريكست الكومنويلث باعتبارها الأصول التجارية غير المستغلة، والتي تتضمن أحد أسرع الأنظمة الاقتصادية في العالم وهي الهند، والتي ستسمح للمملكة المتحدة بأن يكون لها وجود في شتى بقاع الأرض.

وضمن إطار هذه الاستراتيجية، يمكن أن تلعب أوروبا دوراً ثانوياً. ويرى جونسون أن الاتحاد الأوربي مشروع محكوم عليه بالفشل. وكما هي الحال في القرون الماضية فإن أوروبا كقارة ستكون دائماً مصدراً للمتاعب والمشكلات بالنسبة للمملكة المتحدة. وستظل بالتأكيد سوقاً أساسية لتصريف البضائع البريطانية، لكن أهميتها النسبية ستنخفض مع الأيام نتيجة ظهور أسواق أكثر ازدهاراً وقوى عالمية أكثر حزماً وثقة. وبناء عليه من الأفضل بالنسبة لبريطانيا أن تدير مصالحها خارج أوروبا بصورة مستقلة.

افتراضات زائفة

وتستند فكرة بريطانيا العالمية إلى العديد من الافتراضات الزائفة. وأولاً، لقد كانت الإمبراطورية البريطانية بالتأكيد عالمية، لكنها كانت أولاً وأخيراً بريطانية. وبخلاف بريطانيا، فإن مستعمراتها السابقة كانت أقل حنيناً للماضي. وإذا صادف وحدث ذلك فإن ذكريات الماضي بالنسبة لهم معظمها أليمة وسلبية.

وإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة ربما يتضح أنها ليست بهذه الخصوصية التي يعتقد بها جونسون، لكن غير مستعد للاعتراف بذلك. وصحيح أن كلاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأنصار «البريكست»، يحفزهم أشكال متشابهة من السخط، لكن كل منهم يحمل في ذهنه أهدافه الخاصة. وكانت البريكست تستند إلى تعددية السوق الحرة، لكن ترامب يدافع عن الحماية وفكرة أميركا أولاً. وفي الوقت ذاته فإن كل دولة من دول الفضاء الأنغلو ساكسوني لها الأولويات، والمصالح الخاصة بها. وأستراليا ونيوزيلندا ممزقتان بين هويتهما الغربية وموقعهما في المحيط الهادي، وهما تريان أن بريطانيا ما بعد «البريكست» فقدت جاذبيتها كوسيط عبر الأطلسي ومصدر توازن أنغلو ساكسوني في القضايا الأوروبية.

إدواردو كامبانيلا اقتصادي إيطالي يكتب في «فورين بوليسي»


«الكومنويلث» ليس البديل

«الكومنويلث»، المؤلف من دول بعضها ديمقراطي وأخرى دكتاتورية، وتتمتع بأنظمة اقتصادية بعضها متطور وأخرى متخلف، لا تقدم بديلاً اقتصادياً موثوقاً عن الاتحاد الأوروبي. وتتلقى دول «الكومنويلث» أقل من 10% من الصادرات البريطانية، كما تقدم أقل من 10% من وارداتها. وأما الولايات المتحدة فإن اقتصادها يعادل ضعفي اقتصاد المملكة المتحدة، أما اقتصاد الاتحاد الأوروبي فهو يعادل ضعفي اقتصاد الولايات المتحدة. وإذا انخفضت التجارة البريطانية مع الاتحاد الأوروبي، فإنها يمكن أن تعوض عن طريق زيادة التجارة مع دول بريكس بنسبة 25% (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا).

ولكن التحدي الأعظم الذي يواجه رؤية جونسون المتعلقة ببريطانيا العالمية ستكون داخلية، فضمن المملكة المتحدة توجد هناك اسكتلندا، وأيرلندا الشمالية وهما أكثر التزاماً بمشروع الاتحاد الأوروبي من طبقة الحكم في الإمبراطورية الحديثة. وإضافة إلى ذلك فهناك العديد من أنصار «البريكست» خارج دوائر جونسون، خصوصاً أولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية والصناعية، يتمتعون بمواقف أكثر انغلاقاً وعزلة، وهم يريدون إيقاف القوى العالمية خارج الحدود كي يعيشوا حياة هادئة وآمنة في داخل بلدهم.

وسيدرك جونسون سريعاً أن الحنين إلى الماضي ليس البوصلة الملائمة لسياسة القرن الواحد والعشرين.

تلخص فكرة الدولة الجزيرة السمات التي تميز المملكة المتحدة مثل الوحدة، والأمن العسكري، والقوة العالمية، والانفصال عن القارة. فهي رمز لكل من الانفتاح والانعزال، والاستقلال، و المرونة. لقد كانت بريطانيا العظمى، ولاتزال، منغلقة بعناد، وفي الوقت ذاته متجهة نحو العالمية بلا هوادة.

تستطيع بريطانيا، وهي خارج أوروبا، العمل على بناء فضاء أنغلو ساكسوني مع دول ناطقة بالإنجليزية وملتزمة جميعها بحكم القانون والديمقراطية والأسواق المفتوحة. وستكون أستراليا، وكندا، ونيوزيلاندا، والولايات المتحدة هي الدول المرشحة بصورة طبيعية للتجارة الحرة، وتبادل زيارات السكان.

طباعة