بعد وقف بيعها طائرات «إف 35»

إبعاد تركيا من حلف الناتو.. أفضل مكافأة لبوتين

صورة

بعد سنوات عدة من الجدل مع الولايات المتحدة قررت تركيا، الأسبوع الماضي، قبول أول شحنة من أنظمة صواريخ إس-400 الروسية المتطورة جداً. ويتواصل نقل المعدات الداعمة التي تجعل هذا النظام الصاروخي في كامل جهوزيته العملياتية إلى تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ونشعر الآن بأننا نقف في نقطة تحول، والتي يمكن أن تعجل من انسحاب تركيا من الحلف الذي بدأ منذ نحو 70عاماً.

ولدى الولايات المتحدة وشركائها ثلاثة اعتراضات على قيام تركيا بشراء صواريخ إس-400. والأول والأكثر جلاء هو المخاطرة بأمن حلف الناتو، إذا اندمجت منظومة إس-400 الصاروخية مع منظومات الدفاعات الجوية للحلف. ومن المستحيل معرفة آليات جمع المعلومات أو الأسرار التي ينطوي عليها هذا النظام الروسي. وثانياً، فان الحلف يشعر بالقلق، وهو على حق، من قيام طائرة إف-35 الاميركية الصنع، وهي من الجيل الخامس للطائرات الشبحية، بالعمل بصورة روتينية تحت مراقبة من منظومة مصنوعة في روسيا. وتشير المعرفة التفصيلية إلى أن الطريقة التي يرى بها صاروخ إس-400 الطائرة إف-35 الشبحية تمثل نصراً استخباراتياً لموسكو. وأخيراً، فإنها ستكون رسالة جيوسياسية سيئة عندما يقوم أحد الأعضاء الأساسيين في حلف الناتو، بشراء أسلحة من طرف يعتبر عدواً للحلف، يعمل دوماً ما بوسعه لصنع التحديات في وجهه.

تناقض ترامب

وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد نرامب بدا متناقضاً في انتقاداته لشراء تركيا لهذا الصاروخ من روسيا، حيث قال ذات مرة إن فرض عقوبات على تركيا ينطوي على الظلم، إلا أنه أوقف بيع طائرة إف-35 لتركيا الأسبوع الماضي.

ولكن وزارة الدفاع الأميركية تؤيد وبقوة إبعاد تركيا عن برنامج طائرة إف-35 بصورة كلية. ويشعر الكونغرس الأميركي بالغضب الشديد أيضاً، وربما سيعمل على الدعوة الى فرض عقوبات استناداً الى قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال قانون العقوبات الصادر عام 2017. وأصدرت لجنة الكونغرس لخدمات التسليح بياناً ينص على أن ثمة «إشارات مزعجة» ناجمة عن زيادة «التوافق الاستراتيجي» بين تركيا وروسيا، والكونغرس على صواب تماماً.

وتجري كل هذه الأمور على خلفية الخلافات المتزايدة بين تركيا مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وتعارض تركيا وبشدة دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد في شمال شرق سورية، حيث تقول إنهم مرتبطون بمجموعات إرهابية انفصالية تعمل داخل تركيا. وهي تمضي قدماً في التنقيب عن الغاز والبترول في مناطق تثير الجدل في شرق البحر المتوسط، مدعية أنها حصلت على التخويل بالتنقيب من حكومة شمال قبرص الموالية لتركيا، وهي دولة لم تعترف بها أي دولة في العالم سوى تركيا. وفي نهاية المطاف فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يواصل قمع وسائل الإعلام والجهاز القضائي والمجموعات المعارضة له، ما يثير القلق من احتمال التحول إلى نظام شمولي. والسؤال المهم هنا في هذا السياق، ما مدى عمق هذا الصدع في العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، وما لذي يمكن فعله لتحسينها؟

أردوغان مغرور

أولاً، تحتاج إدارة ترامب والأوروبيون إلى الاعتراف بمدى ارتفاع المخاطر في هذا النزاع. ومن المعروف أن أردوغان شخص مغرور ويكره حلف الناتو بصورة خاصة. وقد التقيت به في مناسبات عدة عندما كان رئيس حكومة وكنت أنا من كبار قادة الحلف. وهو متشكك في الجيوش بصورة عامة، حيث تعزز هذا التوجه لديه بعد محاولة الانقلاب ضده قبل نحو أربع سنوات، والتي يصر على أنها تمت من الجيش التركي.

ولطالما كانت تركيا عضواً مهماً في الحلف، إذ إن القوات التركية التي كانت تحت قيادتي كانت في غاية المهنية وجزءاً مهماً من جهودنا في أفغانستان، وليبيا، والبلقان، إضافة الى مقاومة القرصنة في البحار. وبالطبع فإن خسارة دولة عضو في الحلف تمتلك ثاني أضخم جيش فيه سيكون خطأ جيوسياسياً مهماً. وستكون سابقة رهيبة أن نرى عضواً في الحلف يشعر أنه تم استبعاده عنه نتيجة العقوبات. وبناء عليه، يتعين على الغرب العمل لتحقيق نتيجة تحافظ على بقاء تركيا في الحلف عضواً فاعلاً ومساهماً في نشاطاته.

وثانياً، يجب إبعاد النقاش بعيداً عن الخلاف الحالي بين الولايات المتحدة وتركيا، والتركيز على الحوار بين قيادتي بروكسل وحلف الناتو. ويوجد في حلف الناتو 29 دولة، وهناك العضو الثلاثين وهو مقدونيا الشمالية التي من المرجح أن تدخل الحلف في وقت لاحق من العام الجاري أو المقبل. وبالطبع فإن الصوت الموحد للحلف ضرورة مهمة لإقناع تركيا بأن شراء صواريخ إس-400 يشكل خطأً كبيراً، ولكن ليس نهاية لمشاركة تركيا في الحلف، ومن المهم العمل بروية لإبعاد تركيا عن روسيا ولكن بحذر.

وثالثاً، يجب على حلفاء الناتو التفكير بصورة أكثر إبداعية حول كيفية معالجة القلق الناجم عن منظومة الصواريخ الروسية. وعلى سبيل المثال، ربما يكون هناك حلول تقنية لفصل منظومة إس-400 عن منظومة الدفاعات الجوية التابعة للحلف، والتي تعمل من قاعدة «رامشتاين» الجوية في ألمانيا (حيث أمضيت أياماً عدة وأنا أحلل ليس فعالية النظام وإنما درجة تكامله) أو أنه يجب على حلف الناتو النظر في إمكانية تشجيع الأتراك على ترك صواريخ إس-400 دون تشغيل، وعندها يمكن أن نبيعهم أنظمة دفاعية جوية أخرى متطورة، وربما بأسعار مخفضة لتسد حاجاتهم الدفاعية الشرعية.

وكان ترامب قد عرض على الأتراك تزويدهم بصواريخ باتريوت، وهناك أنظمة أخرى جيدة متوافرة والتي لا تحتوي تقنيات الصاروخ الروسي إس-400. وفي ما يتعلق بموضوع بيع تركيا لطائرة إف-35 فيمكن تأجيله بينما يقوم حلف الناتو بحل المشكلات مع تركيا بدلاً من الغاء عضويتها بموجب العقوبات.

وفي نهاية المطاف، سيكون من المفيد زيادة مستوى التعاون في جبهات أساسية أخرى، مثل تبادل الوفود المهمة لتشجيع المساهمات التركية في مهمات حلف الناتو. وعلى سبيل المثال فإن وزير الدفاع التركي الجنرال خلوصي آكار، هو صديق لي وهو معروف جيداً، ويحظى بالاحترام في البنتاغون الأميركي، كما أن المزيد من التكامل الدبلوماسي والتشغيلي خارج نطاق الدفاع الجوي الضيق نسبياً، يمكن أن يكون مفيداً.

وفي الحقيقة فإن الحياة مملوءة بالخيارات، لكل من الأشخاص و الدول. وإذا اختارت تركيا المضي قدماً بشراء منظومة إس400 بصورة شاملة، فإن طرفي هذا النزاع يجب عليهم العمل للتوصل الى نتيجة مقبولة، والتي لا تؤدي الى انقسام وحدة الحلف، ولكن تحافظ أيضاً على وحدة الدفاعات الجوية في الحلف وعمل طائرة إف-35. ويمكن تحقيق ذلك، ولكن سيكون بحاجة إلى الكثير من العمل الجاد والاستعداد لتقديم التنازلات.

جيمس ستافريديس أدميرال بحري أميركي متقاعد


ستكون سابقة رهيبة أن نرى عضواً في الناتو يشعر بأنه تم استبعاده منه نتيجة العقوبات. وبناءً عليه، يتعين على الغرب العمل لتحقيق نتيجة تحافظ على بقاء تركيا في الحلف عضواً فاعلاً ومساهماً في نشاطاته.

تعارض أنقرة بشدة دعم أميركا للمقاتلين الأكراد في شمال سورية، بتهمة ارتباطهم بمجموعات إرهابية انفصالية تعمل داخل تركيا.

طباعة